ولأن موسيقاه صعدت من أعمق أفياء انتمائه إلى شعبه، وأصدق لحظات إيمانه بعدالة قضيته، فإن الأمر لم يحتج إلى وقت طويل قبل أن يتحوّل مطلع أغنيته "هالو باندونغ"، على سبيل المثال، إلى رمز نداء وبداية معتادة لإذاعة "كوتويك" عند إنشاء اتصال لاسلكي-تلغرافي مع باندونغ (بالهولندية: Bandoeng)، إحدى أكبر مدن جزر الهند الشرقية الهولندية سابقًا: "هالو، هالو باندونغ، إيبو كوتا بيريانجان (بالعربية: أهلًا، أهلًا باندونغ، عاصمة بيريانجان)… هالو، هالو باندونغ، كوتا إنجيتان (ومعناها: أهلًا، أهلًا باندونغ، مدينة مليئة بالذكريات)… لقد غمرها الآن بحر من النار… هيا بنا نستعيدها يا أعز أصدقائي". قد يقول قائل ولكن الأغنية بريطانية أساسًا، حتى إن الملكة إليزابيث الثانية غنتها في عام 1929، وهي طفلة بعمر ثلاث سنوات عند افتتاح خدمة الهاتف اللاسلكي لشركة الاتصالات الملكية الهولندية: Hallo Bandoeng… Hier Den Haag، والرد على هذا الاعتراض المشروع أن إسماعيل مرزوقي منح الأغنية روحًا إندونيسية مستقلة؛ أولًا بإعادة كتابتها بإحدى لغات شعبه، وثانيًا من خلال تغيير روح قفلة الأغنية العاطفية أساسًا، حين أشار إلى الحريق الثوريّ الكبير، ثم حين دعا إلى تحرير المدينة، وبالتالي، تحرير الوطن ونيل الاستقلال بالعزيمة والغضب والنار المتأججة ليس في جدران مدينة فقط، ولكن، أيضًا، وأيضًا، في صدور أبناء شعب يأبى الخنوع، ولا يقبل أن تطأ أقدام غريبة أرض دياره ونواحي خصوصيته.
موسيقى الوجدان
من خلال الموسيقى والأغاني، استطاع إسماعيل مرزوقي، المؤلف والملحن والمغني، أن يعكس آلام شعبه وآماله، محولًا معاناة الإندونيسيين إلى لغة موسيقية تصبو إلى الحرية، وتحض على المقاومة. واليوم، وبعد مضي 81 عامًا على إعلان إندونيسيا استقلالها عن هولندا، فإن القصة الشفوية المتناقلة لمرزوقي وألحانه وأغانيه وعموم موسيقاه، تشكّل إلهامًا متواصلًا للشعب الإندونيسي، الذي ما يزال حتى يومنا هذا (الذي يسبق ذكرى رحيل مرزوقي بيومين) يغني لـ"سارينا" ويهتف "مرحبًا، أو أهلًا باندونغ". إنها موسيقى الوجدان تلك التي تجعل أطفال العالم أجمعين يهتفون "سلام لغزّة… سلام. سلام"… وتجعل الشعب الإيرانيّ بقضه وقضيضه يملأ الساحات هاتفًا: "سلام فرمانده… سيد علي دهه نودي هاشو فراخوانده" ومعناها بالعربية: "سلام أيها القائد المُستدعى المُجتبى لنا لتصنع مجدنا". ليست مصادفة إذًا، ولا بدون معنى، غدت أنغام العازف متعدد الآلات، الذي علّم نفسَه بنفسِه، موسيقى الوجدان الإندونيسي خلال كفاحه ضد كل من الاستعمار الهولندي والاحتلال الياباني. موسيقاه المعبّرة عن قوميته ووطنيته عرّضته للسجن والتعذيب وأدت إلى رحيله مبكرًا (رحل عن 44 عامًا من الموسيقى والاحتراق)، ليصبح العالم جميعه شاهدًا على الحقائق القاسية للحكم الاستعماري، وفي الوقت نفسه على القوة المتسامية للفن، وكيف يمكن لصوت فنان أن يساعد في تشكيل هوية شعب، ويتجلى بوصفه رمزًا للحرية والفخر الوطني.
نبوغٌ لافت
مسيرة إسماعيل مرزوقي الفنية الإنسانية القصيرة الخصبة، تكشف عن عبقرية فذة أعلنت عن نفسها وهو ما يزال في عمر الصبا والشباب. بذكاءٍ لمّاح، والتقاطات مبدعة، جمعت ألحان مرزوقي وأغانيه بين الحس الرومانسي والروح الوطنية.
