}

أفلام عيد الفطر بمصر: الرغبة بالضحك فوق كل شيء

أريج جمال 12 أبريل 2026
سينما أفلام عيد الفطر بمصر: الرغبة بالضحك فوق كل شيء
ملصق فيلم "فاميلي بيزنس"

أقرب إلى نزهة بين حربين؛ هكذا بدا موسم عيد الفطر السينمائي في مصر هذا العام. الجمهور الذي حاول الاستغراق في متابعة المُسلسلات الدرامية خلال موسم رمضان المُبارك، ربما كي ينشغل بها عن التداعيات المُقلقة إقليميًا للحرب التي بدأت يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، خرج يبحث عن تسلية سينمائية أخيرة في العيد، قبل أن تفرض الدولة عليه إجراءات استثنائية في محاولة لتخفيف التبعات السلبية على الاقتصاد. من بين هذه الإجراءات، الإغلاق المبكر، في التاسعة مساء، للمقاهي وأماكن النزهة الاعتيادية، ومنها طبعًا دور السينما والمسرح. حين طُرحت الثلاثة أفلام لموسم العيد، لم يكن القرار قد صدر بعد. وحين بدأ العمل بالإغلاق استعاد بعضهم شعور الخوف من الحبس الذي عشناه أيام جائحة كوفيد عام 2020.
لعلّ حالة التوجس هذه تُفسر نسبيًا بحث الجمهور عن الضحك في الأفلام المعروضة، حتى لو جاءت الأفلام الكوميدية نفسها ضعيفة فنيًا ومكرورة، وغير ناجحة أصلًا في الإضحاك إلى هذا الحد. في الأيام الأولى، عُرِض "برشامة"، الذي استولى على الحصة الأكبر من إيرادات العيد، من تأليف أحمد الزغبي، وشيرين دياب، وخالد دياب، ومن إخراج خالد دياب، وأداء مجموعة من النجوم المُفضلين للجمهور. والثاني فيلم "فاميلي بيزنس" من تأليف ورشة 3 bros (والحقيقة أنه منقول نقلًا لا تهاون فيه من سيناريو الفيلم الكوري الشهير Parasite، كي لا نقول مسروقًا)، ومن إخراج وائل إحسان، بينما قد يكون من المُستحسن أن ننسب الفيلم إلى نجمه محمد سعد، صاحب النجاح الاستثنائي تاريخيًا في شباك التذاكر المصري لفيلم "اللمبي" عام 2002، مع المُخرج نفسه وائل إحسان.
ثم هنالك فيلمان دراميان هُما "إيجي بست" من تأليف أحمد حسني، وإخراج مروان عبد المنعم. والبطولة لأحمد مالك، وسلمى أبو ضيف، ومروان بابلو. ومن المُفترض أنه عن قصة تأسيس موقع قرصنة الأفلام والمسلسلات الشهير باسم الفيلم عام 2009، والنجاح اللافت الذي حققه في العالم العربي قبل إغلاقه عام 2019، لكن أيضًا بعد أن انطلقت عشرات المواقع الشبيهة، وهي مُستمرة في العمل حتى اللحظة، بينما أُغلِق إيجي بست نهائيًا. أما الفيلم الرابع فهو "اعترافات سفاح التجمع"، من تأليف وإخراج محمد صلاح العزب، وأداء أحمد الفيشاوي في دور السفاح صاحب القضية المشهورة إعلاميًا؛ محاولة ربما لاستكمال خيط مسلسل "سفاح الجيزة" للمؤلف نفسه، ومُحاكاة لسلسلة "وحوش/ Monsters" ذائعة الصيت على شبكة نتفليكس. تعرض الفيلم لنوعٍ من سوء الحظ، إذ تحفظت الرقابة على بعض مشاهده، بعد إجازته للعرض، وسحبته من السينمات في بداية موسم العيد، ما أثر سلبًا على إيراداته. لا سيما أن إعادة طرحه، بعد حذف مشاهد منه، تزامنت مع أخبار العواصف وسوء الطقس في القاهرة، وما رافقها من تعليق الدراسة واضطرار الناس إلى التزام البيوت إثر قرار الإغلاق المُبكر. في مقاله عن الفيلم، يتكهن الناقد السينمائي والصحافي المصري عصام زكريا بأن وراء رفع الفيلم في البداية ضغوط مورست من طرف عائلة السفاح الحقيقي، وليس أن صُناع الفيلم قد خالفوا قرارات الرقابة كما أُشيع في الأخبار.

