}

"أهلًا بكم في غزة": المعاناة والبطولة وجهان للقضية الفلسطينية

وائل سعيد 23 فبراير 2026
مسرح "أهلًا بكم في غزة": المعاناة والبطولة وجهان للقضية الفلسطينية
من العرض المسرحي "أهلًا بكم في غزة"

على الرغم من تأخر العرض حوالي ساعة عن موعده، بدا الانتظار فرصة جيدة للحضور، من جنسيات عربية وأجنبية متعددة، لاستعادة ذكريات قديمة، أو لاكتشاف صلات قرابة وعائلية قريبة كانت أو بعيدة، خصوصًا أن غالبيتهم، بدرجات متفاوتة، لم ينجوا من أشكال مختلفة من تجربة التهجير. لذلك لم يكن مستغربًا أن تمتلئ قاعة مركز الجزويت في القاهرة عن آخرها، بجمهور لم يأتِ للمشاهدة فقط، بل لدعم ومساندة الناجيات من الحصار الصهيوني المفروض على غزة، وزاد من وطأة اللحظة أن بعض الحضور تربطه صلة مباشرة بعدد من بطلات العرض المسرحي "أهلًا بكم في غزة"، للمخرجة الفلسطينية رائدة غزالة.
العرض من إنتاج مؤسسة HANDS UP، إحدى منظمات المجتمع المدني الدولية التي تسعى إلى ربط أطفال وفتيان فلسطينيين بالعالم ثقافيًا خارج حدود الحصار، سواء عبر اللقاءات التفاعلية عن طريق التطبيقات الرقمية، أو من خلال تنظيم مجموعة من الأنشطة الفنية والأدبية، إلى جانب برامج لتطوير اللغة وتنمية المهارات المختلفة. من بين أحدث المبادرات التي أطلقتها المؤسسة يأتي مشروع "الفن من بين الأنقاض"، بوصفه محاولة للبحث عن الأمل وسط الدمار، إلا أنه أمام شُح الموارد المتاحة، لم يتوفر له سوى مجرد خيمة فنية متنقلة، تحولت إلى مساحة رمزية...، "حيث يمكن التعلم والإبداع، والتعافي".
كذلك، تعد مسرحية "أهلًا بكم في غزة" واحدة من أبرز الأعمال الإنسانية التي خرجت حديثًا من رحم هذه المبادرة؛ تجربة لا تكتفي بالعرض المسرحي بقدر ما تقدم شهادة حيّة لخمس فتيات فلسطينيات، روان وشذى، وثلاث يحملن الاسم ذاته، حلا، يدرسن حاليًا في كليات مختلفة بالقاهرة، بعد رحلة عبور شاقة لتجاوز الحدود؛ رحلة تركت في كل واحدة منهن أثرًا بالغًا، بين من فقدت عائلتها بالكامل، أو أباها، أو أمها وأختها.

المسرح الفقير

المخرجة رائدة غزالة 


حين سئل المخرج والمنظر المسرحي، جيرزي غروتوفسكي، عن المرجعية الأساسية التي شكّلت أفكاره حول المسرح، أجاب بكلمة واحدة وحاسمة في الوقت ذاته، "الممثل". ليس من الغريب، إذًا، أن يبتكر المسرحي البولندي نظريته الأشهر في "المسرح الفقير"، بوصفه مسرحًا يتخلى طوعًا عن العناصر المساندة للتمثيل، من ديكور وسينوغرافيا وإكسسوارات، لصالح الحضور الإنساني الخالص للممثل، مستفزًا كامل طاقته الداخلية والخارجية بوصفه كيانًا قائمًا بذاته على خشبة المسرح، لا يجاوره سوى الموسيقى والإضاءة، وفي أضيق الحدود في بعض الأحيان.





في عرض "أهلًا بكم في غزة"، لم يبتعد الأمر كثيرًا عن هذا السياق. من هنا، يعد واحدًا من أكثر العروض تقشفًا ومغامرة في الوقت نفسه، مراهنًا على الحد الأدنى لقول أقصى ما يمكن قوله، بداية من الاستدعاء المجازي للمكان، عن طريق شاشة تحتل يسار المسرح كمدخل للمدينة، فثمة لافتة واضحة تقول: "غزة ترحب بكم"، يجلس أسفلها عازف متلحف بالشال الفلسطيني، ومن جيتاره يتناهى إلى أسماعنا موسيقى خافتة، أشبه بتمهيد للدخول إلى العالم المسرحي، فيما تتوالى صور فوتوغرافية لمعالم المدينة كما كانت قبل أن يجرفها العدوان، فتبدو الشاشة كذاكرة مفتوحة تكتمل بالدخول الجماعي لبطلات العرض، مرددات، "ميّل على شاطئ حيفا وخدلك من رمله تذكار"، من أغنية المطرب الفلسطيني شلبي يونس.
على الرغم من فقر إمكانات المسرح الذي نسجته رائدة غزالة، معتمدة في المقام الأول على الفتيات، فقد نجحت في توظيف عناصر بسيطة ضمن تركيبة بصرية وأدائية تنسجم مع عفوية الحكايات وبراءتها. فيما تستعاد بعض المشاريع المسرحية السابقة للفتيات، كي يتم دمجها داخل سياق سردي يمتد قرابة الساعة؛ بمعدل عشر دقائق تقريبًا لكل فتاة، وعشر أخرى يجتمعن فيها على الحكاية، في الوقت نفسه، تتبادلن تجسيد الشخصيات المساندة داخل حكاية كل واحدة، على كلا المستويين، أدوار النساء والرجال تمثيليًا، وهو ما يخلق بناء إيقاعي واضح يقوم على التناوب بين الفردي والجماعي، متحررًا من أي فوارق، حتى الجندرية منها، أمام القضية الكبرى التي تتقدم على ما سواها.
هذا التبادل في الأدوار لا يمنح العرض حيوية درامية فحسب، بل يؤكد أيضًا فكرة الألم الجمعي، بحيث لا تعود الحكاية ملكًا لصاحبتها وحدها، بل مشاركة ملزمة، يتقاسم الجميع عبء توثيقها وإيصالها للعالم. في إحدى الحكايات، تمنح عشر دقائق لربة منزل فلسطينية، لترحل عن مسكنها وتجمع ما تستطيع قبل أن يُقصف الحي. غير أنّ المرأة لم تقدر على حمل ذكرياتها ولا تاريخها، أو تفاصيل حياتها المعلقة على الجدران بجوار الصور والملابس، كما تقول. وبينما هي في حيرتها، تفاضل بين ما تأخذه وما تتركه، ينهار المنزل. نلاحظ أن "الدقائق العشر" المستحضرة، كسابقتها، لم تكن مجرد تقسيم زمني داخل بناء العرض، بل هو تجسيد لضغط واقعي يتكرر فيه الزمن بمعان مختلفة، بحيث يتحول التوزيع المسرحي إلى عد تنازلي للفقد.

