يأتي فيلم "بلياتشو غزة" للمخرج الفلسطيني عبد الرحمن صباح كواحد من أبرز ثمار المشروع الجماعي "من المسافة صفر وأقرب"، من إنتاج مؤسسة "مشهراوي لتطوير السينما والسينمائيين في غزة"، ليقدم رؤية بصرية لا تكتفي بتوثيق جغرافيا الدمار، بل تنفذ إلى كيمياء الصمود اليومي، ما يمنح الفيلم شرعيته الفنية؛ فهو لا يروي الحكاية عن غزة، بل يرويها من قلبها، محولًا الكاميرا إلى شاهد حي يرفض المحو والنسيان.
الشخصية المحورية، علاء مقداد (علّوش)، مهرّج قصير القامة يبدو أربعينيًّا، يمثل تجسيدًا للمفارقة الفلسطينية، فالقناع الملوّن الذي يرتديه ليس للتسلية فقط، بل هو نمط مواجهة ناعمة، كونه يوازن في الفيلم بين مسؤوليته كفنان شعبي يرمم أرواح الأطفال، وبين كونه أبًا ومُعيلًا يعيش قسوة الواقع العاري، من تهجير ونزف وفقدان.
هذه الازدواجية هي جوهر الفيلم؛ فالضحك هنا لا ينفي صوت الانفجار، بل يتجاور معه في اشتباك دائم، ما يحول المهنة إلى موقف وجودي يحمي الطفولة من الانكسار الكامل.
الفيلم الفائز بجائزة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة الأخيرة لمهرجان وهران السينمائي ينتقل ببراعة لافتة من فضاء العرض العام المفتوح إلى الحيّز العائلي الحميم، محولًا الخيمة في "بلياتشو غزة" من مجرد أيقونة نمطية للجوء والبؤس إلى مساحة حيوية لإعادة تدوير الحياة وتنظيم الروتين اليومي وسط ركام الفوضى العارمة.
وفي هذا الفضاء المكاني الضيق تنبثق العائلة بوصفها وحدة الصمود الأخيرة، وخط الدفاع الأول؛ حيث ينبري الأب لانتزاع زمن إنساني خاص يهديه لأطفاله، محاولًا ترميم ما هدمته آلة الحرب من سكينة، بينما يمارس الأطفال طفولتهم بشجاعة مذهلة على حافة الفقد والعدم، ليصبح الحلم بالعيش بشكل عادي هو أقصى الطموحات الممكنة، وذروة التحقق الوجودي.
وهنا يبرز الجوهر العميق للفيلم، فهو لا يكتفي برصد دمار الحجر والبنى التحتية، إنّما يغوص في رصد تلك الشروخ الغائرة التي تصيب الرغبة البشرية الفطرية في الاستقرار والاستمرار، ليجعل من تماسك العائلة داخل هذا البيت المؤقت أسمى أشكال المقاومة النفسية، والضمانة الوحيدة للحفاظ على ملامح المستقبل من المحو والاندثار في ظل حرب لا تستهدف الأجساد فحسب، بل تستهدف إمكانية تخيّل الغد.
تتبلور في كادرات الفيلم مفارقة حادة ومشحونة بالدلالات، حيث تتصادم خفة القناع الملون الذي يرتديه علوش مع ثقل الواقع الرمادي الجاثم فوق صدور الغزيين، ليخلق المخرج تقابلًا بصريًا يضع اللعبة الصغيرة في كفة ميزان مكافئة للصاروخ المدمر في كفة أخرى.
هذا الضحك الذي ينتزعه المهرج من أفواه الصغار ليس محاولة للهروب، أو إنكارًا لسريالية الكارثة، بل فعل تحدٍّ واعٍ يرفض الاستسلام لمنطق الإبادة الذي يسعى لمحور الروح قبل الجسد.
في هذا السياق، تكتسب تفاصيل العيش اليومي البسيط، مثل إعداد وجبة طعام شحيحة في خيمة، أو ابتكار لعبة من بقايا الركام، قدسيةً استثنائية؛ إذ تتحول هذه الأفعال التي قد يعدّها بعضهم تفاصيل تافهة في ظروف الاستقرار، إلى مطالب وجودية وأخلاقية كبرى، وإلى ضروب من البطولة الصامتة، فالإصرار على ممارسة الروتين وسط الفوضى الشاملة هو في جوهره إعلان ملكية للذات وللحق في الحياة، وهو ما يمنح الفيلم قوته التعبيرية؛ فهو لا يدين الجُرم عبر الخطابة الإنشائية، بل يوثق بمرارة ما يفعله القصف المنهجي بالأحلام المتواضعة والرغبات الفطرية، كاشفًا أن أبشع وجوه الحرب ليست في تدمير الحجر فحسب، بل في محاولة استلاب الحق الإنساني في أن يكون المرء عاديًا، وأن يضحك أطفاله من دون أن تقطع ضحكتهم طائرة استطلاع.
