}

أفلام فلسطين التسجيلية بمهرجان كوبنهاغن: في مواجهة السردية الصهيونية

وائل سعيد 3 أبريل 2026
سينما أفلام فلسطين التسجيلية بمهرجان كوبنهاغن: في مواجهة السردية الصهيونية
بوستر الدورة الـ 23 من المهرجان

أثارت الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي جدلًا ما زالت أصداؤه مستمرة، سواء على خلفية التصريحات (السياسية) أو فيما يخص السينما الفلسطينية والحرب على قطاع غزة؛ ما حفز عددًا من صناع الأفلام على سحب أفلامهم، الأمر الذي تفاقم مع إعلان النتائج النهائية لجوائز الأوسكار التي خلت من أي تمثيل فلسطيني رغم حضورها البارز في برنامج العام.
من هنا، ظهرت مجموعة من المبادرات الفردية والمؤسساتية، ساهمت في التأكيد على سردية فلسطينية موازية، في مواجهة سردية العدو الصهيوني؛ سواء كان ذلك من خلال جملة، لم تكن عابرة، "لا للحرب... الحرية لفلسطين"، استهل بها الفنان الإسباني خافيير بارديم كلمته في حفل جوائز الأوسكار الـ98، المقام في لوس أنجلوس، أو من خلال فعالية سينمائية، في واحد من أبرز مهرجانات الأفلام الوثائقية والتسجيلية في العالم، مهرجان كوبنهاغن السينمائي الدولي، الذي استضاف مجموعة من الأفلام الفلسطينية الوثائقية، بالتعاون مع معهد الفيلم الفلسطيني، ضمن برامج عروض الدورة الثالثة والعشرين، والتي دارت فعالياتها على مدار 12 يومًا، في الفترة من الحادي عشر وحتى الثاني والعشرين من مارس/ آذار الماضي.

مشهد من فيلم "معجزة الحياة" 


ضم برنامج الدورة الجديدة أكثر من 200 فيلم من مختلف أنحاء العالم، بينما شملت مسابقاته الرسمية 74 فيلمًا، منها 53 عرضًا عالميًا أوليًا، و17 عرضًا دوليًا، فيما تباينت موضوعات غالبية الأفلام بين ثيمتي الفرد والجماعة، تتصارع داخل عالم مضطرب، بلا مركز تقريبًا، تأكيدًا لما جاء في كلمة المدير الفني للمهرجان، نيكلاس إنجستروم، الذي وصف اللحظة الراهنة بقوله: "إننا نعيش في فترة تتغير فيها الأطر التي كانت تبدو مستقرة- السياسية، والأخلاقية، وحتى المعرفية- من تحت أقدامنا"، مضيفًا، "في مثل هذه اللحظة، يصبح الفيلم الوثائقي أكثر من مجرد مشاهدة؛ بل مساحة للتركيز العميق".

فيلم وحيد
ست ساعات تقريبًا من السينما التسجيلية الفلسطينية، شكلت البرنامج الفلسطيني في المهرجان، والذي تكوّن من ثمانية أفلام متفاوتة الطول، أربعة منها قصيرة تبدأ من ثماني دقائق وتمتد إلى ما يزيد عن نصف ساعة، فضلًا عن الأفلام الطويلة. من "فلسطينيين غير مرغوب فيهم"، حيث يحاول مخرج فلسطيني/ دنماركي أن يجد صوته وسط ضجيج أوروبي لا يحتمل، إلى "توأم غزة، عودا إليّ"، الذي يتتبع أمًا انتُزع منها طفلاها حديثا الولادة لشهور طويلة، أو حتى في فيلم يوثق لخيمة فنية، لم تعد تصلح كملجأ، يحضر البرنامج بوصفه سردية واحدة لحكايات متفرقة، لا تتعامل مع غزة كموضوع، بقدر ما تعيشها كواقع يومي ممتد.
مع ذلك، لم تجد هذه السردية موقعها داخل خيارات لجان التحكيم؛ إذ خلت نتائج المسابقات من أي تمثيل فلسطيني، باستثناء تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة أفلام حقوق الإنسان ذهب إلى فيلم "طبيب أميركي" للمخرجة الماليزية/ الأميركية بوه سي تنغ. الفيلم إنتاج مشترك بين الولايات المتحدة وفلسطين وماليزيا والدنمارك، فيما وضعت الموسيقى التصويرية الفنانة الكندية من أصل فلسطيني سعاد بشناق، وقد اعتمد العمل على مجموعة من الفلسطينيين من داخل غزة عملوا في ظروف شديدة الخطورة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف.