أكان لا بد أن نتفاءل بشأن أفلام موسم عيد الفطر هذا العام؟
في أواخر العام الماضي، أهدتنا صناعة السينما التجارية في مصر فيلمين على الأقل بعثا على التفاؤل، وجدَّدا الأمل في تقديم أفلام تحمل الحد الأدنى من الجودة الفنية، وتتعامل مع المُشاهِد بجدية يفتقدها في الغالب مُنتجو السينما مؤخرًا. هذان الفيلمان هُما "فيها إيه يعني؟!" اجتماعي كوميدي، من بطولة ماجد الكدواني، وغادة عادل، وإخراج عُمر رشدي حامد، وتأليف مصطفى عباس، ومحمد أشرف، ووليد المغازي، بمشاركة دينا ماهر. الفيلم حقق نجاحًا فوريًا في دور العرض، فمن جانب أعاد تذكيرنا بجمال سينما الراحل محمد خان، ببساطتها ورقتها، باستعادته شيئًا من روح فيلم "في شقة مصر الجديدة"، ومن جانب ثان بدا مُتفاعلًا مع روح العصر ومشاكله، من قلق وخوف مُزمن من المُستقبل، ومن أحكام الناس. الفيلم الثاني هو "السادة الأفاضل"، من إخراج كريم الشناوي، وسيناريو مصطفى صقر، ومحمد عز الدين، وعبد الرحمن جاويش، وهو فيلم بروح الكوميديا السوداء، حقق نجاحًا في شباك التذاكر صحيح، لكن النجاح الأكبر استحقه حين عُرِض بالتزامن على المنصات. تلقف رواد وسائل التواصل الاجتماعي الكوميديا الذكية والمكتوبة والمُنفَّذة بعناية، فروجوا لشخصياته الكاريكاتورية بطريقة نطقها الريفية، وتصرفاتها الفظة والمنافقة أحيانًا، وأعادوا مشاركة مقاطع من مشاهد تُعبر عن روح السخرية العالية والجريئة في الفيلم.





حين لم تخب نزهتنا السينمائية في فيلمي العام الماضي، انبعث الأمل في أن يُلهِم هذا النجاح صُناعًا آخرين بأن يصمموا لنا نزهات سينمائية بسيطة، لكن أيضًا مُحكمة لا تُخالف توقعاتنا.

خيط الريف


من نجاح "السادة الأفاضل" ربما التقط صُناع فيلم "برشامة" طرف الخيط لتقديم فيلمهم. فالقصة تحدث أيضًا في مدينة ريفية، ومن المُفترض مثل "السادة الأفاضل" أن العمل يكشف عن ثقافة الغش، أو بيع الضمائر في الريف (ما يصلح بالطبع كمجاز عن مُجتمع المدينة الذي تزحف عليه سمات مظهرية شديدة وانتهازية)، لكن بأسلوب كوميدي. هنا تُركِز الأحداث على زمن امتحان شهادة الثانوية في قرية ما، حيث يجتمع عدد من الطلبة المُتباينين في شخصياتهم، ويتفق أغلبهم على تمرير المعلومات بينهم، أي على الغش في سبيل النجاح، بينما يُفترض بالفيلم طبعًا أنه يُدين هذا الغش، ويفضح ثقافة النفاق. المشكلة أن الموضوع نفسه ربما يكون قديمًا بعض الشيء. كما أن كتابة الفيلم بالخصوص، وعلى الرغم من أن ثلاثة مؤلفين يتصدون لها، تعاني من تسطيح شديد للموضوع، وإكليشيهية زائدة للشخصيات، وحشر لإيفيهات تُخالف كوميديا "السادة الأفاضل" في أنها تبدو مُفتعلة ومُتنافرة مع البيئة التي "يُفترض" مجددًا أنها حاضنة لأحداث الفيلم. إلى هذا، يبدو أن السيناريو ينسى أحيانًا بعض شخصيات الحدث الرئيسي، بينما يحكي "إيفيهات" أو مواقف غيرهم، قبل أن يتذكرهم فجأة فيعود إليهم، وكأن شيئًا لم يكن.
لعلّ حُب الجمهور لأبطال الفيلم يقف وراء نجاحه التُجاري، وعلى رأسهم هشام ماجد بالطبع، وريهام عبد الغفور (بعد أن خرجت من رمضان بنصيب الأسد من المدح على دورها في المُسلسل المُرعِب "حكاية نرجس"، مع أن دورها هنا أصغر بكثير)، بالإضافة إلى حاتم صلاح، مصطفى غريب، عارفة عبد الرسول، وكمال أبو رية، الذي يُقدم دورًا كوميديًا عزيزًا بعد تاريخه الطويل مع الجدية الزائدة في الدراما التلفزيونية، ولعلّ هذا ما يجعل تأثيره الإضحاكي مُضاعَفًا.

