}

"كان يا ما كان في غزة": تشريح واقعي لمدينة

يوسف الشايب 29 مايو 2026
سينما "كان يا ما كان في غزة": تشريح واقعي لمدينة
غزة تضحك وتسخر من مأساتها لتستطيع البقاء

تنطلق حكاية فيلم "كان يا ما كان في غزة" للأخوين طرزان وعرب ناصر من عتبة زمنية فارقة ومثقلة بالتحولات؛ عام 2007، الذي لم يكن مجرد رقم في التقويم، بل كان مخاضًا سياسيًا واجتماعيًا حادًّا أعاد تشكيل ملامح القطاع بأكمله.
يختار المخرجان بذكاء لافت النبش في الهامش الاجتماعي المنسي من خلال قصة الصديقين يحيى وأسامة، ليعكسا من خلال هذا القاع البسيط المتن السياسي الأكبر للمدينة، فالفيلم يرفض تقديم غزة ككتلة من الشعارات الأيديولوجية المصمتة، بل يعيد إنتاجها كمدينة كوزموبوليتانية الطابع حتى في عوزها وفقرها، يسكنها بشر خطاؤون يصارعون واقعًا يضيق عليهم كل يوم. وتتجلى المفارقة البصرية والاجتماعية في اتخاذ محل الفلافل التقليدي واجهة تخفي خلفها تجارة الحبوب المخدرة، كأداة يائسة للهروب من واقع مرير والالتفاف على لقمة العيش المغموسة بالقلق. ومن خلال هذا التشريح الفج، يفكك الفيلم ثنائية الملائكة والشياطين، ليعيد الإنسانية والانتصار للذات البشرية بكل عيوبها وانكساراتها وطموحاتها، بعيدًا عن كليشيهات الأسطرة أو الشيطنة التي عانت منها المدينة طويلًا.
وبينما يركز العالم على الحصار كحدث سياسي بدأ عام 2007، يعيدنا الفيلم إلى جذر القضية الممتد، ليفكك مأساة جيلين كاملين نشآ وترعرعا في قطاع غزة من دون أن يلوح لهما أدنى أفق للمستقبل، أو يمتلكا القدرة على تحقيق ولو ما دون الحد الأدنى بكثير من تطلعاتهما البسيطة، فشخصية (يحيى) مثلًا، بكل ما تحمله من رمزية الطموح المنكسر، تصبح نموذجًا صارخًا لهذا الشباب العربي والفلسطيني الذي يجد نفسه مجبرًا على التكيف مع واقع فُرض عليه قسرًا ولم يختره يومًا، في ظل مجتمع دولي يكتفي بمقاعد المتفرجين من دون تحريك ساكن، ما يحوّل هؤلاء الشباب إلى ما يشبه الدمى المتحركة التي تتلاعب بها المؤثرات الخارجية والجدران الإسمنتية.
تتجاوز هذه الحكاية حدودها السردية المباشرة لتقدم أبعادًا رمزية ودلالات سياسية ووجودية عميقة؛ فالشرطي الفاسد الذي يلاحق الصديقين لا يمثل مجرد فرد خارج عن القانون، بل هو تجسيد للسلطة المقيدة والمشوهة التي تبتز أفرادها وتقتات على غرقهم بدلًا من حمايتهم، ما يعكس غياب المؤسساتية والاستقرار في لحظات الانتقال السياسي الحرجة.
وفي مقابل هذا السقوط، يبرز الفيلم عبر تقنية "السينما داخل السينما" فعل صمود وجودي فريد، حيث يتشبث صناع "أول فيلم أكشن في غزة" بالرغبة في صناعة الحياة والترفيه وسط الركام، وتصل هذه المفارقة ذروتها حين يصرخ المخرج "أكشن" ليتداخل المتخيل السينمائي بالواقع الفج إثر اندلاع اشتباك حقيقي، وكأن المخرجيْن يريدان القول إن غزة لا تحتاج إلى تمثيل الإثارة، فالواقع هناك يتفوق دائمًا على الشاشة ويزيحها.
تنعكس هذه السوداوية والترقب على ملامح الشخصيات المحورية عبر لقطات قريبة وحميمة تركز على العيون المنكسرة تحت شمس غزة الحارقة، فيظهر يحيى بملامحه المتعبة كضحية مثقفة أجبرتها الظروف وصعوبة المسار الأكاديمي على الغرق في قاع المطعم، بينما يمثل أسامة البراغماتية المشوهة الناتجة عن الحصار والانسداد الأفقي للمستقبل، وفي المقابل، يتحرك الشرطي بملامح جافة ونظرات مستبدة وثقة نابعة من سلطته، يظهر كخيال شؤم يتربص بهما في الممرات المظلمة. هذا التضاد الإنساني يمنح الفيلم عمقًا واقعيًا يلامس جوهر المعاناة اليومية من دون مواربة.

