}

"الشيطان يرتدي أزياء برادا 2" ويودّع الماضي ضاحكًا

سمير رمان سمير رمان 25 مايو 2026
سينما "الشيطان يرتدي أزياء برادا 2" ويودّع الماضي ضاحكًا
الأزياء أحد أهم أبطال الفيلم

تعرض دور السينما حول العالم هذه الأيام فيلم "الشيطان يرتدي برادا 2/ The Devil wears Prada 2" للمخرج الأميركي ديفيد فرانكل. الفيلم هو تتمة للفيلم الكوميدي، الذي يحمل العنوان ذاته، والذي صدر قبل عشرين عامًا بالتمام والكمال، وتدور أحداثه في بيئة عملٍ لصناعة الأزياء يستكشف من خلالها عالم الموضة والإعلام البرّاق. في غضون أقلّ من أسبوعين، حقق الفيلم إيرادات خياليّة تجاوزت 435 مليون دولار، مقابل  ميزانية لم تتجاوز 100 مليون دولار. يشير النقّاد إلى أنّ الفيلم بجزئه الثاني طوِّر بالتوازي مع تطور جمهور معجبي الجزء الأوّل نفسه، الذي أصبح أكثر نضوجًا، ويرتدي ملابسه بصورةٍ أفضل، والأهمّ أنّ هذا الجمهور قد تخلّى عن أوهام الشباب.
استند الجزء الأول من الفيلم في عام 2006 إلى روايةٍ تحمل العنوان نفسه للكاتبة الأميركية لورين فايسربرغر/ Lauren Weisberger، والتي حققت أعلى المبيعات حينئذٍ. في تلك الرواية ـ مع تغيير الأسماء والألقاب ـ سردت المؤلّفة تجاربها الشخصيّة أثناء عملها مساعدةً للشخصيّة الأسطورية في عالم الأزياء، البريطانية أنّا فينتور/ Anna Wintour، ورئيسة تحرير مجلّة Vogue الأميركية (وهو المنصب الذي بقيت فيه 37 عامًا، وتخلّت عنه رسميًّا فقط في العام الماضي، لتتولّى تحرير النسخة العالميّة للمجلة نفسها، وعيّنت فيها ككبيرة مسؤولي المحتوى في دار النشر العالميّة Conde Nast المتخصصة بالأزياء والسفر والسياحة والثقافة والتكنولوجيا).
وعلى الشاشة السينمائية، تضافرت حكايات ليالي السهر الطويل في مواقع العمل، والركض لجلب القهوة، المترافقة دومًا مع وابل الانتقادات اللاذعة التي تطلقها المديرة، لتنسج جميعها قصّة الصحافية الطموحة أندي ساكس (التي أدّت دورها آن هاثاواي/ Hathaway)، التي حصلت ـ بمحض الصدفة تقريبًا ـ على وظيفة مساعدة لـ ميراندا برستلي (قامت بالدور ميريل ستريب)، رئيسة تحرير مجلّة Runway. على الرغم من أنّ الاقتباس السينمائي قد تمتّع بحريّةٍ واسعة في التعامل مع النصّ الأصلي للرواية، إلّا أنّ الجانب البصري جاء مبهرًا بحقّ، فقد نجح تمامًا بالتقاط كلّ بريق مدينة نيويورك في حقبة العقد الأخير من الألفية الثانية ـ بعيدًا عن أيٍّ مظهرٍ من واقعيتها الجافّة: الفقر والتشرّد والبؤس ـ، وكذلك أبّهة معارض الأزياء التي ظهر فيها مشاهير عالم الموضة، مصحوبةً بمعايير جمالية يستحيل بلوغها (حتى العارضة الأنيقة هاثاواي وُصِفت بـ"السمينة" بعباراتٍ تخلو من أيّ مظهر من مظاهر التهكّم).
بلغ الفيلم درجةً من الجمال، بحيث كان العاملون في صناعة الأزياء، وفي المجلّات البرّاقة، يرون أنفسهم، وهم يغالبون الدموع، متجسدين في شخصيّات الفيلم. أمّا الملايين من الشابّات فقد وجدن أنفسهنّ، فجأةً، يتُقنَ بصدقٍ إلى الحصول على وظيفةٍ تشابه تمامًا وظيفة أندي. لقد اكتسب الفيلم مكانةً عالية جعلته أيقونةً "Cult status" حقيقيّة، إذ قلّما يمرّ شهرٌ من دون أن يقتبس أحدٌ ما، وهو يستعرض أحدث مجموعات الموضة، بعضًا من مدوّنات الموضة، مثل عبارة ميراندا الشهيرة: "أزهار الربيع؟ يا له من ابتكارٍ مذهل!".
بطبيعة الحال، لم يكن في وسع هوليوود اليوم إلا أن تلحظ منجم الذهب الذي بقي كامنًا من دون استغلال طيلة 20 عامًا، وهي التي طالما دأبت على تحويل حنين المشاهدين إلى الماضي "نوستالجيا" إلى مبيعاتٍ أكثر في شبّاك التذاكر.




