طلاب في مدرسة، أعلام ورقيّة لدول من العالم معلّقة على السقف، زينة كانت لمناسبة ما، ومن بينها، وبشكل واضح، كان علم فلسطين، فهي أولًا ليست دولة ولا العلم ظهر بشكل محايد. وُجد العلم بشكل مقصود، وهو بذلك كأيّ تفصيل يمكن أن يشمله الإطار في أي فيلم، تحديدًا في حديث عن فيلم أميركي، من تلك الأفلام ضخمة الإنتاج.
كان ذلك في فيلم "أسلحة" (Weapons) الذي نالت شخصيته الثانوية جائزة الأوسكار عن فئتها هذا العام. الفيلم الترفيهي الفانتازي، الذي أظهر العلمَ الفلسطيني ليلاحَظ، لا لاضطرار ولا لسهو، قدّم نوعًا من المقولة السياسية في فيلم غير سياسي. هو مرور سريع، غير محسوب، دراميًا، حضرَ أم لم يحضر، لا أثر لأي من الأعلام هذه، في سرد الفيلم ولو خفيفًا. إضافة امتيازية من المخرج نفسه، زاك كريغير، تمامًا كما يحب السينمائيون، المؤلفون تحديدًا، الظهور لثوانٍ في فيلم لهم، من دون حتى ضرورة الكلام. هذا الكاميو (الظهور السريع) للسينمائيين، أشبه بتوقيع لهم على أفلامهم، مثله مثل هذا العلم الفلسطيني صافًّا مع غيره ومن دون خجل أو مواربة.
على طول تاريخ السينما الفلسطينية، نجد إشارات لفلسطين، كاميو، لا مبرر دراميًا لحضورها إنما ضرورة سياسية وأخلاقية لصاحب العمل، ودائمًا أغيّبُ احتمال السهو في الصناعة السينمائية، الأميركية تحديدًا حيث جيوش من الاختصاصيين تتحرك في الستوديو خلال التصوير وعموم عمليات الإنتاج، وما بعد الإنتاج، وفي زمن حرب إبادة حيث كل إشارة لفلسطين تكون حتمًا مقصودة، تحديدًا متى كانت خارج السياق، كأن يحمل مغني راب علم فلسطين لدقائق ضمن مجموعة أغانٍ له ليس فيها، بالضرورة، ما يجمعها بما تحمله فلسطين من مضامين. هي، وحسب، مقولة سياسية في عزّ السرد الفني.
وليس ذلك جديدًا، أو محصورًا بظرف إبادي كي نرى هذه الإشارات، كنوع من التضامن مع الضحية بوصفها ضحية، تضامن مع متلقّي الصفعة لا ملقيَها. تختلف المقاربات باختلاف السياقات، فيلم تجاري أميركي اليوم قد يكتفي بعلم ضمن غيره، لكن مخرجًا فرنسيًا آخر هو جان أوستاش، كان مثالًا على الطرف الآخر من هذه الإشارة التضامنية، بفيلم فرنسي وفي عام كانت الثورة الفلسطينية في أوجها. هو إشارة تضامنية، في وعيها أو لاوعيها، مع الفلسطيني لا بوصفه ضحية بل بوصفه مقاتلًا للحرية.
في فيلم جان أوستاش "الأم والعاهرة" (La Maman et la putain) الذي نال الجائزة الكبرى وجائزة فبريسكي في مهرجان كان السينمائي عام 1973، مرّت إشارة إلى الفلسطينيين، في وقت كانت منظمة التحرير وفصائل الثورة مثالًا من بين الأبرز عالميًا لحركة تحرر وطني، كانت تردّ الضربة ولا تكتفي بالمسح مكانها، كان الفدائيون يدرّبون عسكريًا مجموعات ثورية من آسيا وأفريقيا.
في مشهد سريع، نجد مكانة الفلسطينيين في وعي فئة من الفرنسيين، ولا نكتفي بجان لوك غودار في حينه، في مرحلته الماوية من بعد تثبيت اسمه بوصفه الأبرز في الموجة الجديدة للسينما الفرنسية، ورحلته إلى معسكرات الفدائيين في الأعوام القليلة من عزّ الثورة وهو زمن إنتاج هذا الفيلم. أليكساندر هو أحد شخصيات الفيلم الذي يسرد حالة التحرر والتمرد التي عاشها الفرنسيون من بعد ثورة مايو/ أيار 1968، وهو شخصية تجسد الثورة الطلابية آنذاك، من دون أن يكون ملتزمًا أو مناضلًا، بل محاولًا إيجاد فردانيته وخصوصيته وأنانيته ضمن أجواء ثورية امتدت إلى الحريات الجنسية، وهو موضوع الفيلم الأساسي، إذ يقيم أليكساندر علاقة ثلاثية مع صديقتيه، تغاران واحدتهما من الأخرى، مع لحظات تَقبُّل بينهما بين وقت وآخر. تَقبُّل يكفي تشارك ثلاثتهم الفراش.
يقول أليكساندر في حوار في مشهد من الفيلم، إنه مقتنع بأن كل ما يدور في العالم في السنوات الأخيرة موجّه ضده شخصيًا: الثورة الثقافية، مايو 68، الرولينغ ستونز، الشعر الطويل، الفهود السود، الفلسطينيون، الأندرغراوند. يقول ذلك في مونولوغ يجعله في عموم الفيلم، الفتى التائه ضمن تغييرات جذرية اجتماعية وسياسية تشهدها فرنسا والعالم.
ليس موضوعي هنا هذا الفيلم، الممتاز أصلًا، اللازم مشاهدته لكل محب لأفلام الموجة الجديدة، وهذه مسألة أخرى، وليست المقالة التي لم تبدأ به، عنه، بل عن الإشارات المتكررة لفلسطين في السينما، إشارات أقرب إلى مقولات سياسية مقصودة يمكن التخلي عنها دراميًا واختار المخرج/الكاتب ألا يفعل.
فلسطين هنا كانت رديفًا للأفكار والحالات الثورية الأكثر تأثيرًا في حينها، الأكثر حضورًا في أفكار الشباب في حينها، كما هي اليوم، كما رأينا في العامين الأخيرين، إذ حضرت فلسطين من خلال العلَم والكوفية ورموز أخرى لدى فئات متفاوتة في همومها، من الكوَيريين إلى النسويّات مرورًا بحركات حقوقية ونقابية لم تكن فلسطين مركزًا في حراكاتهم.
عندما تكون فلسطين اسمًا رديفًا لكل من الثورة الثقافية في فرنسا والفهود السود في الولايات المتحدة، وحتى، ثقافيًا، الرولينغ ستونز والأندرغراوند، هذا يعيدنا إلى زمن كان فيه الفلسطينيون بثورتهم رمزًا أمميًا يتخطى هذا الشعب قليل العدد، وبقعته ضئيلة المساحة.
اختلفَ شكل المقولة السياسية في الأفلام، من حركة ثورية إلى علَم يصفّ مع غيره. لا بأس طالما أن الزمن كله تغيّر، لا بأس طالما أن حال الحركة الوطنية الفلسطينية تبدّلت، من ثوريين إلى ناجين، من رديف للفهود السود إلى زينة معلّقة في مدرسة. الموضوع كلّه يعود إلى حيث بدأ، إلى حال الفلسطينيين لا غيرهم، وهو ما يتيح شكلًا لتضامن الآخرين، مهما كان سريعًا في مروره سينمائيًا، فيكون تضامنًا مع ثائرين أو مع مثيرين لعطف الآخرين.


تحميل المقال التالي...