تنعكس السوداوية والترقب على ملامح الشخصيات المحورية عبر لقطات قريبة وحميمة 


ومع ذلك، نرى أن الفيلم ينحاز إلى فكرة الاستمرارية والمواجهة، فالشخوص في الفيلم، خاصة أسامة ويحيى، وحتى شخصية الشرطي الفاسد، هم ركائز مستوحاة بالكامل من الواقع الحي وليسوا شخصيات متخيلة أو مبتدعة، بحيث يبرز "كان يا ما كان في غزة" تفاصيل هذه الشخصيات بكل ما فيها من قوة وضعف، وتناقضات إنسانية، ليؤكد أن المأزق الوجودي يكمن في إجبارهم على التعاطي مع خيارات مفروضة، ومع ذلك، فإنهم يرفضون الاستسلام ويواصلون السير ببساطة لأنه لا خيار آخر لديهم سوى الاستمرار، وهذه هي السمة الجوهرية للإنسان الغزي والفلسطيني.
ولا يكتفي الفيلم بكونه شهادة سياسية، بل إنه يتشكل كمختبر للأنواع السينمائية؛ إذ يتنقل الأخوان ناصر بمرونة فائقة بين سينما الجريمة والتشويق، وأفلام الحركة، والكوميديا السوداء اللاذعة، وهذا المزج الأسلوبي ليس مجرد استعراض تقني، بل هو الوسيلة والمجاز السينمائي الذي يعبر من خلاله المخرجان (بشكل غير مباشر ولكن برنين مدوٍّ) عن المأزق الراهن لقطاع غزة، متخذين من سردية عام 2007 عتبة تاريخية لفهم آليات الصراع الداخلي والتحولات الصامتة التي عاشتها المدينة.

لا يكتفي الفيلم بكونه شهادة سياسية، بل إنه يتشكل كمختبر للأنواع السينمائية


ويُحدِث الفيلم فجأة في منتصفه قفزة زمنية لعامين، فمع التنقل من دراما الجريمة المكتومة إلى فضاء السينما داخل السينما، حيث يُستدعى البطل المنكسر يحيى لتأدية دور مقاتل شهيد في فيلم حركة تموله وزارة الثقافة، تتحول عملية التصوير إلى ملهاة مأساوية تُستخدم فيها الأسلحة الحقيقية لغياب ميزانية الخدع البصرية، ما يجعل الشاشة مرآة لواقع يتفوق في "الأكشن" على السينما نفسها، خصوصًا حين يقتحم الشرطي الفاسد موقع التصوير ليقمع الحقيقة ويحمي أسراره، فتصبح عملية صناعة الفيلم ذاتها فعلًا من أفعال المقاومة الوجودية.
وتتحرك تفاصيل الحياة اليومية في الفيلم كشواهد صامتة على الكارثة؛ فالواقع السياسي الحالي والمستقبلي لغزة يحوم كشبح فوق كل مشهد، بدون الحاجة لشعارات فجة، إذ تظهر العناوين الإخبارية والضغوط المتزايدة التي فرضتها حكومة نتنياهو بشكل موارب ومكتوم، مطبوعة على أوراق الصحف البالية التي تُلف بها شطائر الفلافل، كدلالة على أن السياسة في غزة هي لقمة العيش اليومية ومصير لا يمكن الفكاك منه.
ولعل الأبعاد الرمزية الأكثر ذكاءً تتمثل في اختيار الفيلم تمثيل المواجهة مع الاحتلال بشكل غير مباشر؛ عبر الممثلين الفلسطينيين أنفسهم الذين يؤدون أدوار جنود جيش الاحتلال في الفيلم الداخلي، لدرجة تداخلت فيها الصورة على المارة الذين اعتقدوا أنهم جنود حقيقيون، وهذه السخرية المُرّة تفكك المسافة بين المرئي والمخفي، وتدين المجتمع الدولي الذي لا يرى في غزة سوى الصور المصدرة عبر الشاشات، بينما يتجاهل المخيلة الغزية وقدرة شريحة الشباب على التطور والتحول؛ مثلما تحول يحيى على الشاشة من مجرد مساعد مرتبك في مطعم فلافل، إلى طريد منهك، ثم إلى بطل شامخ لا ينحني، حتى وإن كان يرتدي قناع شخص آخر.
على الصعيد البصري والسمعي، يتعمق الفيلم في خلق ملمس حسي كثيف وأجواء ليلية خانقة تزاوج بين لقطات الظلال المعتمة والأساليب البصرية المحاكية التي تتهكم على واقع السينما والمدينة معًا، لتكتمل هذه الهوية الغامضة بالموسيقى التصويرية التي ألفها أمين بوحافة، ممتزجة بنغمات الشرق الأوسط مع مسحة جنائزية.

