على خشبات مسارح العالم، لا يكتفي الثلاثي جبران بإحياء الأمسيات التضامنية، بل قد يترك أحدهم العود، كما فعل الأخ الأكبر سمير، حين حمل كيس طحين ووزع حفنةً بيده على الحضور، في رسالة عن التجويع وحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. بعد دقائق، كان الجميع يحمل حفنة طحين في قبضته، احتفظ بعضهم بها في منازلهم دلالةً على قوة الرسالة في زمن التجويع.
عشرون عامًا مرت على مسيرة الثلاثي جبران الشهير عربيًا ودوليًا، عشاق آلة العود بموسيقى شرقية تصويرية تحمل الكثير من الرسائل الفلسطينية الموجعة، لكن، في ظل الإبادة، وجد الإخوة أنفسهم أحيانًا عاجزين عن العزف، منحنين لآهات شعبهم، ورغم ذلك استمروا في العزف وحشد التأييد للقضية الفلسطينية، رافضين الاحتفاء بهذه المسيرة الطويلة.
بين المسيرة والحفاظ على الهوية
يحيي الثلاثي سلسلة أمسيات تضامنية وخيرية في العديد من الدول، منها تركيا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا، حيث قال الأخ الأكبر الموسيقي سمير جبران لموقع "ضفة ثالثة": إن هناك وعيًا أكبر بالقضية الفلسطينية على مستوى معظم شعوب العالم التي باتت تعرف حقوقنا، وأننا نُباد ونعيش تحت الاحتلال، وهناك إدراك بوجود حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة، لكن التاريخ يؤكد أنه لا يوجد شعب بقي تحت الاحتلال. سنتحرر، ربما ليس الآن، لكن أولادنا حتمًا سيشهدون التحرير.
لم تتوقف مواقفهم وأمسياتهم الوطنية، خاصة وأن موسيقاهم ذات محتوى ملتزم وليس تجاريًا، وهكذا تحولت أمسياتهم المخططة مسبقًا إلى أداة تضامن، وبقي برنامجهم الموسيقي حافلًا على مدار العام، لكن سمير يرى أن دور الثقافة لا يقتصر على المقاومة في زمن العنف، بل يمتد للحفاظ على الهوية والتراث، والتأكيد أننا موجودون قدر المستطاع.
يعمل الإخوة الثلاثة على تأليف ألحانهم الخاصة التي تعبّر عن وجعهم وتحافظ على اللون الشرقي.
ثلاث بدايات والكثير من الحكايات
يعتبر الثلاثي من الجيل الرابع من عائلة جبران الفلسطينية الموسيقية، وقد تنبه والدهم مبكرًا إلى موهبتهم، فكانت قوة الإصغاء لدى سمير الطفل مذهلة في تمييز الأصوات بعيدًا عن اللعب، فأهداه والده آلة الأكورديون، وفي التاسعة امتلك أول عود وبدأ حصص الموسيقى مع أستاذ خاص.
كان العود حرفة العائلة صناعةً وعزفًا منذ عام 1897، والتي مر عليها أربعة أجيال، لكنها الحرفة التي يقول أجدادهم إنها لا تُطعم خبزًا، بل وتترك آلامًا في الظهر على المدى البعيد، ومع ذلك توارثتها العائلة حبًا وشغفًا وإبداعًا.
وبعد أن كان العود مجرد آلة مرافقة، فإن الثلاثي ساهموا في صناعة هويتها وإبراز مساحة لها وحدها على أهم مسارح العالم، وذلك بعد مجابهة تحديات كثيرة بدأت مع سمير الأخ الأكبر، الذي لم يستطع الدراسة في معهد محمد عبد الوهاب للموسيقى العربية في مصر بسبب هويته الزرقاء لفلسطينيي عام 1948، لكن فرصة استثنائية سُنحت له للعزف أمام الموسيقار المصري الراحل بليغ حمدي، الذي آمن به وفتح له باب التسجيل في المعهد.
