يأتي الفيلم الوثائقي "الحلبية" للمخرجة الفلسطينية الشابة رنا أبو شخيدم كقطعة فنية مشغولة بالعاطفة والتوثيق الإنساني العميق. ويروي الفيلم حكاية الجدة "نديرة طهبوب"، التي عُرفت بلقب "الحلبية" نسبةً إلى جذور عائلتها في مدينة حلب السورية، من خلال عيون حفيدتها المخرجة التي ترافقها في رحلة مرضها وصمودها.
تتعمق المخرجة في جذور لقب "الحلبية"، كاشفةً أنه ليس مجرد اسم شهرة عابر، بل هو خريطة لترحال العائلة وهويتها العابرة للحدود. لتبدأ الحكاية من مدينة حلب في سورية، حيث المنشأ والجذور الأصيلة التي حملها والد الجدة معه عند انتقاله للعمل في فلسطين.
ولم يكن هذا الارتباط مجرد ذكريات، بل جسدته الجدة في مشروعها المهني الرائد بافتتاح أول صالون للسيدات في الخليل وتسميته بـ "الشهباء"، تيمنًا بلقب مدينة حلب.
ويمتد هذا الرابط الثقافي ليصل إلى الوجدان الموسيقي؛ إذ يظهر الفيلم تمسك الجدة بالقدود الحلبية، التي كانت وما زالت الرفيق الذي يهون عليها مشقة الطريق الطويل الذي اعتادت قطعه إلى حلب قبل اندلاع الحرب السورية.
وتمثل محطة يافا فصلًا محوريًا من الازدهار الذي انتهى بنكبة الاقتلاع، حيث استقر والد الجدة هناك وأسس مؤسسة تجارية كبرى وناجحة. وتسترجع الجدة ذكريات طفولتها القصيرة في تلك المدينة الساحلية، مشيرةً إلى أنها لم تقضِ فيها سوى شهرين، قبل أن يوثق الفيلم لحظة قاسية من تاريخ العائلة في عام 1948. ففي مشهد سينمائي مؤثر، يصور الفيلم الخروج القسري من يافا تحت وابل من الرصاص، حيث اضطرت الأم لسحب الأب هربًا من الموت، تاركين خلفهم محلاتهم مفتوحة ومستقبلهم مجهولًا في رحلة نزوح اضطرارية.
انتهت رحلة الهروب بالاستقرار في مدينة الخليل، فيما يمكن تسميته بتغريبة الداخل، حيث اعتقدت العائلة أن غيابها عن يافا لن يتجاوز أيامًا معدودة، لكنها تحولت إلى إقامة دائمة.
ومن رحم هذا الاستقرار، ونتيجة لأصول العائلة القادمة من حلب، وُلد لقب "الحلبية" ليصبح بطاقة تعريف وهوية شخصية ومهنية لازمت الجدة طوال حياتها.
| |
| لم تسعَ المخرجة إلى اختلاق بطولات زائفة أو دراما مفتعلة، بل استخلصت معاني البطولة الحقيقية من ثنايا التفاصيل اليومية العادية جدًا |
ورغم عقود طويلة من العيش في الخليل، يبرز الفيلم مفارقة وجدانية؛ فعندما تتحدث "الحلبية" عن المدينة اليوم، يشعر المستمع بنبرة اغتراب، وكأنها تصف مكانًا غريبًا وسكانًا مختلفين، في إشارة ذكية من المخرجة إلى التبدلات العميقة التي طاولت معالم المدينة وروحها الاجتماعية. وفي هذا الإطار، نجح الفيلم في تحويل هذا اللقب من دلالة جغرافية إلى رمز للصمود والقدرة الفائقة على الانبعاث من جديد بعد فقدان كل شيء.
يُعد محور المهنة والتمكين في الفيلم حجر الزاوية في فهم شخصية الجدة؛ فهو يتجاوز كونه مجرد سرد لقصة كفاح شخصية، ليتحول إلى توثيق لتمرد ناعم ومنتج ضد التقاليد السائدة. فقبل خمسين عامًا أو يزيد، وفي بيئة محافظة كمدينة الخليل، كانت خطوة افتتاح أول صالون لتصفيف شعر السيدات ريادة مهنية شجاعة كسرت الحواجز النمطية.
وبدأ هذا التكوين العصامي منذ صغرها حين عملت بيديها مع والدتها، قبل أن تستقل بمشروعها الخاص (صالون الشهباء)، الذي لم يكن مجرد مكان للعمل، بل كان رابطًا لهويتها وجذورها الحلبية، ومقصدًا للعرائس اللاتي كنّ يخرجن من تحت يديها كـ "ملكات".
