ويُعدّ الملتقى منصّة متخصّصة لصنّاع الأفلام، تناقش مشكلات وأزمات ملحّة وما تفرضه من تحدّيات على الصناعة، من خلال استضافة طيف واسع من الفاعلين، من رؤساء وممثّلي المهرجانات السينمائيّة في أنحاء القارّة، إلى جانب ممثّلين عن شركات الإنتاج. يخصّص الملتقى هذا العام محورًا رئيسيًا بعنوان "برمجة المهرجانات في ضوء التحدّيات والتغيّرات التكنولوجية"، تفرّعت منه عدّة محاور على مدار يومين ضمن جلسات بحثيّة ونقاشيّة، قادها عدد من العاملين خلف الكاميرا، في محاولة لإعادة التفكير في آليات البرمجة وعلاقتها بالتحوّلات الرقميّة المتسارعة. فيما تنافس على جوائز هذا العام أكثر من أربعين فيلمًا من دول عربيّة وأفريقيّة، وُزّعت على مسارات المسابقات الأربعة، هذا بخلاف ستّة أفلام مختارة، من مصر والكاميرون وتونس وملاوي، عُرضت ضمن القسم الرسمي خارج المسابقة. فيما حلّت دولة جنوب أفريقيا ضيف شرف الدورة الخامسة عشرة، والتي تُعدّ من أقدم الدول التي استقبلت عروض الأخوين لومير الأولى قبل ما يقارب 130 عامًا.
تضمّن برنامج الاحتفاء عددًا من الفعاليات، من بينها برنامج "نظرة خاصّة" الذي سلّط الضوء على سينما جنوب أفريقيا، وهو ما توّج في النهاية بفوز فيلم "قضاء الرب" للمخرج مايكل جيمس، بجائزة رضوان الكاشف لأفضل فيلم يتناول قضيّة أفريقيّة؛ الفيلم الوحيد من جنوب أفريقيا المشارك ضمن التنافس بمسابقة الأفلام الطويلة.
شاشات القارّة السمراء
يتتبّع فيلم "قضاء الرب" حياة أربعة أصدقاء مشرّدين بين شوارع مدينة ديربن، وكما يمزج السيناريو بين التسجيلي والروائي، نجح المخرج في دمج الواقعي بالسريالي في صورة شاعريّة رغم قسوتها. وفي المقابل، تصدّرت الأفلام المصريّة مشهد الجوائز من مختلف المسابقات، حيث حصل فيلم "كولونيا" للمخرج محمد صيام على جائزة النيل الكبرى لأفضل فيلم (قناع توت عنخ آمون الذهبي)، إلى جانب فوز بطله أحمد مالك بجائزة أفضل إسهام فنّي في التمثيل، فيما ذهبت جائزة أفضل إسهام فنّي في التصوير السينمائي لفيلم "القصص" إخراج أبو بكر شوقي.
على مستوى مسابقة الأفلام القصيرة، ذهبت جائزة (قناع توت عنخ آمون الذهبي) إلى فيلم "أحلام دندرة" إخراج صابرين الحسامي، فيما حصل فيلما "الصابي" لإسلام عبد الجواد و"البحث عن مأوى" لبيتر مراد حلمي، على جائزة أفضل فيلم مناصفةً ضمن مسابقة أفلام الصعيد. كذلك، منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصّة مناصفةً لفيلمَي "فاطمة" إخراج مهنّد دياب و"رحلة عبر المتوسّط" ليوسف طارق، وتستكمل دائرة الحضور المصري بحصول الممثّل حسام داغر على تنويه خاصّ من لجنة تحكيم مسابقة سينما الشتات، عن دوره في فيلم "40 يوم".
وفي المسابقة نفسها، حصل فيلم "عيون غانا" للمخرج بن برودفوت، على جائزة النيل الكبرى لأفضل فيلم، وذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصّة إلى "الشعب الحارس". أمّا بقيّة الجوائز، فقد ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصّة (تمثال قناع توت عنخ آمون الفضّي) إلى الفيلم السوداني "ملكة القطن" تأليف وإخراج سوزانا ميرغني، وهو أوّل فيلم روائي طويل لمخرجة سودانيّة. يتناول الفيلم حكاية نفيسة، فتاة تعيش في إحدى القرى المطلّة على نهر النيل، مسلّطًا الضوء على علاقتها بجدّتها الملقّبة بملكة القطن، وهي سيّدة مسنّة ذاع صيتها في القرية بفضل تاريخها النضالي في مقاومة الاستعمار البريطاني، إلى جانب قدرتها على قراءة المستقبل، ما يصبغ عليها طابعًا أسطوريًا.
فاز في مسابقة الأفلام القصيرة الفيلم المغربي "عايشة" لسناء العلوي بجائزة قناع توت عنخ آمون الفضّي، وحصل "همسات من الريح" من رواندا على جائزة أفضل إسهام فنّي، مع تنويهات خاصّة لأفلام "لا توقظ الطفل النائم" من السنغال و"حكايتي مع شارع جيبّا" من نيجيريا، وهو فيلم يتحدّى التصنيف، فمنذ اللقطات الأولى، يتأرجح السرد بين التسجيلي والدرامي، مازجًا الطابع الصحافي أحيانًا مع قالب التحقيق، في تركيبة تنتقل من الفوتوغرافيا والرسوم المتحرّكة، إلى المشاهد الوثائقيّة والحقيقيّة، دونما استقرار على نمط محدّد، بناءٌ يشبه قطع الفسيفساء التي تشكّل على مدار ربع ساعة صورة حيّة مصغّرة تعكس جانبًا من فوضى ديناميكيّة لمدينة صاخبة، بدون أن تقع في فخّ التجميل أو الاستعارة الشعريّة الجاهزة، بل كدلالة على بنية يوميّة قوامها المشاعر والقسوة، وهو ما يظهر في الوجوه العابرة والمواقف والحوارات غير المكتملة، تحيطها جدران متآكلة لا تحتاج إلى تعليق أو شرح.