ولد في العاصمة الإندونيسية جاكارتا (وكانت تُعرف زمن الاستعمار الهولندي باسم باتافيا)، ونشأ في بيئة شعبية متأثرة بالموسيقى المحلية والموسيقى الغربية التي دخلت الأرخبيل عبر الاستعمار والتجارة. واحدة من أغانيه التي نالت شهرة، أغنية تحمل باللغة الإندونيسية اسم Rayuan Pulau Kelapa، وهي تلقي ضوءًا محبًا مفتتنًا على جزر الهند الشرقية، وفي الوقت نفسه توثّق لتاريخ المقاومة الإندونيسية. ومن أغانيه إلى ذلك: Indonesia Pusaka ذات الطابع الوجداني والوطني العميق، ومرثية Gugur Bunga، التي تتغنّى بالشهداء، وتكرم منجزهم، وتخلّد بطولاتهم. في سياق عبقريته الموسيقية، مزج مرزوقي بين الموسيقى المالاوية والإندونيسية التقليدية، مع تأثرٍ شفيفٍ خفيفٍ بموسيقى الجاز وأنواع أخرى من الموسيقى الغربية. وهو في كل هذا وذاك سعى لتقديم أغنية وطنية تعبوية، خاطبت الجمهور العريض ولم تقتصر على النخب فقط، فتلك الأخيرة أثبتت، في غير مطرح وتجربة ومواجهة، أنها لا تصنع فارقًا، ولا تبني مجدًا، ولا تحرر أرضًا، ولا تفرض سيادة، ولا تنتزع حقوقًا. عبقرية مرزوقي جعلته يختار نوعًا من الموسيقى الوطنية التي لا تكتفي بتمجيد الوطن بصورة مجردة، بل تربط اللحن بحدثٍ مؤسِّسٍ، أو جرحٍ جماعيّ، وبما يتقاطع مع أغاني ثقافات الشعوب جميعها المرتبطة بحروب التحرّر، أو المنفى، أو الشهداء. إنها موسيقى من النوع الذي يغذّي العاطفة الوطنية بأنغام إبداعية، أكثر من كونها ترفع هذه العاطفة شعارًا. ولم يكن كل هذا ليتأتى لإسماعيل لولا أنه حمل بامتياز لقب الفنان الشامل: يكتب كلمات أغانيه، ثم يلحنها، ثم يغنيها، ولا مانع لديه لو عزف بنفسه على واحدة من الآلات التي يتقنها ليترافق عزفه مع كل ما تقدم. إنها القُدرات المشفوعة بمصداقية الغايات. وإنها الرسائل الراكضة على مدّ فلوات الأيائِل. وعليه، فإن إسماعيل مرزوقي لا يقدّم الوطن كفكرة مجردة فقط، بل كخبرة حسية وعاطفية: جزيرة، مدينة، شهداء، ذاكرة جماعية.
واليوم، فإن هذه العبقرية لفتى يافع، ثم لشاب طامح، ثم لفنان ناضج مبدع، تلقى ما تستحقه من تكريم وامتنان؛ فثمة مراكز ثقافية إندونيسية تحمل اسمه، وثمة حديقة، لعلها من أهم حدائق إندونيسيا، تعتد بصورة منجزه ومفردات تجلياته. في هذا السياق فإن Taman Ismail Marzuki، على سبيل المثال، يعد من أهم المجمعات الثقافية الإندونيسية، وهو يضم داخل فضاءاته مسارح وقاعات عرض ومرافق فنية عديدة. ففي كثير من تجارب التحرر الوطني، الأغنية تصبح نوعًا من "أرشيف شعبي" موازٍ للتاريخ الرسمي. الناس قد لا تحفظ تواريخ المعارك، لكنها تحفظ اللحن الذي جاب آفاق هذه المعارك. وهو يمنح الفن دورًا يتجاوز الترفيه. وفي حين توثق الدول تاريخها عبر الكتب، فإن الشعوب تحفظه بالأغاني. هذا ما أدركه إ. مرزوقي مبكرًا، فجعل وطنه وبطولات شعبه قابلة للغناء، وبالتالي قادرة على الرسوخ داخل أفياء الذاكرة. وحين تحترق المدن كما حدث في باندونغ، أو تدمر فوق رؤوس أصحابها كما حدث وما يزال في غزّة وجنوب لبنان، فقد يظن الغزاة (آثمين) أنهم ربحوا المعركة، واحتلّوا سردية المكان؛ لكن أغنية واحدة قد تعيد بناء المدينة داخل الذاكرة الجمعية. هذا ما حدث مع أغاني سراييفو، ويريفان، وكيب تاون حيث تلتقي السحب، ومدريد خلال حصارها، وما يحدث اليوم مع أغاني بنت جبيل، وخان يونس، وجباليا، ورفح، ودير البلح، وبيروت، وصنعاء، وبغداد، وجنين وقائمة تطول. الأغنية تتجلى في سياق حديثنا عن إسماعيل (صوت الحرية الذي موْسق الكرامة)، وعن أي إسماعيل، بوصفها جزءًا من حوافظ الهوية، تلك التي لا نجدها في المتاحف، بل في وجدان الناس ومفردات يومياتهم… مثل الثوب… والطبق الشعبي… والأبطال الأسطوريين… وحكايا الجدات… والمأثورات… والطقوس… وأهازيج مواسم الحصاد… ومثل التي ينسجها، على مهلهم، أبناء شعوبنا المقاومة في فلسطين ولبنان وفي كل مكان تنبت فيه خيوط فجر جديد، وتصعد ابتسامة طفل نجا من المحرقة.


تحميل المقال التالي...