تُعدّ موسيقى الجاز من أكثر الأنواع الموسيقية تأثيرًا في الثقافة الموسيقية العالمية، وعكست تجارب حيّة عن الحرية والابتكار، وشكّلت تراثًا غنيًا يمتد لأكثر من قرن من الزمن.
نشأت موسيقى الجاز في الولايات المتحدة، وتطورت على مرّ العقود كي تصبح نوعًا موسيقيًا عالمي الطابع والنكهة، يتميز بالإيقاعات المتغيرة والألحان الحرّة، ويجمع بين الثقافات الأفريقية والأميركية الأوروبية، ويمتاز بالارتجال عبر الاعتماد على الأداء الحرّ، مما يمنح الفنانين القدرة على التعبير عن مشاعرهم بشكل فريد ومختلف كل مرّة. ويُعرف الجاز بأنه ليس مجرد نوع من الموسيقى، بل هو أسلوب حياة، يعكس التعايش بين الثقافات المختلفة، ويحتفل بالتنوع والاختلاف.
تناول العديد من الباحثين والكتاب موسيقى الجاز، ودرسوا مجموعة العناصر الموسيقية التي تجعلها مميزة، كالإيقاعات المتنوعة، والنغمات المتناغمة، واستخدام تقنيات ارتجالية تتطلب مهارات عالية. وتميّز الباحث فرانك كوفسكي في دراساته التي أثبت فيها قدرته على توفير فهم أعمق للعلاقة بين هذه الموسيقى والمجتمع، وإظهار الكيفية التي يمكن للموسيقى أن تكون أداة للتعبير عن المقاومة والتحرر. وفي هذا السياق يأتي كتابه "موسيقى السود وتجارة البيض: عرض لتاريخ الجاز واقتصاده السياسي" (ترجمة ماهر حرامي، دار التكوين، دمشق، 2025)، كي يتناول تاريخ الجاز، والاستغلال الذي تعرّض له كبار مشاهير عازفي موسيقى الجاز، بالاعتماد على الاقتصاد السياسي الماركسي، عبر فحص قضايا الاغتراب، ونقص فرص العمل، والنظرة العنصرية المتجذّرة إزاء موسيقى السود، وغياب الفاعلية، وتفاقم الاستغلال النوعي للفنان الأسود، والكيل بمكيالين في التعامل مع موسيقى السود والبيض داخل صناعة التسجيلات، وتشويه الوعي الأيديولوجي في أروقة الجاز.
| |
| يرى المؤلف فرانك كوفسكي أن فنان الجاز يعيش تحت وطأة البطالة ونقص فرص العمل، ويعاني من الاغتراب الذي يسلبه ثمرة جهده لصالح المديرين التنفيذيين في شركات التوزيع |
لم يكن الجاز ابنَ تقليد موسيقي واحد، إذ امتزجت أكثر من ثقافة في تكوينه، وبالإضافة إلى الطبول القادمة من أفريقيا، تأثر السود بترانيم الكنائس التي كانوا يستمعون إليها في أيام الآحاد، والفرق النحاسية المتجولة التي كانت تجوب الشوارع في الكرنفالات والاحتفالات والجنائز، واتخذ الجاز منها آلاته الأساسية، إلى جانب الطبل والبوق والكلارينت. وتشكّلت فرق الجاز في أوائل القرن العشرين، ثم سطع نجمه في عشرينياته، إذ تغلغلت موسيقاه في معظم جوانب الحياة العامة في الولايات المتحدة، الأمر الذي جعل المؤرخين يطلقون عليه تسمية "عصر الجاز".
اتسمت موسيقى الجاز بطابعها التحرري القائم على الارتجال الجماعي وتعدّد الألحان الذي كان يقوم به عازفو الصف الأول، وأحدث ذلك ثورة على قوالب الموسيقى الكلاسيكية، وأسهم في انتشارها الواسع بين شباب اليسار ورافضي المجتمع الرأسمالي، وبرزت أسماء كثيرة في هذه الحقبة أمثال لوي أرمسترونغ، وديوك إلينغتون، وبادي بولدن وسواهم.
غير أن طريق فناني الجاز لم يكن ممهدًا وسهلًا، خاصةً وأن غالبيتهم تعيش في الولايات المتحدة، حيث تُقاس القوة بالملكية، تبعًا لمقولة: من يملك يهيمن، لذا يصعب على الفنان أن يهب موسيقاه لعالم لا يرى فيها سوى سلعة، تُسعّر وتُملّك، وتباع وتُشترى.
يرى المؤلف أن فنان الجاز يعيش تحت وطأة البطالة ونقص فرص العمل، ويعاني من الاغتراب الذي يسلبه ثمرة جهده لصالح المديرين التنفيذيين في شركات التوزيع والإنتاج الموسيقي؛ ففنان الجاز، وإن امتلك أدواته الفنية، إلا أنه يظل منقطع الصلة بما يصنع، طالما أن الطريق إلى جمهوره يمرّ عبر منظومة لا يسيطر عليها، إذ من دون وكالات الحجز وشركات الإنتاج لا يمكنه الوصول إلى النوادي الليلية، والمهرجانات، والحفلات، والمحطات الإذاعية، وقنوات التلفزة.
