غالبًا ما تحظى الأفلام الطويلة، روائية كانت أو تسجيلية، بالاهتمام الأكبر إعلاميًا. هي التي تصنع أسماء صُناع السينما المرموقين في العالم، كما تحظى بوصول أكبر إلى الجمهور، لا فقط عبر السينمات أو عروض النُخبة في المهرجانات السينمائية، إنما كذلك عبر المنصات المُختلفة وحتى التطبيقات ومواقع الإنترنت غير الشرعية. على ضفة أخرى، هي ضفة الحلم ربما، يقف صُناع السينما القصيرة. لعلّهم يحلمون بالسينما نفسها، لا بشهرتها، باحترافها، ربما وليس في جميع الأحوال. المؤكد أنهم يتطلعون إلى امتلاك القدرة على التعبير عن الرؤى الشخصية أو العامة. إنهم يُجربون الوسيط السينمائي، يختبرونه، ويختبرون أنفسهم أيضًا معه.
أفلام قصيرة عديدة أُنتجت في الأعوام الأخيرة، تدعو للتفاؤل بشباب السينما العرب، سواء انتقلوا لاحقًا إلى تحقيق أعمال طويلة، أو بقوا داخل هذه المساحة الخاصة. في بعض هذه الأعمال يظهر ملمح المدينة، المكان الذي يحتضن صانع السينما، أو يُغرِّبه. إنها المدينة، التي ينتمي إليها السينمائي، يحملها في تكوينه، أو تلك التي يأتي إليها زيارةً، ويذهب عنها، من دون أن يكون عابرًا تمامًا.
فما الذي يسمح لنا صانعُ الفيلم برؤيته من مدينته؟
في هذه المساحة الكتابية، نتوقف أمام "المدينة العربية" كما تجلَّت في أربع تجارب قصيرة لصُناع سينما. تشترك هذه الأفلام في عدم الاشتباك المُباشر مع السياسة، في استكشاف العالم أثناء البحث عن الذات أو عن الآخر، عبر مساحة واقعية أو مُتخيَّلة من المدينة العربية.
1- غزة في الوثائقي القصير "تشريح سيطرة"
منذ سنوات والمخرج محمود الحاج يبحث في آليات السيطرة والتدمير التي يُمارسها المُحتل الإسرائيلي على الجغرافيا الفلسطينية. عام 2024، صمَّم معرضًا فنيًا باسم هذا الفيلم نفسه "تشريح سيطرة"، استضافه غاليري زاوية بمدينة رام الله. ثم ها هو يُقدِّم في حوالي 17 دقيقة صورةً توثيقية لغزة من عين العدو، من عين بُندقيته وأسلحة تدميره، تلك العين التي تنظر إلى البشر والحجر فلا ترى سوى أهداف ساكنة أو مُتحركة، إن لم تُستهدف اليوم فسوف تُستهدَف غدًا.
يُركِز الفيلم على التطور المُتلاحق لفكرة التدمير وأدواته في غزة. بدءًا من المُراقبة المُستمرة لسُكان المدينة ولسُكان البيوت، والمُراقِب في حالة تأهب دائم للتدخل والتدمير، بينما المُراقَب يحاول استيعاب هذا النمط الديستوبي من العيش في يومياته وقصصه العائلية. مرورًا بالجيل الثاني، حيث يتطور شكل التدمير ودقته بعد الاستفادة من الطفرة التكنولوجية الكبيرة. وصولًا إلى الجيل الثالث، حيث يُفترض بالتدمير أن يجري من تلقاء نفسه، بمعدل أقل للخطأ في القتل، وبطريقة تُقلص من الدخل الإنساني للمُدمِّر حفاظًا على سلامته العقلية.
يستخدم الحاج صورًا فوتوغرافية ومقاطع فيديو مُختلفة ومتنوعة المصادر. إننا لا نرى غزة المدينة، بل هي أقرب إلى ساحات ألعاب الفيديو، مدينةُ أشباح بالمعنى الحقيقي لا المُجازي. المُخيف هنا رؤية الحاج للمرحلة الثالثة والحالية من التدمير على أنها مجرد نموذج للمحاكاة لشكل التدمير كما سيحدث في المُستقبل. كأنما لا نهاية للألم الذي يُمكن أن تُثيره فينا غزة.
2- القاهرة في الوثائقي القصير "شوارع القاهرة"
في كانون الثاني/ يناير من عام 2007، يصل الكاتب الفرنسي المغربي عبد الله طايع إلى القاهرة "من أجل الشُغل" كما يكتب في رسالة قصيرة. يحمل كاميرا ديجيتال، وأمنيةً أن يعثر على رفيقه القديم في زحام العاصمة المصرية، ثم لا يجده بسهولة: "ابتلعتك القاهرة، عُمر".
يتكلم بلسان مصري متأثرًا بالأفلام المصرية، بأبطالها وأغنياتها، ما يُسهِّل عليه التواصل مع أشد الناس بساطةً في الشوارع. أمام بعضهم يُعلن افتتانه بالزي الشعبي "الجلابية" ورغبته في اقتناء واحدة تُناسبه، وهو ما يتمكن منه في النهاية. يذهب إلى شاطئ النيل، يُصوِّر رقصات الشباب الصاخبة على المراكب، وفي هذه الرقصات ربما تذوب الحدود بين الأنوثة والذكورة، بين الصداقة والشغف الجسدي، على الأقل هذا ما تقتنصه كاميرا طايع، ويُكثفه المونتاج في زمن لا يتجاوز ثُلث الساعة.
