}

"مراكب" إسماعيل الرفاعي: جدلية الضوء والذاكرة بفضاء اللون الواحد

عماد الدين موسى عماد الدين موسى 21 مايو 2026
تشكيل "مراكب" إسماعيل الرفاعي: جدلية الضوء والذاكرة بفضاء اللون الواحد
إسماعيل الرفاعي

 

ينتمي الفنان إسماعيل الرفاعي إلى جيل تشكيلي تبلورت ملامحه عبر تداخل الحقول الإبداعية، حيث تتآلف التجربة البصرية مع الكتابة الأدبيّة ضمن نسيج متماسك يمنح مشروعه بعدًا تركيبيًا واضحًا.
وُلد الرفاعي في سورية عام 1967، وتخرّج في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثم تابع مسيرته الفنية من خلال معارض فردية وجماعية داخل العالم العربي وخارجه، الأمر الذي أتاح لتجربته الانفتاح على سياقات بصرية وثقافية متعددة. ينظر الرفاعي إلى العمل الفني بوصفه مجالًا رحبًا للتجريب، تتفاعل داخله الحساسية اللغوية مع الرؤية التشكيلية في إنتاج خطاب جمالي يعيد صياغة العلاقة بين الفنون. وقد أسهم هذا التفاعل في تعميق حضور البعد الإنساني ضمن أعماله، حيث تتجلى عنايته بعلاقة الكائن بمحيطه، وبالتقاطعات التي تنشأ بين الذاكرة والتخييل، ضمن رؤية تعمل على إعادة تشكيل العالم عبر تآزر الصورة واللغة.

في معرضه الفردي الجديد "مراكب"، الذي احتضنه مركز أسوار للفنون في الشارقة خلال نيسان/أبريل 2026، يقدّم إسماعيل الرفاعي تجربة تشكيلية تنفتح على أفق تأويلي واسع، يتجاوز حدود المشهد البحري بوصفه موضوعًا بصريًا، إلى كونه بنية رمزية متشابكة تتقاطع فيها الذاكرة مع الزمن، والمكان مع الوعي، والتجربة الفردية مع الامتداد الإنساني العام. تتجلى المراكب هنا كأشكال مرئية محمّلة بثقل التجربة البشرية، تتوزع على سطح اللوحة كعلامات تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وبين الحضور الفيزيائي والغياب الدلالي.


يشتغل المعرض في جوهره على تفكيك الصورة وإعادة تركيبها، وعلى إعادة النظر في مفاهيم الرؤية ذاتها، إذ يقدّم الرفاعي الميناء بوصفه فضاءً زمنيًا متحوّلًا، تنبثق منه طبقات من المعاني التي تتكاثف داخل بنية تشكيلية مفتوحة على احتمالات متعددة.

تتمثّل إحدى أبرز ملامح هذا المعرض في اعتماد الفنان على ثنائية الأحادية اللونية، ويأتي هذا الاختيار كتوجّه جمالي يرتبط بجوهر التجربة؛ فحين يتقلّص الطيف اللوني تتكثف الطاقة التعبيرية للون الواحد، ويصبح قادرًا على حمل طبقات متعدّدة من الإيحاء.

يشتغل اللون في لوحات المعرض بوصفه مجالًا حسيًا متدرجًا، حيث تنبثق الظلال من عمق الضوء، وتتشكّل المساحات عبر تداخلات دقيقة تخلق نوعًا من الإيقاع البصري الهادئ، ما يتيح للمتلقي أن ينخرط في التجربة عبر تأمل الفروق الدقيقة، تلك التي تمنح اللوحة عمقها الداخلي.

المراكب... أجنحة بصرية

يستمد المعرض طاقته من علاقة عضوية بين الفنان والمكان، إذ يشكّل ميناء الشارقة القريب من مرسمه نقطة انطلاق لتجربة بصرية متراكمة. وتتحول هذه العلاقة اليومية بالميناء، بما تحمله من تكرار زمني للمشهد، إلى مادة خام يعيد الفنان صياغتها داخل فضاء اللوحة.

ويظهر الميناء هنا كيانًا حيًا يتشكّل عبر الزمن، يحمل آثار الحضور الإنساني ويحتفظ بذاكرة الحركة والانتظار. وتتجلى هذه الذاكرة في تكرار المراكب وامتدادها داخل الفضاء وتراكمها بما يوحي بزمن متدفق لا ينقطع.

ويمنح هذا التراكم اللوحات طابعًا سرديًا، حيث يُقرأ كل عمل بوصفه مقطعًا من حكاية أوسع تتصل بالعبور والرحلة والتحولات التي يمر بها الإنسان في مواجهته المستمرة مع العالم.


تظهر المراكب في معالجة الرفاعي ككيانات متجزئة تتفكك هياكلها إلى مقاطع بصرية تتوزع داخل اللوحة، ويؤدي هذا التفكيك إلى إعادة صياغة الشكل بطريقة تفتح أفقًا بصريًا جديدًا، من دون الإخلال بوجوده. كما تتخذ المراكب أحيانًا هيئة قريبة من الأجنحة، وكأنها على وشك التحليق، في تماس مع الأفق الذي يشكّل حدًا فاصلًا بين المرئي والمتخيّل.