النقل السينمائي

فيلم "إيجي بست" لا يبدو في صورته الحالية مشوِّقًا بما يكفي. فيلم طويل لا يملك موقفًا حقيقيًا من فكرته، بل يحوم حولها من دون أن يبلغ قلبها


أما "فاميلي بيزنس"، فيلم محمد سعد، ويُشاركه البطولة غادة عادل، وهيدي كرم، ودنيا سامي، وآخرون؛ فمن الصعب قبل أي شيء غض الطرف عن الاجتراء على قصة الفيلم الكوري بهذه الفجاجة، وكأن كُتّاب السيناريو الثلاثة على ما يبدو قرروا ألا يتركوا شيئًا من الفيلم بلا سرقة، بما في ذلك الديكورات. لم يفتهم ربما إلا العُمق التحليلي للمنظومة الرأسمالية، والتفاوت الطبقي، أي كل الحمولة الفكرية والفلسفية للفيلم الأصلي، والتي منحته هذه الشهرة العالمية، وكذلك جائزة أوسكار استثنائية. صحيح أن القصة غير الأصلية لـ"فاميلي بيزنس" أمدتنا بسؤال يضمن استمرار المُتابعة، ويُمكن تلخيصه على النحو التالي: طيب ماذا فعلتم بالقصة بعد أن سرقتموها؟ إلا أن الفيلم نفسه، رغم لحظات قليلة من الضحك والتآلف الأسري، يفتقد روحًا جوهرية، يفتقد عقلًا واعيًا بما ينقل. كما يصعب معرفة إن كان هو فيلم درامي أم كوميدي، وخصوصًا أن الضحك خفيف في الفيلم. الواقع أن القصة هنا هي البطل، حتى بعد أن تبهدلت إلى هذه الدرجة بأيدي كتاب السيناريو الثلاثة. والسؤال الذي يُغيظ المُتفرِج حتمًا: لماذا يجتمع ثلاثة كُتّاب سيناريو (من الغريب أن كتابة الأفلام التجارية المصرية صارت في مُجملها ثلاثية، ومع ذلك تبقى تُعاني كل هذه المعاناة!) على فيلم أجنبي، شاهده العالم أجمع، ليسرقوه، بدلًا من أن يجتمعوا على التأليف الحقيقي، لإنتاج قصة تنتمي إلى بيئتها ومُحيطها، وتُعبّر ولو كوميديًا، عن روح وعقل هذا المُحيط؟
أمّا "إيجي بست" الذي يُفترض أنه منقول من الواقع، أو على الأقل، لحكاية تأسيس موقع حقيقي، فلا يقع في فخ "فاميلي بيزنس"، أي لا ينقل القصة بحذافيرها، ربما لأنه من الصعب معرفة القصة الحقيقية لتأسيس موقع إيجي بست للقرصنة، ولا تفاصيل إغلاقه. إن السيناريست هنا يحاول أن يتخيل وأن يُعبِّر عن زمن مضى (أوائل الألفية)، كما أن مُخرِج الفيلم يحاول بدوره أن يضع بصمته بصريًا وأسلوبيًا. سوى أن مُشكلة هذا الفيلم تحديدًا أنه سار في طريق مُفخخ، فمن ناحية تحضر فكرة القرصنة (للأفلام والكتب) في المُجتمعات كافة حاليًا، وليس فقط العربية، ولا يُمكن أن تُطرَح للنقاش من دون توجيه أسئلة أخلاقية. ومن ناحية ثانية، ثمة الخوف من الرقابة (قد تكون المُجتمعية قبل جهاز الرقابة) ما سيحول دون الانتصار مثلًا للفقراء الذين يريدون الفُرجة، أو القراءة ببلاش! (هذه مُعالجة مُحتملة واحدة على الأقل للقصة، لم تحدث في الفيلم)، أو حتى للقراصنة الذين يلعبون دور روبن هود افتراضيًا. في النهاية، "إيجيي بست" ليس فيلم "جوكر"، كما أن بطل "جوكر" نفسه قد مُني بهزيمة مؤسفة ودموية في الجزء الثاني.
إلى هذا، ربما لا يبدو "إيجي بست" في صورته الحالية مشوِّقًا بما يكفي. فيلم طويل، لا يملك موقفًا حقيقيًا من فكرته، فيحوم حولها من دون أن يبلغ قلبها. والأسوأ أنه يترك موضوعه الأساسي وينشغل بالحبيبة التي دخلت بين الشريكين وأفسدت كل شيء، وفقًا للمنطق الرجعي "فتِّش عن المرأة"!