ووظّف المخرج صباح في "بلياتشو غزة" ترسانة تقنية وجمالية حوّلت العمل من مجرد تسجيل للواقع إلى تجربة حسية مكثفة، حيث لم تكن الأدوات السينمائية مجرد وسائط لنقل الصورة، بل شريكة في صياغة لغة "من المسافة صفر وأقرب".
اعتمد صباح لغة بصرية ترفض المسافات الآمنة، حيث تلتصق الكاميرا بالوجوه، لترصد "الميكرو ــ دراما" الكامنة في تفاصيل الملامح، فهذه اللقطات القريبة لم تكن تهدف إلى استدرار العطف، إنما تسعى إلى تعرية الحقيقة النفسية خلف القناع؛ حيث رصدت الكاميرا بدقة ارتجاف الابتسامة عند حواف الفم، وانكسار الضوء في عيون الأطفال التي تمازج فيها الفرح بالذهول، وصولًا إلى المسام التي يتسلل منها العرق ليختلط بأصباغ وجه "علوش"، وهذا الاقتراب الشديد يجعل المُشاهِد شريكًا في ضيق المكان (الخيمة)، وفي اتساع الأمل، محولًا الشاشة إلى مرآة تعكس هشاشة اللحظة الإنسانية وقوتها في آن واحد.
وشكّل التباين اللوني في الفيلم موقفًا جماليًا وأخلاقيًا منحازًا للحياة؛ فبينما يهيمن رماد الإبادة، وغبار الركام، على الخلفية السينمائية، كدلالة على المحو والموت، يبرز زيّ المهرج بألوانه الفاقعة (الأحمر، والأزرق، والأصفر) كصرخة بصرية متمردة.
هذا التضاد الأيقوني بين ألوان "علوش" الزاهية، وبين سواد ورمادية الدمار الشامل، يخلق مفارقة بصرية مذهلة تجعل من اللون أداة مقاومة لا مجرد عنصر تزييني، فوقوف هذا الكائن الملوّن وسط حطام المدينة يجسد جوهر القضية، مُكوّنًا رمزية إصرار الجمال على الحضور في أكثر البيئات قبحًا، ومُعلنًا أن الهوية الفلسطينية قادرة على استعادة ألوانها مهما بلغت كثافة الغبار.
ولعب شريط الصوت دور البطل الخفي في تعميق الإحساس بالخطر الوجودي، حيث بنى المخرج هندسة صوتية قائمة على التضاد الحاد، حيث تداخلت ضحكات الأطفال العفوية، والقهقهات التي ينتزعها المهرج، مع الضجيج المستمر للحرب، لا سيما أزيز طائرات الاستطلاع (الزنانة)، وصوت القصف البعيد الذي يتردد كخلفية ثابتة للحياة في غزة... هذا المزج الصوتي يعزّز الشعور بأن الفرح في غزة لحظة مختطفة وهشة مهددة بالانكسار في أي ثانية.
الصمت أيضًا كان له حضور تقني بارز؛ إذ كان يفصل بين العروض وبين لحظات التأمل داخل الخيمة، ما منح الفيلم إيقاعًا تنفسيًا يراوح بين صخب الأداء وانكسار الواقع، مجسدًا صوت الحقيقة التي تعيشها العائلة الفلسطينية تحت القصف.
ويُحسب للفيلم قدرته الفائقة على تجنب الخطاب المباشر والشعاراتي، وتركيزه على الإنسان، لا على الحدث العسكري. ومع ذلك، يظل التحدي في مثل هذه الأعمال هو تجنب الوقوع في رومانسية الألم إذا ما طغت اللقطات المؤثرة على حساب التحليل العميق لصوت المهرّج نفسه خارج الأداء، وهو ما نجح فيه "بلياتشو غزة"، إلى حد كبير، حيث استطاع الحفاظ على مسافة تأملية رصينة.
"بلياتشو غزة" ليس فيلمًا عن مهرّج، بل مساءلة لوظيفة الفن في زمن الكارثة، فهو يثبت أن الضحك في غزة ليس ترفًا، بل أداة نضالية تمنح لحظة حياة كاملة وسط الموت، وفي تلك اللحظة تحديدًا تتجسّد مقاومة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد القلوب التي ما زالت ترفض أن تموت بصمت... إنه فيلم يسجل ليس فقط ما تهدّم في غزة، بل ما تبقّى حيًّا وجديرًا بالحياة، مُوثّقًا قدرة الفلسطيني على ابتكار أشكال غير متوقعة للمواجهة.


تحميل المقال التالي...