}

جديد السينما: الانضباط والحيوية في ثلاثة أفلام سينمائية

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 3 مارس 2026



شكّل الانضباط (سواء العسكري، أو السلوكي) ثيمة رئيسية في الفيلم الهندي "واحد وعشرون"، والفيلم الأميركي "الاستعداد للحياة المقبلة"، بينما شعّت الحيوية واضحة صادحة في الفيلم الهندي "كان يا ما كان هناك ملك". الأفلام الثلاثة من إنتاج عام 2026.

"واحد وعشرون" Ikkis: مجالدة الدبابات الكبرى

الهجوم الشرس وغير الموضوعي الذي تعرّض ويتعرّض له الفيلم الروائي الهندي الطويل "واحد وعشرون"، من إخراج سريرام راجافان وتأليفه بمشاركة أريجيت بيسوان وبوجا لادها سورتي تأليفًا، منذ صدوره وانطلاق عروضه في صالات السينما الهندية وغيرها، شكّل الحافز الأهم عندي للكتابة عنه. فمعظم من كتبوا سلبًا عن الفيلم، أو رفضوا سرديّته، لم يكن دافعهم موضوعيًا نابعًا من مفردات النقد السينمائي، وليس له علاقة بضعف في بنياته الدرامية أو البصرية، أو في أداء ممثليه، أو بسبب اضطراب رؤيته الإخراجية، بل شكّلت العنصرية، للأسف الشديد، المحرّض الرئيسي للتقليل من شأن الشريط؛ حيث يتناول الفيلم، في 145 دقيقة، شجاعة ملازم هندي شاب من سلاح الدروع شارك في عام 1971 في الحرب التي اشتعلت بين الهند وباكستان، بسبب قمع باكستان لتطلعات بنغلاديش الانفصالية وتحرّك الهند لمساندة بنغلاديش وتحقيق انفصالها عن باكستان بهدف حماية الأقلية الهندوسية هناك، رغم أن نسبة هذه الأقلية لا تتجاوز حتى يومنا هذا ثمانية بالمائة من عدد السكان البالغ زهاء 160 مليون نسمة.

أما دوافع هذه العنصرية المقيتة فهي أن الفيلم يسلّط الضوء على علاقة دافئة تصاعدت وتيرتها خلال دقائق الفيلم بين والد هذا الملازم الهندي الشاب وبين ضابط باكستاني متقاعد وأسرته، التي استقبلت والد الملازم في بيتها في لاهور الباكستانية، وفتحت له دفء صدورها قبل أن تفتح له أبواب خصوصيتها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الفنان الذي أدى دور والد الملازم هو الممثل الهندي المخضرم دارميندرا Dharmendra (1935-2025)، الذي رحل خلال تصوير الفيلم، ما أضفى مزيدًا من الدفء على الجزء المتعلّق بمشاهده من الفيلم، ومشاهد علاقته بالأسرة الباكستانية المنفتحة والمثقفة والمختلفة، مما شكّل، على ما يبدو، سببًا إضافيًا للهجوم على الفيلم، والنظر إلى هذه المشاهد بوصفها دقائق زائدة في فيلم حربي بالأساس.

تتلخص حكاية الفيلم في أن الملازم الشاب آرون خيتاربال يلتحق بالكلية العسكرية الهندية كما فعل والده من قبله، ومن قبلهما جده، فهو ينتمي إلى أسرة عسكرية بالوراثة. يتخرّج آرون من الكلية العسكرية برتبة ملازم ثانٍ، ويتم توزيعه على سلاح الدروع، وتحديدًا الفوج الخاص بدبابة "بونا هورس" التي يعتز الهنود بها كثيرًا، وما أن يلتقي بالدبابة التي سوف يصبح قائدها حتى تبدأ نذر الحرب بين الهند وباكستان تحوم في الأفق؛ إنها الحرب التي انتظرها الشاب على أحر من الجمر، كما لو أن دبابته سيارة سباق بالنسبة له، أو منصة إظهار لبطولته وشجاعته وقدرته على إدارة أفرادها وتوجيه دفة أهدافها.