بين سمير ووسام عشرة أعوام، وفي هذا الوسط الموسيقي عاش الأخ الأوسط وسام، واستطاع، وهو في السابعة من عمره، أن يرتجل أول لحن على آلة الكمان، وهكذا بدأ تعلم الموسيقى، ورافق والده إلى المنجرة، وصنع له عودًا صغيرًا بحجمه، وجعلته هذه التجربة طفلًا شغوفًا بالموسيقى وبعيدًا عن اللعب مع أترابه.
ثم جاء عدنان الطفل المشاغب والمتمرد بين إخوته، بل والذكي المدلل في آن معًا، تعلم الإيقاع وهو في السادسة من عمره بعد أن أهداه سمير الدف من مصر، تدرب عليه بصمت في الغرفة المجاورة التي كان يتدرب فيها سمير وفرقته، وكان منذ طفولته بارعًا في دوزنة الآلات الموسيقية في منجرة والده. وبعد سفر وسام للدراسة حاول عدنان العزف على عوده تعبيرًا عن شوقه لأخيه.
بدأ سمير رحلته في الخارج، وانضم إليه وسام، الذي أحيا معه حفلًا في معهد العالم العربي في باريس، وبدأ انتشارهم في فرنسا، ثم عزفوا لأول مرة مع الشاعر الراحل محمود درويش بتناغم أحبته الجماهير. وبعد فوز عدنان بمسابقة موسيقية في الناصرة التحق بهم، وشكلوا الثلاثي جبران عام 2004.
صناعة العود... حرفة تحولت إلى أكاديمية دولية
وسام هو من جيل العائلة الذي احترف صناعة العود وراثةً ودراسةً، حيث قال: "عائلة جبران تعتبر من أهم صُنّاع الأعواد في العالم العربي، بدأها الجد ’ديب’ الذي أقام في مدينة الناصرة، ثم جاء ابنه ’باسم’ الذي عُرف بانتمائه للحركة الوطنية ونضاله، وكان الفن إحدى وسائله، حيث صنع أجود الأعواد، ثم جاء والدي ’حاتم’ لتشكل خطواته الفنية نوافذ كبيرة أمام أبنائه الثلاثي جبران".
وأضاف أنه اكتسب حرفة صناعة العود، وبالتالي تأسيس الجيل الرابع في عائلة جبران لصناعة العود. وقال: "أشعر بالمسؤولية أمام هذا الإرث العريق وأحرص عليه، مما دفعني إلى تأسيس جمعية العود الدولية في باريس" كأول مدرسة لصناعة العود على الإطلاق، والتي تعمل على أرشفة المحتوى الخاص بالعود وتاريخه، وتعليم العزف وإتقانه. ويستمر وسام بتطوير هذه الصناعة وتصنيع العديد من الأعواد التي اقتناها العديد من الفنانين حول العالم.
الطموح... حرية الإبداع
الطريق لم تكن سهلة، خاصة حين يؤلف الإخوة ألحانهم معًا بين سمير السميع المتمرس، ووسام الحساس وصانع الأعواد، وعدنان المتمرد، إلا أنهم واصلوا، ويستعدون لإصدار ألبوم جديد من المتوقع أن يكون بطريقة عرض مختلفة، لم يكشف عدنان عن تفاصيلها.
عدنان، الذي يعتبر الثلاثي هو المشروع الموسيقي الكبير، استمر في إنتاجاته الخاصة، ويعمل حاليًا على ألبوم مشترك مع فنانين فرنسيين، عدا عن مشاركاته بمقطوعات خاصة لحفلات خيرية هنا وهناك. وفي خضم هذا تستوقفه مشاهد التضامن، ومنها سفن التضامن المغادرة إلى غزة، وما تحمله من انعكاسات عليه كفنان، وتنقله لقضاء ساعات طويلة في الاستوديو ليعزف لحنًا ما تحت تأثير المشهد.
أما وسام فتجسد طموحه بآمال ومطالب للمجتمع الدولي والعربي لتعزيز المساعدات الغذائية والإنسانية لغزة. ورغم التحديات وانحياز الدول إلى جانب الاحتلال، إلا أنه يؤمن بأن الثلاثي قادر على تخطي معظم الحواجز وأن يفرض حسًا إنسانيًا استثنائيًا.