وقد انعكس هذا النجاح المهني على شكل تمكين اقتصادي جعل من الجدة المعيل الأساسي والركيزة المالية للعائلة؛ فبينما كان دخل الزوج محدودًا، كانت هي من "تفتح البيوت" وتنفق على تعليم وتربية أبنائها.
لم يتوقف تأثير "الحلبية" عند الجانب المادي، بل امتد لتحدي النظرة المجتمعية القاصرة، لا سيما في قضية إنجاب الإناث؛ فرغم أنها رزقت بـ13 ابنة وابنًا واحدًا في زمن كان يُنظر فيه إلى ولادة الأنثى كخيبة أمل تستوجب التعزية، إلا أنها حولت هذه الضغوط التي وصلت بها يومًا حد الاكتئاب إلى طاقة إيجابية. فقد نجحت في تغيير عقلية من حولها حين جعلت من بناتها جيشًا تفتخر بنجاحه، مؤكدة أن كل ما يمنحه الخالق هو عطاء جميل، لتثبت أن عملها لم يكن وسيلة للعيش فحسب، بل أيضًا أداة للتحرر والسيطرة على مصيرها ومصير بناتها.
وتتجلى "ثيمة المكان" في الفيلم كخيط درامي يربط بين التاريخ الشخصي للجدة والواقع السياسي المتغير لمدينة الخليل؛ فالمكان هنا ليس مجرد حيز جغرافي، بل هو كائن حي يتنفس الذاكرة ويحمل ندوب الاحتلال.
تبدأ رحلة المكان من بيوت الجدة الأولى في منطقة "باب الزاوية" بالبلدة القديمة، وهي البيوت التي لم تكن مجرد جدران، بل كانت شاهدًا على ازدهارها المهني والاجتماعي. لتكشف المخرجة ببراعة كيف تحول هذا المكان الحميم إلى ساحة صراع، حيث اضطرت الجدة لترك منزلها تحت وطأة اعتداءات المستوطنين المتزايدة، في إشارة إلى تحول حيها القديم إلى مستوطنة "الدبويا"، وهو ما يجسد مأساة التهجير الصامت الذي يعيشه سكان الخليل منذ عقود، وبات يتسارع ليشمل مختلف جغرافيات الضفة الغربية المحتلة، خاصة في السنوات القليلة الأخيرة.
ويمتد التنقل المكاني في الفيلم ليشمل أحياءً وبلدات أخرى مثل حلحول، ورأس الجورة، وحي الجامعة، حيث تعكس كل محطة مرحلة عمرية ومفصلًا تاريخيًا في حياة العائلة.
وتستخدم رنا أبو شخيدم الخرائط اليدوية داخل دفتر ذكرياتها كأداة بصرية لتتبع هذه التحولات، ما يجعل المشاهد يشعر بقيمة الأرض التي تُفقد أو تُستبدل. هذه البيوت المتعددة، رغم استقرار الجدة فيها، كانت تفتقر في وعيها إلى صفة المستقر النهائي، ما جعل المكان في حال لزوجة وفقدان مستمر نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بمسيرتها.
وفي مقابل هذا الواقع المتشظي، يبرز المكان الحلم كبقعة ضوء في مخيلة الجدة نديرة، متمثلًا في "بيت مستقل تحيط به الأشجار والأزهار"، بعيدًا عن ضجيج المستشفيات وضيق الأزقة التي سكنتها. هذا الحلم، الذي جسدته في رسوماتها اليدوية داخل المستشفى، يمثل محاولة فطرية لاسترداد الأمان المفقود؛ فالحديقة التي تحلم بها ليست مجرد زينة، بل هي رمز للسكينة والحرية الشخصية في وطن يضيق فيه المكان وتكثر فيه الحواجز، وهكذا يصبح البحث عن البيت في الفيلم رحلة وجودية تتجاوز مفهوم السكن لتصل إلى معنى الجذور والانتماء.
وظفت المخرجة أبو شخيدم في "الحلبية" مجموعة من الأدوات الفنية المبتكرة التي تجاوزت السرد الوثائقي التقليدي، لتخلق تجربة بصرية ووجدانية مكثفة.
ويبرز في مقدمة هذه التقنيات استخدام سجل الذكريات كأداة بصرية محورية؛ حيث استعرض الفيلم دفترًا فنيًا يمزج بين الصور الفوتوغرافية القديمة، والرسومات اليدوية الملونة، والخرائط التوضيحية لمسارات حياة الجدة في مدينة الخليل، ما أضفى طابعًا حميميًا ملموسًا على الحكاية، محولًا الذكريات الشفهية إلى وثيقة فنية وتاريخية يمكن رؤيتها ولمس تفاصيلها، مما عزز من مصداقية التوثيق الإنساني في الفيلم.