يستشهد الملازم الشاب بعد أن يرفض أوامر التوقف والانسحاب، موقفًا وحده تقدم عدد كبير من الدبابات الباكستانية من خلال ثغرة اكتشفها ضابط دروع باكستاني برتبة رائد. كان هذا الرائد على أبواب تغيير نتائج الحرب، لولا تصدي آرون ودبابة آرون له ولدبابته، وظل الأمر كذلك إلى أن تمكن الضابط الباكستاني جان محمد نيسار (الذي تقاعد لاحقًا برتبة عميد)، وبعد أن فقد كل الدبابات التي سيّرها معه لهذه المواجهة، من توجيه ضربة قاتلة مدمرة لآرون ودبابته.

المفارقة الكبرى في الفيلم أن الضابط الباكستاني الذي تمكّن من التفوّق على الملازم الهندي الشاب هو نفسه الضابط الذي يستقبل والد آرون، ويفتح له بيته، وترحب به زوجته وابنته الإعلامية. وقد ظل طوال فترة استضافته للعميد المتقاعد إم. إل. خيتاربال، والد آرون (الراحل دارميندرا كما أسلفنا)، يتحيّن اللحظة المناسبة ليعترف له بهذه الحقيقة المؤلمة، وحين فعل، بتحريض وتشجيع من ابنته، تفهّم العميد الهندي ما اعترف له به العميد الباكستاني، فكلاهما جنود في نهاية المطاف، والجنود في المعركة ينفّذون الأوامر، ويحرصون بتفانٍ واستعدادٍ للتضحية والاستشهاد على حماية الأوطان، وهذا، بالضبط، ما فعله الملازم آرون وما فعله جان الذي كان برتبة رائد وقتها.

لقطة من فيلم "واحد وعشرون" Ikkis  



في هذا السياق جاءت مشاهد المواجهة بين دبابات الجيشين قوية التأثير، مثيرة التفاصيل، خصوصًا المجالدة الكبرى بين دبابة الباكستاني جان والهندي آرون. يختلف "واحد وعشرون" عن كثير من الأفلام الحربية بتناوبه بين المشاهد العسكرية والأخرى الإنسانية، أو الرومانسية، أو الطبيعية، وبضبطه إيقاع المحتوى لجهة تعزيز التقارب بين الهند والباكستان اللتين كانتا، بحسب ما يكرر جان في غير مناسبة، بلدًا واحدًا، وربما هذا أكثر ما أثار العنصريين الحاقدين، فشرعوا في كيل الشتائم للفيلم، أو التقليل من شأنه.

عنوان الفيلم له علاقة بالعمر الذي قضاه آرون خلال المعركة الشرسة بين دبابته ودبابة من أصبح لاحقًا صديق والده، فقد مات وهو بعمر 21 عامًا، وأصبح أصغر ضابط هندي ينال وسام "بارام فير شاكرا"، علمًا أن الفيلم يستند إلى وقائع حدثت بالفعل.

"كان يا ما كان هناك ملك" Anaganaga Oka Raju: المرح

المرح يشكّل العنوان الرئيسي في الفيلم الهندي الروائي الطويل "كان يا ما كان هناك ملك" Anaganaga Oka Raju، إخراج: معاري، وتأليف: تشيمنيا تشاترازو ونافين بوليشيتي. المرح في التعامل مع قصته الرئيسية المتمثلة بمساعي راجو الغريب الفقير (نافين بوليشيتي) للوصول إلى شارولاتها (ميناكشي تشاودهاري)، التي كان يظن (وإن بعض الظن إثم) أنها ثرية ابنة ثري، والمرح في تدفق مشاهد الفيلم البالغة مدته (149 دقيقة)، والمتعلقة في معظمها بطرق خداع راجو لشارولاتها وإيهامها أنه ثري مدلل متنفّذ، والمرح في حوارات الفيلم وفي متتالية مشهدياته، وفي أغانيه وموسيقاه.

على كل حال، يتبيّن أن من يحاول خداعها تحاول، بدورها، خداعه، فهي ووالدها قد أفلسا وعليهما رهن وما إلى ذلك، ولكن التحوّل الجوهري في الفيلم ليس هنا، فهذا مما اعتدناه في كثير من الأفلام، بل باكتشاف راجو لمدى استغلال السياسيين للفقراء والمعدمين، وانتزاع أصواتهم في الانتخابات من دون أن يقدموا لهم أي شيء، ولا حتى مدّ طريق لهم في دروبهم لسهول شقائهم ومزارع كدّهم وفلوات بحثهم عن لقمة عيشهم.