سيناريو من الاعترافات

الفيشاوي ممثل استثنائي لم تُكتشف كامل أرض موهبته بعد (ملصق فيلم "سفاح التجمع")





حين أعلن الممثل أحمد الفيشاوي، عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه بصدد التحضير لدور "سفاح التجمع" مع محمد صلاح العزب مؤلفًا ومُخرجًا، كان يُمكن أن نشعر أنها خطوة مستعجلة قليلًا. القضية لم تبرد بعد، تفاصيلها وخيوطها لم تتضح، كما أن صلاح العزب يتصدى في هذا الفيلم لدور إخراجي كما أُعلِن، غريب عليه وهو المؤلف بالأساس. الفيشاوي ممثل استثنائي لم تُكتشف كامل أرض موهبته بعد، إلا أنه يُهدر نفسه في مشروعات فنية ضعيفة أغلب الوقت، خففت مع الزمن من وهج اسمه على الأفيشات.
كان يحق لنا أن نرى مشروع الفيلم آنذاك أقرب إلى نزوة من صانعيه، وأن نتشكك في أن هذه "اللهوجة" قد تُفسِد الطبخة، ومع ذلك انتظرنا كي نتفرج أولًا ونحكم لاحقًا. الفيلم الذي شاهدنا نُسخته، مع أننا شاهدنا نُسخة عن نُسخة، بما أن المُخرِج نفسه يعترف بقصقصة الرقابة للفيلم، تضمن بذرة لقصة سينمائية معقولة إنما لم تتجل فيها رؤية صُناع الفيلم بعد. سيناريو يمكن القول إنه أقرب لمسودة تختلط فيها الخيوط الزمنية، وتمرّ مرًّا خفيفًا على الضحايا من ناحية، وعلى ذكريات الماضي التي يُعتقد أنها تآمرت لتكوين الشخصية السيكوباتية للسفاح من ناحية ثانية. في علم النفس، ليست أسباب تكوين النرجسيين، أو السيكوباتيين، قاطعة، أو نهائية، هنالك دائمًا حلقة مفقودة قد تتصل بالوراثة، أو الاستجابة الشخصية، أو البيئة، أو كل هذه العوامل مُجتمِعة. حمَّل الفيلم نفسه ما لا يطيق، حين سعى إلى تبرير الميل الانحرافي السيكوباتي بذكريات طفولة تتشاطرها أجيال كاملة. علاوة على الركاكة الإخراجية، التي بدلًا من أن تُصحح أو تتفادى مشاكل السيناريو، سلطت الضوء عليها وأكدتها. وحده أحمد الفيشاوي، يبدو وكأنه ذهب يصوِّر الفيلم بعد أن تقمص على انفراد الشخصية واستوعب سوادها النفسي (هذا مجرد حدس بالطبع). الفيشاوي لا يلعب شخصية السفاح من منطقة صراخ، أو صخب، بل من منطقة غياب ولا مبالاة. لا يشعر السيكوباتيون بأي تعاطف مع ضحاياهم، وهذا ما ينزع عنهم الرحمة.
وعلى الرغم من الاجتهاد والعنوان "سفاح التجمع"، جاء الفيلم منفصلًا عن بيئته، بما في ذلك حي التجمع الذي جرت فيه الجرائم، غير مُلم بموضوعه المُخيف، مشغول ربما أكثر بعلامات ظاهرية، تُحاكي ما تقدمه لنا سلسلة نتفليكس، لكنها للأسف خالية من الإحساس، أو المعنى.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.