هنا تفاصيل الحياة التي تسبق اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي والتغيرات العمرانية التي لحقت بالعاصمة. نُشاهِد كبائن المينيتيل التي لم يعد لها اليوم حاجة، وأناسًا يتكلمون داخلها بحذر حين ينتبهون إلى الكاميرا. في الفيلم الحاصل على جائزة يوسف شاهين للفيلم القصير في الدورة الماضية من مهرجان القاهرة، ثمة أيضًا حُب للسينما. يذهب طايع في زيارة ليوسف شاهين، ليتكلم معه عن أسلوب عمله ويتلقى منه بوسةً شاعرية وهو يودِّعه. إلى هذا، تبدو القتامة أحيانًا على الوجوه، على الرغم من أن الفيلم لم يتعرض إلى أي أحوال سياسية واجتماعية سادت آنذاك. إنها القاهرة قبل أن تتغير معالمها، القاهرة من منظور شخصي جدًا، وبسردية حميمية مفتونة بالحنين لكل ما هو قديم.
3- بيروت في التسجيلي القصير "مش خايفة، حزينة بس"
في هذا الفيلم الذي لا يتجاوز زمنه ثُلث الساعة، تختبر صانعته إيزابيل ميكاتاف الاعتداء الإسرائيلي على بيروت من داخل جدران بيتها في العاصمة. بعيدًا عن نشرات الأخبار التي تُحوِّل الخسائر إلى مجرد أرقام أو أوصاف باردة، نُلقي هنا نظرة خاطفة على الخسائر غير المحسوبة: القلق والفزع وتجمُّد حياة الأسرة إلى أجل غير مُسمى، ضمن حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لا يتعرض الفيلم للقضايا السياسية والآراء المتباينة حولها، في المقابل يرصد قلق الأم وحساسية جهازها العصبي إزاء أقل حركة أو صوت قد يكون إيذانًا بالقصف. تُقسِّم إيزابيل الشاشة أحيانًا إلى نصفين، لتعرض لحظتين مُتباينتين مُتجاورتين للأم أو الجدة. كما يتعرض "مش خايفة، حزينة بس" لسُكان البيت الآخرين، الخادمات اللاتي يُضطررن إلى معايشة الحرب، وينقل شيئًا من اتصالاتهن مع أهاليهن في البلاد البعيدة.
يطلّ الفيلم أحيانًا على الشوارع المُحيطة، هناك تتجول الكاميرا، لكن يبقى همها الأساسي البيتَ. هناك الجار السوري الذي يُسلي نفسه بالاعتناء بالحديقة وطمأنة القط الخائف الذي يأتي أحيانًا للزيارة، بعد أن تاه من حياة أكثر استقرارًا. "أنا بعمل حالي أني مش خايف"، مع أنه ما مِن فارق كبير بين الحزن والخوف مقارنةً بما يرد في عنوان الفيلم، بل هُما علامتان على الحزن نفسه. هي بيروت الحزينة على ما أصابها، بيروت في انتظارها الطويل لنهاية الحرب، في انتظار الحياة، وأهلها مُعلقون رغم كل شيء بحبل التضامن والود، وربما حتى بتقمص اللامبالاة أحيانًا.
4- تونس في الروائي القصير "واقف على الأطلال"
عام 2016، أي قبل عشرة أعوام من اليوم، صدر الفيلم التونسي الهام "نحبك هادي" من سيناريو وإخراج محمد بن عطية. وشخصية هادي الحائر بين حياتين، بعد أن عثر بالكاد على حريته بلا قدرة على اتخاذ قرار، أداها مجد مستورة. وهو نفسه الذي يؤدي اليوم دور هادي في الفيلم القصير "واقف على الأطلال"، أو حسب العنوان الفرنسي "تحت الأنقاض"، لكن من إخراج نذير بوسلامة، كأنما استكمالًا للفيلم الأول. يعود هادي من حياته الثانية في باريس في زيارة عابرة إلى تونس، على أساس حضور حفل زفاف ابنة عمته سلمى (تؤديها آية بوترعة)، وكان بينهما في ما سبق مشروعٌ للارتباط أو الحُب. إنها عودة للإطلال ربما على حياة سابقة، أو على احتمال حياة فوَّته هادي بلا رجعة.
تغيَّرت تونس في غياب هادي، بعض ملامحها القديمة تبدَّل، كما يُفاجأ في وصوله الأول من المطار. مع ذلك، لا يُركِز المُخرج على هذه التحولات الخارجية الحادثة لا محالة، بل على علاقة هادي النفسية بالمدينة في الذكرى وفي الحاضر، كما يسمح بالطبع زمن الفيلم الذي لا يتجاوز نصف الساعة. كم يُلفت نظره أن مدخل بيت أهله القديم صار ساحةً لإلقاء القمامة. كم يستفزه ذلك الكلب الضال الذي يبتعد كل مرة يهشه فيها ثم يعود وكأنه لا يملك مكانًا آخر. هادي بدوره لم يعد يملك مكانًا في هذه المدينة، بعد أن أصاب العطب مفتاح بيته. ليس له إلا ربما صلته بابنة عمه، على الرغم من انفصالها النفسي عنه. هي لا تُريد أن تغادر تونس، لا تُريد أن تُنجب صغارها خارجها، هي تُحبّ حقًا عريسها وحياتها الجديدة. وكأن المدينة كاملة ماضية في أفراحها وإحياء تقاليد زفافها في مشاهد حقيقية للأعراس في تونس، ماضية في حياتها الجديدة، ولو حتى بلا مواطِنها الذي أمسى غريبًا.


تحميل المقال التالي...