أشخاص عاديون جدًا

من مسرحية "أهلًا بكم في غزة"


في حوار سابق، أشارت رائدة غزالة إلى قلة عدد الفنانين الفلسطينيين، ومع ذلك، فإن أعمالهم نجحت في الوصول إلي العالمية، ربما لهذا، اهتمت غزالة بعمر الزهور، للبحث عن بذور لمبدعين قد يبهرون العالم مستقبلًا، عاكفة على تشكيل فرقها من بين الخيام ومعسكرات اللاجئين، ومن بينهم بطلات "أهلًا بكم في غزة"، وكانت قد التقت بهن قبل عشر سنوات (2016)، حين لم تتجاوز أعمارهن الحادية عشرة، أو الثانية عشرة على الأكثر.
تنطلق غزالة في مسرحها من الإنسان بوصفه مادة العرض الأساسية، لا من نص مكتوب سلفًا، في تماس مباشر مع تقاليد مسرحية مختلفة، مثل الشهادة والحكواتي ومسرح المهمشين، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة للاعتراف، وربما للشكوى، لا إلى فضاء تمثيل تقليدي، فغالبية ممثليها يظهرون بأسمائهم الحقيقية.
ضمن هذا البناء، تحضر المادة الفيلمية التي وثّقت حياة الفتيات في مرحلة سابقة، إلى جانب زميلات أخريات بقين معلّقات إلى الأبد في عمر الطفولة، بعد أن استشهدن في قصف الاحتلال. في ذلك، استعانت المخرجة بشاشة أخرى يمين المسرح للعرض تارة، ولاستخدامها في خيال الظل تارة أخرى، فيما يُستخدم الإيهام عبر الحوار لتشيييء أشياء وهمية، وصنع الإكسسوارات بالكلمة وحدها. كما تتكرر الصور الجماعية كفواصل بصرية، فتبدأ فتاة تلو الأخرى في استدعاء قصتها، بينما تتجاور صورتها القديمة على الشاشة مع حضورها الراهن في دمج بين الحقيقة والصورة، وأحيانًا يعلو صوت الراوي مستحضرًا أسماء زميلات استشهدن بقصف الاحتلال قبل أن تُتاح لهن المشاركة في العرض.
إلى جانب الفيديوهات والمشاهد المصورة المصاحبة للأحداث عبر الشاشتين، يستلهم العرض من الفن السينمائي تقنية الاسترجاع- الـ(فلاش باك)، ليصوغ مقابلات ذات طابع فلسفي ووجودي، حيث تطرح كل حكاية وجهين لصاحبتها، لا يمثل الأول مرحلة عمرية سابقة فقط، بل يتجسد بوصفه احتمالًا آخر للمصير، انحرف ــ ولو جزئيًا ــ عن المسار الشائع، منتصرًا للحياة بقدر ما سمحت الظروف. أما الوجه الثاني فهو ذلك المصير بعد أن كُتبت له النجاة، الآن أصبح في مقتبل العمر. هكذا تتجاور صورتا الحياة والموت، وتتداخلان في بناء بصري ودرامي واحد، في توليفة ذكية تُحسب ضمن ما حققته المخرجة في العرض.
سكان غزة ليسوا أبطالًا، تبدأ إحدى الفتيات حكايتها، مؤكدة، بل إنهم بشر عاديون، يملكون كثيرًا من الذكريات، حكايات النزوح وراء وهم توفير الأمان، حوارات مستلهمة من شابلن عن أن الكراهية ستنتهي، مسرحية قُدّمت في زمن كورونا، عائلة لم تترك البيت، بل البيت هو الذي تركها، سماء تستقبل ملاكًا جديدًا بعد أيام من ولادته، وصدى الأغاني: "ضرب الخناجر ولا حكم النذل بيّا". كلها تفاصيل لا تصنع بطولة خارقة، بل ترسم ملامح بشر عاديين لا يكفون عن الحلم. وعلى قدر ما يبدو الفقد حاضرًا بقوة، يظل الفن محاولة دائمة لإعادة صياغة الحياة نفسها، حتى في أكثر الظروف قسوة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.