يلعب الضوء دورًا مركزيًا في تشكيل الفضاء داخل هذه الأعمال، إذ يتوزع على السطح التصويري بطريقة تخلق إيقاعًا بصريًا متوازنًا، ويتقاطع الضوء مع الظل في حوار مستمر ينتج عنه نوع من التدرج الذي يمنح اللوحة عمقها.

ويمتد هذا التدرج إلى ما يتجاوز الأثر البصري، حاملًا دلالة زمنية يمكن قراءتها عبر تحولات الضوء بوصفها مؤشرًا إلى مرور الزمن داخل اللوحة، وبذلك يتحوّل السطح إلى ما يشبه نصًا بصريًا يكتب الزمن عبر توزيع النور والعتمة.

من الرحلة إلى الهوية

تحمل المراكب، في هذا المعرض، حمولة رمزية كثيفة تتصل بفكرة الرحلة بوصفها تجربة إنسانية أساسية، إذ ارتبط المركب منذ أقدم العصور بالعبور والانتقال بين الضفاف والحالات والعوالم.

يتجاوز هذا الرمز في أعمال الرفاعي دلالته التقليدية ليغدو علامة على البحث المستمر عن الذات، حيث تحضر المراكب ككيانات تعكس حركة الداخل بقدر ما تعكس حركة الخارج. وتتصل هذه الرمزية بالذاكرة الثقافية للبيئة الإماراتية، حيث يشكّل البحر جزءًا محوريًا من تاريخ المكان بما يحمله من تجارب الغوص على اللؤلؤ وقصص الكدح والعمل. وتتكثّف هذه الذاكرة داخل اللوحات لتمنحها بعدًا ثقافيًا متجذرًا.

ما يميّز لوحات المعرض انفتاحها على قراءات متعددة، حيث تمنح المتلقي مساحة للمشاركة في إنتاج الدلالة من دون فرض معنى محدد، ويعود هذا الانفتاح إلى طبيعة البنية التشكيلية التي تقوم على توزيع العناصر بطريقة تتيح أكثر من مسار بصري.

يمكن النظر إلى اللوحات من زوايا متعددة، وكل زاوية تكشف جانبًا جديدًا وعلاقة مختلفة بين العناصر، ويعكس هذا التعدد في المسارات، على مستوى أعمق، تعددية التجربة الإنسانية ذاتها التي تتجاوز الاختزال في معنى واحد.




بين الحسّي والمعرفي

تقوم تجربة الرفاعي على مزج بين المعايشة الحسية والتأمل المعرفي؛ فمن جهة يحضر بقوة اشتغال على تفاصيل مستمدة من الواقع، من الميناء وحركة المراكب وتكرار المشهد اليومي. ومن جهة أخرى يجري تحويل هذه التفاصيل إلى عناصر دلالية تحمل معاني تتجاوز حضورها المباشر.

يمنح هذا التداخل اللوحات طابعًا مزدوجًا، حيثُ يتيح التفاعل معها على مستوى الحس عبر اللون والملمس والتكوين، وعلى مستوى الفكر عبر الرموز والإيحاءات. وبهذا تتحول التجربة التشكيلية إلى مساحة التقاء بين الإدراك الحسي والتفكير التأملي.

تظهر المراكب في تتابع جمالي داخل فضاء المعرض، حيث يمتد شكل خلف آخر في انتظام يخلق إيقاعًا بصريًا واضحًا، ويستحضر هذا التتابع مسارات الرحلات البحرية ويمنح اللوحة بعدًا زمنيًا متدرجًا.

ويمتد هذا الإيقاع إلى ما يتجاوز الحركة الفيزيائية، ليشير إلى تراكم الخبرة الإنسانية عبر الزمن، فكل مركب يحمل أثرًا من رحلة وتجربة وذاكرة، ومع تكرار هذه الأشكال تتكاثف هذه الآثار لتكوّن ما يشبه الذاكرة الجمعية.

تُقرأ أعمال المعرض بوصفها محاولات للإمساك بتلك الحالة الداخلية التي تتكوّن فيها الصور قبل أن تستقر على هيئة محددة، وتغدو المراكب وسائط وعلامات تشير إلى عمق أوسع، وإلى حركة داخلية تتخذ من الشكل ذريعة للظهور.

يقدّم معرض "مراكب" تجربة تشكيلية غنية تتقاطع فيها عناصر متعددة لتنتج خطابًا بصريًا مركّبًا؛ من الأحادية اللونية إلى تفكيك الشكل، ومن استحضار المكان إلى استكشاف الداخل، وتتشكل هذه الأعمال كفضاء مفتوح يتيح للمتلقي إعادة النظر في علاقته بالصورة والمعنى والزمن.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.