حدوتة من أفريقيا
جاءت دورة هذا العام تحت شعار "يوسف شاهين... حدوتة مصريّة"، احتفاءً بمئويّة ميلاد واحد من أكثر الأسماء جدلًا وتأثيرًا في تاريخ السينما العربيّة، عبر برنامج احتفائي متنوّع شمل معرضًا خاصًّا لأفيشات أفلامه، إلى جانب موادّ فوتوغرافيّة نادرة توثّق مسيرته الفنّيّة والإنسانيّة، وإصدار نسخة خاصّة من كتاب "يوسف شاهين: نظرة الطفل وقبضة المتمرّد" للناقد اللبناني إبراهيم العريس، والذي امتدّت علاقته مع شاهين لعقود، حتّى أنّه استعان به مساعدًا للإخراج في فيلم "بيّاع الخواتم". كما خُصّصت ندوة موسّعة حول سينماه، شارك فيها عدد من نجوم أفلامه وتلاميذه، من بينهم يسرا ومحمود حميدة وخالد يوسف ومهندس المناظر أنسي أبو سيف. إلى جانب ذلك، تضمّن البرنامج عروضًا موازية لأربعة من أفلامه في نسخ مرمَّمة، مقدَّمة من شركة مصر العالميّة، التي تعمل على مشروع متكامل لترميم تراث شاهين السينمائي، يشمل أيضًا سيناريوهات أفلامه وأرشيفه الصحافي، على أن يكتمل بنهاية العام الجاري، بحسب ما صرّح به المنتج جابي خوري. وقد عُرضت هذه الأعمال بحضور عدد من أبطالها كما تمّ تكريمهم، بداية من الفنانة سهير المرشدي عن فيلم "عودة الابن الضال"، ونجوى إبراهيم عن فيلم "الأرض"، مرورًا بفيلمَي "حدوتة مصريّة" و"الاختيار"، حيث تمّ تكريم كلّ من محسن محيي الدين وسيف عبد الرحمن. في عام 2007 قدّم المخرج يوسف شاهين آخر أفلامه، "هي فوضى"، بمشاركة تلميذه المخرج خالد يوسف، ولم يمضِ عام حتّى رحل شاهين في السابع والعشرين من تموز/ يوليو عن عمر ناهز الثانية والثمانين، تاركًا وراءه رحلة سينمائيّة استثنائيّة، على المستويَين المصري والعربي. كما أُهديت الدورة إلى خمسة من الفنّانين الأفارقة غيّبهم الموت مؤخّرًا، وهم: المخرج المالي سليماني سيسيه، ومن الجزائر المخرج محمد الأخضر حامينا، والممثّلة بيّونة، ومن مصر الناقد فاروق عبد الخالق، والمخرج داود عبد السيد.
في بداية مشواره الفنّي، عمل عبد السيد مساعدًا للإخراج مع عدد من صنّاع السينما، من بينهم يوسف شاهين في فيلم "الأرض"، وسرعان ما انتقل لاحقًا إلى السينما التسجيليّة، حيث قدّم عددًا من الأفلام الوثائقيّة أشهرها "وصيّة رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم"، 1976، قبل أن يتّجه إلى السينما الروائيّة في منتصف الثمانينيات مستهلًّا تجربته بفيلم "الصعاليك".
أمّا التكريمات الرئيسيّة لدورة هذا العام، فقد ذهبت إلى ستّة أسماء تنوّعت بين التمثيل والإخراج، في احتفاء يعكس تنوّع التجارب واختلاف الأجيال في المشهد السينمائي الأفريقي، حيث تمّ تكريم المخرج الجنوب أفريقي نتشافيني وا لورولي إلى جانب المخرج والمؤلّف البوركيني داني كوياتي، ومن المغرب ذهب التكريم إلى المخرج والمنتج جمال السويسي، فيما حضرت مصر بثلاثة تكريمات ذهبت إلى كلٍّ من: ريهام عبد الغفور وخالد الصاوي والمخرج محمد أمين.
قبل أكثر من عقدَين، كان ثلاثة شبّان يجوبون شوارع القاهرة وما حولها بحثًا عن شاشة تلفزيون وشريط فيديو يُدار في خجل يشبه خجل أصحابه. هكذا تنطلق حبكة "فيلم ثقافي"، 2000، لمحمد أمين. فيلم بدا في ظاهره كوميديا ساخرة عن شباب يبحثون عن عزلة لمشاهدة شريط ممنوع، سرعان ما تحوّل إلى مرآة عكست صورة جيل كامل عاش على هامش أحلام متواضعة ومشروعة، في زمن يسبق الشيوع الرقمي. ويعمل أمين حاليًا على الانتهاء من تصوير فيلمه الجديد "101 مطافي"، تمهيدًا لطرحه في دور العرض.


تحميل المقال التالي...