يتنقل الأخوان ناصر بمرونة فائقة بين سينما الجريمة والتشويق، وأفلام الحركة، والكوميديا السوداء اللاذعة


وتتجلى براعة البناء السينمائي في تلك الالتفاتة الذكية بوضع لقطة استرجاعية في نهاية الفيلم، تعود بالزمن إلى اللقاء الأول بين يحيى وأسامة؛ وهي اللقطة النادرة في الفيلم التي صُوِّرت في وضح النهار، لتقدم ومضة خاطفة من الأيام الأكثر إشراقًا للمدينة قبل أن يطبق عليها الحصار، وتتحول العروس الجميلة إلى مسرح مأساوي مغمور بالظلمة والترقب.
وتتحرك الرؤية الإخراجية للأخوين ناصر في فلك الواقعية السحرية الممزوجة بالكوميديا السوداء، إذ يتجلى هذا التميز في التوظيف البصري الحاد للإضاءة والألوان؛ حيث يسيطر اللون الأصفر الخريفي والبرتقالي الدافئ على المشاهد المفتوحة، ليعكس حرارة الطقس والاختناق، وفي الوقت نفسه يضفي على المدينة نوستالجيا بصرية ساحرة تشبه أحلامًا توشك على الأفول، بينما تنقلب الصورة داخل الغرف الضيقة ومحل الفلافل إلى استخدام صادم لإضاءة النيون الخضراء والزرقاء الباردة، ما يعزز دلالات العزلة والتوتر النفسي والاضطراب الذي يعيشه الأبطال تحت جنح الليل.
وتكتمل هذه السينوغرافيا البصرية بديكورات تحمل طابع المحاكاة الساخرة للجنة المفقودة، حيث تتدلى حبال الزينة الصغيرة بشكل عشوائي فوق واجهة المحل الزجاجية، وتتزين الخلفية برسم بدائي لشاطئ بحر وأشجار نخيل، يتناقض كليًا مع الواقع الإسمنتي والحديد البارز من البنايات غير المكتملة التي ترمز لمدينة في حالة بناء دائم لكنها تُهدم قبل أن تكتمل.
وعلى الصعيد السمعي، تتماهى الموسيقى التصويرية ذات الإيقاع المتصاعد والغامض مع أصوات القصف والسيارات المسرعة، لتبلغ المفارقة الكبرى ذروتها في نهاية التريلر حين يطلق الرجال نكتة سياسية حول "غزاوود" وسط صالون ضيق، لتتبعها ضحكات صاخبة تختزل فلسفة الفيلم بأكمله: غزة تضحك وتسخر من مأساتها لكي تستطيع البقاء.
تتنقل حركة الكاميرا والتقنيات المستخدمة بمرونة فائقة بين الثبات الصارم في اللقطات الحوارية لإبراز العجز والانسداد، والحركة السريعة المهتزة أثناء الملاحقات والاشتباكات في الأزقة الضيقة لإشراك المتفرج في حالة الهلع والركض الحقيقي، كما يساهم استخدام زوايا التصوير المنخفضة في إظهار البنايات والسيارات كأنها وحوش خرسانية تبتلع الشخوص وتضيّق عليهم الخناق.
إن أكثر ما يميز هذا الفيلم ويمنحه فرادته هو نجاحه في أنسنة المكان والزمان؛ فهو يرفض تأطير غزة في قوالب الأخبار التلفزيونية الجامدة كأرقام أو ضحايا أو مقاتلين، بل يعيد تقديم المدينة ككائن حي ينبض، يخطئ، ويتاجر، ويمثل السينما، ويطلق النكات من قلب الرماد، مؤكدًا قدرة السينما الفلسطينية على تفكيك الذات وعلى نقد الواقع برؤية بصرية عالمية تجعل من عام 2007 مرآة لملحمة وجودية وإنسانية كبرى.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.