ما يؤخذ على الفيلم أن نافين بوليشيتي يستأثر بمعظم تفاصيله، ولا يترك لباقي ممثليه سوى الفتات، كما لو أن الفيلم على طريقة "ون مان شو". ويسجَّل له نزعته الإنسانية، وإظهاره إلى أي مدى تطورت السينما الهندية على صعيد الشكل، وعلى صعيد المحتوى.

"الاستعداد للحياة المقبلة" Preparation for the Next Life: ما وراء الجبال

على مدى دقائق الفيلم الروائي الأميركي الطويل "الاستعداد للحياة المقبلة"، إخراج: بينغ ليو، وتأليف: مارتيانو ماجوك وأتيكوس ليش، البالغة 115 دقيقة، ظل وجدان عائشة (الممثلة سيبياي بيهتيار باقتدار)، وفكرها وبالها، مشغولًا بما وراء الجبال؛ كما لو أن الحياة الآخرة وراء هذه الجبال، وروح والدها الذي تركته خلفها في الصين وسافرت إلى أميركا وراء هذه الجبال، والعقاب والثواب ومختلف مفردات وعيها، جاثمة قائمة منتظرة خلف هذه الجبال.

عائشة تسأل أباها المقيم في الغياب حيث العالم الآخر: "أبي... إلى أين يأخذك الركض؟ هل يمكنك الوصول إلى تلك الجبال؟ وهل يمكن لأحد فعل ذلك؟ ليس لي أحد يجيبني غيرك، فافعل أرجوك". ثم تقول له في حوارية افتراضية ثانية بينها وبينه: "أصبحت أركض بسرعة كما علّمتني يا أبي... ركضت حتى نهاية العالم: أميركا". وفي مرة ثالثة تقول له: "جميع من يعملن معي من الصين، ولكنهم كانوا ينظرون إليّ كما لو أنني من عالم آخر... على كل حال، وبطريقة أو بأخرى، أنا فعلًا كنت كذلك"، في إشارة لما يتعرّض له مسلمو الصين الإيغوريون من اضطهاد وتهميش وعنصرية.

عائشة تبحث في أميركا عن لقمة عيش لها ولأسرتها التي تقيم في مناطق الإيغور داخل الصين، وعن لحظة يفخر بها والدها: "كنت أحب أن أتخيّلك فخورًا بي يا أبي".

الفيلم، رغم بعض البطء في إيقاعه، إلا أنه يتميز بعمق طرحه ونزعته الإنسانية، ويظهر بقوة حجم الانضباط الذي فرضته عائشة على نفسها ليتسنى لها الحفاظ على قيمها في بلد مثل أميركا، ومدينة مثل نيويورك، وهناك تلتقي بسكينِر (الممثل الشاب فريد هيتشينغار)، العائد من خدمة عسكرية في قوات المارينز جعلته يشارك في ثلاثة حروب، من بينها العدوان الأميركي على العراق واحتلال أفغانستان.

تلتقي رغبة الركض عند عائشة مع رغبة الهروب عند سكينِر، وفي حين عشقت عائشة العسكرية لأن والدها كان عسكريًا، فقد كره سكينِر الجيوش والحروب وعاد محطمًا منزويًا. كل هذه التقاطعات والتناقضات بين الشخصيتين؛ الأميركي النوعي المتغطرس المهزوم، والمهاجرة التعبانة على نفسها، المروّضة غرائزها، المسكونة بما وراء المتعيّن، التي تخشى اليوم الآخر، رغم أنها تريد أن تمضي إليه لأن والدها سبقها إليه، تجعل التوتر الدرامي في الشريط مقنعًا ومحرّضًا على الانتباه والرغبة بمتابعة الأحداث ورؤية إلى أين ستمضي بهما أسئلة كليهما.

في سياق آخر، أرى أن الترجمة الأدق لعنوان الفيلم هي "الاستعداد للحياة الآخرة"، أي تلك الحياة التي ينتظرها المؤمنون بعد الموت، رغم أن العنوان الشائع "الاستعداد للحياة المقبلة" يجوز أيضًا، وقد يفي بالغرض، ويوصل الرسالة نفسها.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.