مشهد من "طبيب أميركي" 


ومن خلال متابعة ثلاثة أطباء أميركيين من أصول مختلفة، يتعرض الفيلم لمناقشة معاناة القطاع الطبي داخل الأراضي المحتلة، وما يواجهه من تحديات تحت قصف لم ينتهِ، وذلك من خلال سيناريو لا يقدم هذه المعاناة بوصفها تقريرًا مباشرًا، بل يراهن على موقع الأطباء أنفسهم، باعتبارهم محل ثقة، كما تشير المخرجة في لقاء سابق، مؤكدة أن المشروع لم ينطلق من دافع سينمائي تقليدي، بقدر ما جاء استجابة لشعورها بالعجز أمام ما يحدث، ما دفعها إلى إعادة طرح سؤال أبسط وأكثر إرباكًا: إذا كان الإيمان بحقوق الإنسان يبدو راسخًا عالميًا، فلماذا كثيرًا ما يُستثنى منه الفلسطينيون.
ذهب تنويه لجنة التحكيم إلى الفيلم، كما ورد في حيثياته، لكونه يقدّم "رواية مُلحة لانتهاك حقوق الإنسان الذي لا يزال يتكشف أمام أعيننا، إذ يركز على القتل الممنهج للعاملين في المجال الطبي والأطفال في غزة، ويصوّر آثاره الممتدة على أولئك الذين يعملون على تخفيف معاناة الضحايا". أما المخرجة بوه سي تنغ، فقد دعت مؤخرًا إلى إعادة النظر في موقع المتلقي الأميركي من هذه الحرب، مؤكدة أن ما يحدث في غزة لا يقع خارج السياق الأميركي، بل يرتبط به بشكل مباشر، سواء على مستوى الدعم أو المسؤولية، وهو ما سعت إلى نقله إلى الجمهور من خلال الفيلم.

أحلام نساء غزة
تكشف نتائج المسابقات عن ميل واضح نحو السرديات الشخصية والحميمية، حتى في الأفلام التي تتناول قضايا كبرى كالحرب أو حقوق الإنسان، عبر تجارب فردية، أو مقاربات جمالية وتجريبية. يبرهن على ذلك فيلم Whispers in May، الحائز على الجائزة الكبرى، ويروي رحلة فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا في جبال ليانغشان بالصين، وهي تبحث مع صديقاتها عن ثوب طقسي يعلن انتقالها من مرحلة الطفولة إلى البلوغ. ما يتماسّ مع عدد من موضوعات الأفلام الفلسطينية، لم تُتَح لها فرصٌ للفوز، من بينها، ثلاثة أعمال تتناول الأمومة ومعاناة النساء في غزة.

مشهد من "توأم غزة، عودا إلي"  


يُعد فيلم "توأم غزة، عودا إليّ"، من أكثر أعمال البرنامج إثارة للمشاعر، إذ يوثق المخرج محمد صواف تمزق أسرة صغيرة تحت وطأة الحرب، من خلال قصة رانيا، امرأة فلسطينية تلد ثلاثة توائم أثناء العدوان على غزة، يموت أحدهم، بينما يُنتزع التوأمان الآخران منها بعد نقلهما إلى جنوب القطاع، في حين تظل هي محاصرة في الشمال. على مدى ستة عشر شهرًا، نتابع الطفلين يكبران أمام الكاميرا، ينطقان كلماتهما الأولى على إيقاع الانفجارات، متنقّلين من خيمة إلى أخرى، في صورة تختزل معنى آخر للطفولة، قد تكون مؤجلة، أو مبتورة منذ بدايتها.
وفي سياق مشابه، تدور أحداث "معجزة الحياة" للمخرجة سابرينا خوري، أقصر أفلام البرنامج، حول رحلتها الشخصية كامرأة حامل تواجه تحديات نفسية وجسدية من جهة، وفي الوقت نفسه، وبصفتها فلسطينية تعيش في هولندا، تعاني من وطأة المتابعة اليومية لما يحدث في غزة. في صورة شعرية، تمزج خوري بين الخاص والعام من خلال حمل يتشكل في أمان نسبي، مقابل حياة تُسحق في مكان آخر، في مفارقة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.
في "ألوان تحت السماء"، تنتقل المخرجة ريما محمود إلى مساحة أخرى من المعاناة النسائية، عبر بطلتها النازحة التي تخوض معركة شخصية لتسجيل أغنيتها وسط الدمار، بعد أن فقدت والدها وشقيقها وانتقلت مع والدتها إلى خيمة في رفح، كأن الصوت نفسه يصبح فعل مقاومة في مواجهة الفقد.
أما فيلم "أحلام صغيرة جدًا"، فتغوص كاميرته داخل المخيمات، راصدة أبسط مقومات الحياة وهي تتحول إلى أحلام بعيدة المنال؛ من الماء والكهرباء، إلى أكثر التفاصيل خصوصية. من هذا العالم الشحيح، تتتبع المخرجة اعتماد ويشاح يوميات نساء غزة، لتكشف - كما يوحي العنوان- عن نضال صامت، تُخاض معاركه على استحياء، من أجل الحد الأدنى من الحياة.