أما على مستوى التكوين البصري، فقد اعتمد الفيلم بشكل أساسي على اللقطات القريبة خلال التصوير داخل المستشفى، مركزًا بعدسة دقيقة على تعابير وجه الجدة، وتفاصيل يديها التي تظهر عليها آثار عقود من العمل الشاق. وتداخل ذلك مع لقطات لأجهزة مراقبة نبضات القلب، حيث وضعت هذه الزوايا المشاهد في مواجهة مباشرة مع التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من قلق الوعكة الصحية وأمل الشفاء، وخلق حالة من التماهي مع الشخصية المحورية في أضعف لحظاتها الجسدية وأقواها معنويًا.
علاوة على ذلك، نجحت المخرجة في تحقيق تداخل زمني بارع يربط بين الماضي والحاضر؛ حيث تم دمج الصور القديمة بالأبيض والأسود التي توثق مراحل شباب الجدة وعملها في يافا والخليل مع لقطات حاضرها المتعب في المشفى، ما خلق جسرًا زمنيًا يؤكد على فكرة استمرارية الحياة والروح رغم تآكل الجسد، ويظهر كيف يغذي الماضي قدرة الإنسان على الصمود في الحاضر.
وفي الجانب الصوتي والموسيقي، لم تكن "القدود الحلبية" مجرد خلفية موسيقية عابرة، بل وُظفت كعنصر درامي فاعل يربط الجدة بهويتها وجذورها العريقة؛ فالموسيقى في الفيلم تظهر كفعل مقاومة للوحدة والمرض، حيث تحرص الجدة على سماعها عبر هاتفها المحمول حتى في ساعات الفجر المتأخرة داخل غرفتها في المشفى، مما حول الصوت إلى مساحة آمنة تستحضر من خلالها عراقة حلب وجماليات الماضي لتؤنس بها وحشة الحاضر.
ويكمن ذكاء المخرجة في قدرتها الفائقة على تحويل الحكاية الشخصية إلى قضية عامة تمس الوجدان الفلسطيني الجمعي؛ فمن خلال تتبع المسارات الجغرافية للجدة، يتحول الفيلم إلى وثيقة حية تجعل من الخليل رمزًا للصمود في وجه محاولات المحو.
علاوة على ذلك، ينجح الفيلم في كسر الصورة النمطية السائدة حول المرأة الخليلية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ إذ يقدمها كقوة اقتصادية فاعلة، وامرأة عاملة ومبادرة لم تكتفِ بالدور التقليدي، بل كانت الركيزة الأساسية لإعالة عائلتها الكبيرة.
وفي جوهره، يكرّس الفيلم مفهوم العلاقة التكاملية بين الأجيال؛ فهو ليس مجرد توثيق لسيرة ذاتية، بل هو رسالة حب بصرية من حفيدة لجدتها.
وما يرفع من قيمة الفيلم صدقه العاطفي الجارف؛ فالمشاهد يلمس في كل كادر وتكوين بصري فيضًا من مشاعر المحبة والارتباط التي تكنها المخرجة لجدتها، وهذا الصدق انتقل بسلاسة إلى المتلقي، ما جعل الفيلم تجربة وجدانية مشتركة تتجاوز حدود الشاشة لتستقر في قلب المشاهد.
كما تميز الفيلم بالبساطة العميقة في السرد؛ إذ لم تسعَ المخرجة إلى اختلاق بطولات زائفة أو دراما مفتعلة، بل استخلصت معاني البطولة الحقيقية من ثنايا التفاصيل اليومية العادية جدًا، وهذا التوجه نحو الواقعية جعل من الشخصية المحورية (نديرة) نموذجًا إنسانيًا قابلًا للتصديق والتعاطف.
كما يُعد "الحلبية" وثيقة إنسانية بصرية بامتياز، تحتفي بالمرأة الفلسطينية وقدرتها الاستثنائية على تحويل الألم الجسدي والمكاني إلى أمل متجدد؛ فالفيلم يبرهن على أن الذاكرة هي السلاح الأمضى للبقاء، وهو بلا شك انطلاقة سينمائية واعدة للمخرجة أبو شخيدم، التي أثبتت قدرتها على تطويع أدوات السينما الوثائقية من أجل خدمة الحقيقة الإنسانية والوطنية.


تحميل المقال التالي...