يجد فنان الجاز نفسه في وضع يضطر فيه إلى بيع إبداعه ضمن سوق يتحكم بها المشترون، وهو وضع يدركه الموسيقيون أنفسهم كما يدركه المديرون البيض الذين يجنون الأرباح من مواهب الفنانين، ويعلم الجميع أن هذا الوضع يُنقص بشدة من قدرته على المطالبة بما يليق بفنان موسيقي من حقوق ومعاملة. وأمام هذا الضعف البنيوي في مواجهة سلطة رجال الأعمال البيض، يُفتح المجال لاستغلال مضاعف من حيث الجوهر، فضلًا عن أن الازدراء الذي يضمره هؤلاء تجاه موسيقى الجاز يُحوّل ذلك الاستغلال إلى نتيجة شبه حتمية. كما أن المديرين البيض الذين يشغلون مواقع الهيمنة والنفوذ في الاقتصاد السياسي للجاز لا يكتفون بالسيطرة على الموسيقى وتوزيعها، بل يملكون القدرة على توجيه الأفكار المرتبطة بها، ويطاول ذلك الفنان الذي يبدعها، ورجل الأعمال الذي يجني ثمارها، والآراء السياسية التي يُسمح بتداولها، والقضايا التي تستحق النقاش. وبالتالي فإن القدرة على التحكم في إنتاج الأفكار وتوزيعها لا تقل خطورة عن السيطرة على إنتاج الموسيقى نفسها، كونها ترسّخ تلك السيطرة وتمنحها شرعية زائفة.
يستعرض المؤلف مظاهر الخلل المعرفي والتضليل الذي وسم أعمال عدد من أبرز الكتّاب البيض، بغية السيطرة على عالم الأفكار، إذ أن معظم من كتبوا عن موسيقى الجاز كتبًا ومقالات، طوال عقود عديدة، كانوا من الكتّاب البيض، وساهم قدر كبير من هذه الأدبيات في إنكار أو طمس أو تبرير أو الدفاع بطريقة ما عن الظلم المرتبط بإنتاج الموسيقى. ويعود سبب ذلك إلى اعتماد الكتّاب الذين يعتاشون على الكتابة عن موسيقى الجاز على المديرين التنفيذيين في الحصول على خدمات بطرق شتى.
غير أن القضية لا تتعلق بعقيدة تفضيل لون البشرة، بقدر ما تتعلق بالدفاع عن الظلم الذي يتعرض له فنان الجاز أو التمييز ضد موسيقى الجاز، إذ على الرغم من استثناء قِلّة من علماء الموسيقى والأنثروبولوجيا والأكاديميين الذين تتركز أبحاثهم في المقام الأول على الجوانب الفنية، فإن هناك كتّابًا محترفين يتحلون بالصدق والموضوعية في تناولهم للقضية الاجتماعية المحورية لموسيقى الجاز التي تظهر مواجهة موسيقى السود لسيطرة البيض. كما تبرز مسألة الأمانة الفكرية، إلى جانب القصور والخلل والانحياز في الطريقة التي دأب عليها كثير من الكتاب البيض في تناولهم لتاريخ موسيقى الجاز.
ويرى المؤلف أن معظم الكتّاب والباحثين من البيض والسود، الذين حاولوا سرد تاريخ السود في الولايات المتحدة، قد وقعوا في خطأ تبنّي نظرة ضعيفة جدًا، نتيجة التحيّزات العرقية أو الطبقية، حيث افترض هؤلاء بسرعة أن الموسيقى والرقص كانا هامشيين في حياة الأفارقة الذين استُعبدوا وجُلبوا إليها قسرًا. ويعود ذلك إلى أن الموسيقى والرقص يُعدّان بشكل عام أمرين هامشيين في اهتمامات معظم الأكاديميين البيض وبعض السود الذين ينحدرون من الطبقات العليا والوسطى. ونظرًا لأنهم ينظرون إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية باعتبارها أهم من تلك المتعلقة بالموسيقى والرقص، فإنهم يؤكدون أن الشعوب الأفريقية تعرضت إلى التجريد من الجوانب الأهم في ثقافتها، أي أنظمتها السياسية والاقتصادية، عندما نُقلت كعبيد إلى أميركا الشمالية، تاركةً لها تقاليدها المتعلقة بالموسيقى والرقص. وبالتالي يمكن الاستنتاج أن العبودية في الولايات المتحدة كانت مؤسسة شمولية لدرجة أنها نزعت الإنسانية وحوّلت كل ضحية إلى كائن سلبي يشبه الروبوت الزومبي. لكن على النقيض من ذلك يمكن لتحليل لا ينطلق من مسلمات مسبقة، ويمنح أهمية أكبر للأدلة وتفسيرها، أن يقود إلى استنتاجات مغايرة تمامًا. وفيما يتعلق بالابتكار في موسيقى الجاز، فمن المهم الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته الموسيقى في حياة الأفارقة، حيث يشير عالم الأنثروبولوجيا هارولد كورلاندر إلى أن الموسيقى كانت حاضرة في كل مرحلة من مراحل الحياة في أفريقيا، من الولادة إلى الموت. كما أن الأفارقة لا يقسمون الفن إلى فئات مستقلة، فالفولكلور والموسيقى والرقص والنحت والرسم تعمل جميعًا في خدمة جميع جوانب الحياة.


تحميل المقال التالي...