غير مرغوب فيهم
عمر شرقاوي، ممثل ومخرج فلسطيني وُلد في مدينة أودنسه بالدنمارك لأب فلسطيني وأم دنماركية، يشارك في دورة هذا العام من المهرجان بعرض عالمي أول لفيلمه "فلسطينيون غير مرغوب فيهم"، الذي يتحرك عبر سردية شخصية تتنقل بين الزمان والمكان، متخذًا من أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نقطة انطلاق، تتيح العودة إلى لحظة النكبة، ومن خلال حضوره داخل الفيلم، نتابع انخراط شرقاوي في الحراك الفلسطيني في الدنمارك، في مواجهة خطاب عام يتسم بالصمت والانحياز، بل ويتورط أحيانًا في إعادة إنتاج صورة مشوّهة للفلسطينيين.

مشهد من "فلسطينيون غير مرغوب فيهم" 


وعلى مستوى آخر، يقدّم فيلم "حسن"، للمخرج محمد الشريف، رحلة قاسية لمراهق من سكان القطاع، تتبع تنقلاته القسرية داخل مدن محاصرة، امتدت لخمسة عشر شهرًا، جاب خلالها غزة من الشمال إلى الجنوب، في مسار دائري أقرب إلى ما يُفرض على الخارجين عن القانون، بينما لم يكن ذنبه سوى خروجه يومًا بحثًا عن كيس من الدقيق.
في فيلمه السابق "الحياة حلوة"، قدم المخرج الشاب محمد جبالي سردًا شخصيًا لتجربته، متتبعًا تحوّله من مصور داخل قطاع غزة إلى صانع أفلام. بدأت هذه الرحلة عام 2018، حين سافر إلى النرويج ضمن بعثة طلابية، قبل أن يجد نفسه عالقًا هناك مع إغلاق معبر رفح، في تجربة امتدت بين محاولات الحصول على إقامة، وعجز مستمر عن العودة إلى فلسطين. هذا العام، يعاود جبالي في "خيمتي ليست مأوى" تضفير معاناة الفنانين داخل غزة وخارجها، غازلًا من ثياب ما تبقى منهم خيمته الرمزية، فيما يشبه النصب التذكاري الذي جاء انعكاسًا للتجربة التي عاشها خلال العامين الماضيين، وهو يتابع من منفاه القسري معاناة عائلته في غزة. من هنا، يكتسب الفيلم معنى أعمق، كما يشير جبالي، بوصفه، "رمزًا قويًا لشعبي الذي ما زال يعيش في خيام فوق أنقاض منازله المدمرة".
هكذا، تتجاوز الأفلام محاولات التوثيق أو التسجيل، ساعيةً لانتزاع فضاءٍ للسرد داخل عالم لا يفسح مساحة كافية للإصغاء. وبين حضورها في البرامج المختلفة للمهرجانات، وغيابها عن منصات التتويج، تظل هذه الأعمال الفلسطينية، وغيرها، انعكاسًا حقيقيًا لواقع السردية المطروحة، والتي لا تزال، فيما يبدو، غير مرغوب فيها.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.