في الجزء الثاني من الفيلم، يعود الفريق نفسه إلى العمل: المخرج فرانكل، كاتبة السيناريو بروش ماكينا، بالإضافة إلى الممثلين الرئيسيين.
بعد أن أصبحت امرأة ناضجة، تركت أندي مجلّة Runway وراء ظهرها، وانطلقت  لتحقق حلمها بأن تصبح صحافيّة جادّة. في مستهلّ أحداث الفيلم، وبعد أن تسلّمت ميراندا جائزة عن أحدث تحقيقاتها الصحافيّة، تلقّت أندي رسالةً نصيّة تعلن تسريح كامل طاقم التحرير الذي تعمل معه. كانت المجلّة تمرّ في أوقاتٍ عصيبة: لا تزال ميراندا تمسك بدفّة القيادة، غير أنّ ثقبًا قد خرق السفينة، وهي حقيقة أكّدتها فضيحة تورّطت فيها المجلّة بعد نشرها مقالًا أشادت فيه بإحدى العلامات التجارية التي تبيّن لاحقًا أنّها تمارس أساليب عملٍ غير أخلاقيّة. وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، بدأت تظهر تعليقات لاذعة تلمّح إلى ضرورة تقاعد ميراندا، التي كانت تعد متخلّفة عن ركب العصر الحديث.
وهنا، تتلقّى أندي فجأةً عرضًا من ناشر مجلّة Runway (تيمور فيلدمان). كان في الحقيقة عرضًا لا يمكن رفضه ببساطة: تولّي منصب رئيس قسم "المشاريع الخاصّة" في المجلّة التي تعاني من صعوباتٍ ماليّة جمّة، وتفويضًا بنشر مقالاتٍ جادّة يفترض أنّها ستخطف أنظار القرّاء فورًا (وهي فكرة تبدو للوهلة الأولى منافيةً للمنطق السائد). بطبيعة الحال، لم تكن ميراندا مبتهجة البتّة حين وجدت مساعدتها السابقة تقف على عتبة مكتبها، تلك المساعدة التي لم تتعرف عليها، أو تظاهرت على الأقلّ بأنّها لم تتعرّف عليها.
وكما هو متوقّع من أيّ عملٍ تكميليّ (Sequel)، جاء الفيلم الجديد زاخرًا بكلّ ما أحبّه المشاهدون في الجزء الأوّل: أزياء راقية (Couture)، وسجاد أحمر، وإطلالات بانورامية لمدينتي نيويورك وميلانو (التي حلّت محلّ باريس التي ظهرت في الفيلم السابق).
هذه المرّة، يضمّ الفيلم عددًا من المشاهير، الذين يؤدّون أدوارهم الحقيقيّة، يبلغ ثلاثة أضعاف المشاهير في الجزء الأول: بينهم عمالقة عالم الأزياء، مثل دوناتيلا فيرزاتشي، ودومينيكو دولتشي، وستيفانو غابانا، وليدي غاغا، وصولًا إلى كبار منسّقي الأزياء ومقدّمي قنوات يوتيوب المشهورة. في هذا الفيلم، تتجوّل هذه الشخصيات البارزة في غرف فيللات فاخرة تقع في منطقة هامبتونز في جزيرة لونغ آيلاند في نيويورك، وعلى ضفاف بحيرة كامو الساحرة في إيطاليا، وكذلك تستضيف مجلّة Runway، خلال أسبوع الموضة في ميلانو، حفل عشاء فاخر في قاعة الطعام في دير سانتا ماريا ديلي غراتسي، التي كانت خلفيتها لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة "العشاء الأخير/ The Last Supper". وباختصار، لم يذهب سدى أيّ سنتٍ واحد من ميزانية الفيلم، التي تضاعفت ثلاث مرّات تقريبًا مقارنةً بالجزء الأوّل.
ومع ذلك، لم يكن "برميل العسل" هذا صافيًا بكامله، فهو يحتوي بالطبع بعضًا من "شوائب تعكّر الصفو". الفيلم الأوّل، وإن جاء بقالبٍ ترفيهيّ، نجح في إيصال فكرة التضحيات التي يتعيّن على النساء تقديمها لتحقيق النجاح المهنيّ: فهنّ يستبدلن سعادتهنّ الشخصيّة بالسمعة التي تلتصق بالمرأة، من قبيل وصفها بـ"الشخصيّة الشرسة وسليطة اللسان"، وهي سمعةٌ لو أُطلقت على رجلٍ لنال طوفانًا من الثناء والمديح، باعتبارها دليلًا على "شخصيّته القويّة". أمّا في الجزء الجديد من الفيلم، فتبدو كلّ تلك الأحجار البرّاقة والريش الفاخر وكأنّها مجرّد زينة توضع على نعشٍ يدفن فيه صنّاع الفيلم وسائل الإعلام التقليديّة.
بشكلٍ متواصل، تتقلّص أعداد موظفي المجلة، وتنكمش الميزانيات (يدمي القلب ذاك المشهد، الذي يضطرّ فيه محررو مجلّة Runway للسفر إلى ميلانو بالدرجة الاقتصاديّة). وثانيًا، لم يعد أحدٌ يقرأ الصحف والمجلات المطبوعة، التي وجدت نفسها في مواجهةٍ شرسة مع النسخ الرقميّة، ومع المدونين وصنّاع المحتوى (Influencers). إنّها معركة محسومة سلفًا، لا سيّما مع اقتراب الذكاء الاصطناعي بخطواتٍ متسارعة لينافس الجميع ويلاحقهم عن كثب.
رغم كلّ ذلك، لا يزال صنّاع فيلم "الشيطان يرتدي ملابس برادا" الجديد يحاولون التظاهر بالصمود والتماسك في ساحة تلك المعركة. ففي نهاية المطاف، تظلّ هنالك دائمًا احتمالية أن يقوم مليونيرٌ خيّر بشراء مطبوعتك، متظاهرًا بأنّه لن يتدخّل في سياسة المجلّة التحريريّة. وحينها، سيكون لزامًا عليك أن تتظاهر بتصديقه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.