وكان طموح سمير في أن يكون إنسانًا عاديًا، لا يُصفق له الجمهور لأنه الفلسطيني الضحية، بل تقديرًا لفنه ومنجزاته بدون أي تأثيرات، رغم افتخاره بهويته، لكنه لا يريد لهذه الهوية أن تطغى على فنه.
أوسمة وجوائز
كان آخر وأرفع الأوسمة التي حصل عليها الثلاثي وسام جوقة الشرف الذهبية في الثقافة والفنون والأدب من الدولة الفرنسية برتبة ضابط، وهو تقدير أُضيف لسلسلة من الجوائز حصلوا عليها خلال مسيرتهم، منها جائزة زرياب للمهارات ضمن المهرجان الدولي للعود في المغرب، وجائزة المهر العربي لعامي 2009 و2011 لأفضل موسيقى تصويرية من مهرجان دبي السينمائي، ومن فلسطين وسام الدولة التقديرية للاستحقاق والتميز في الفنون والآداب.
لكن الوسام الفرنسي كان له مذاق خاص، حيث قال سمير: "هو أول وسام عن مجهود فني ثقافي متواصل انطلق في فرنسا واستمر عشرين عامًا، في بلد يقدر الفن بغض النظر عن جنسيته، فن شرقي استطاع أن يخترق الجمهور الفرنسي".
لقد امتزج فرح الثلاثي بمسيرتهم ومنجزاتهم بالألم، فقال وسام: كان الفرح منقوصًا والألم شديدًا، ووسط تصفيق الجمهور أجد دومًا أن قلبي ينبض ويقول لي: غزة. واعتبر الجوائز التي يحصلون عليها بمثابة شهادة بأن فلسطين حية، وبارقة أمل بأننا على موعد مع الحرية، ورسالة وحدة لأن قوة الثلاثي تكمن في اتحاد الإخوة.
موسيقيون عرب... رسالة تقدير
بدوره، قال الموسيقي العراقي نصير شمة لموقع "ضفة ثالثة": إن مسيرة الثلاثي جبران تشكل تقديرًا لكل الثقافة الفلسطينية التي صمدت سبعة عقود أمام الاحتلال والقتل وإلغاء الآخر، والتي فاقت كل التوقعات، مع قلة الدعم الدولي والسياسي الحقيقي لفلسطين، ومع ذلك فقد صمد المثقف والفنان الفلسطيني واستطاع نقل هذه المعاناة بطريقة حضارية وبقوة وصلابة، وبالتالي استحقوا المكانة والجوائز والاحتفاء.
أما الموزع والموسيقار اللبناني طوني سابا فقال: "إن الثلاثي جبران موهبة ربانية تتجسد في الإخوة الثلاثة سمير ووسام وعدنان، كل فرد يعزف على آلة العود في الوقت ذاته، مكملًا كل منهم إحساس الآخر بتسلسل فني عالٍ جدًا، وبأسلوب نادر يعجبني جدًا"، مضيفًا: "على الرغم مما تعانيه فلسطين الحبيبة، ما زال الفن الراقي يرفرف في سمائها كالإخوة الثلاثي، فكل التقدير لمسيرتهم".
وهكذا يظل الفنان الفلسطيني دومًا يحمل عبئًا إضافيًا يتعلق بقضية شعبه ورسائل عليه إيصالها للعالم، وأن يتسامى عن جراحه ويستمر إنسانًا طبيعيًا حرًا بإبداعه رغم كل القيود.
استمر هذا الثلاثي ونجح في الحصول على جوائز أكبر، هي محبة شعوب متنوعة الثقافات وصلت إلى أفريقيا، فهناك فرقة تحمل اسمهم وتحاكي فنهم ودراسات عن تجربتهم. إنهم الثلاثي الأول والوحيد على آلة العود، وتجربة فريدة أعادت تعريف الموسيقى الشرقية على أبرز المسارح العالمية.


تحميل المقال التالي...