لكن المفاجأة التي كشف عنها طباع لكاتب هذه السطور، في أثناء إعداده لهذه القراءة عن أعماله الفنية، هو إنجازه سلسلة من الجداريات، متعددة الخامات، عن محنة غزة في مواجهة الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وما رافقها من أعمال تطهير عرقي وإبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة. وهو ما سنعود إليه في خاتمة هذه المقالة.
لقد جذبت أعمال سامر طباع النحتية والمسندية كبار الفنانين والنقاد العرب للتعليق على أعماله، مثل شاكر حسن آل سعيد، ضياء العزاوي، فاروق يوسف، وآخرين.
وفيما يلي قراءات عدد من الفنانين والنقاد الأردنيين والعرب لهذه الأعمال.
د. خالد خريس: تشريح تجارب طباع على المواد المختلفة
قدم الفنان التشكيلي الأردني د. خالد خريس قراءة تشريحية لأعمال سامر طباع الحديثة (ما بعد منحوتاته الحجرية) وتجاربه مع المواد المختلفة، حيث يقول:
"في أعماله المعدنية يلجأ الفنان إلى الأشكال الهندسية، معالجًا المادة من خلال الطي، القطع، التفريغ والجمع. حيث أن المعدن مادة تقبل مثل هذه المعالجات، وتتنفس بحرية في مجال الأشكال الهندسية المجردة، ففي هذه الأعمال نجده يتعامل مع الملمس بحساسية وحذر، ونراه ينقل الرسم إلى أسطح أعماله، فهو عبر الكشط والشخبطة بقلم الرصاص على الأسطح المؤكسدة يمنح عمله قابلية الإضافة والنمو والتأويل، فتأثير الزمن وفعل العوامل المحيطة (مادية وإنسانية) واضح جلي".
ويضيف:
"أما في أعماله النحتية الخشبية فنجد اختلافًا واضحًا في الفكرة وأسلوب المعالجة، فهو في هذا المجال يخضع المادة لحساب مادة أخرى، لكنه في نفس الوقت لا يلغي خصائص أي منهما، وهذه في اعتقادي معادلة صعبة يضع الفنان نفسه فيها، بالإضافة لاستخدامه عنصر اللون. مما يمنح العمل عذريته وصفاءه وروحيته".
و"في الأعمال النحتية المنفذة بمادة القار (الزفتة)، فإنه يستخدم الرولات المصنعة لأغراض العزل، حيث يقوم بتشكيلها بحرية متناهية عن طريق القطع، واستخدامها كشرائح، كذلك كمادة قابلة للحفر والنحت، ولكي يكسب عمله هيأته وحجمه، يلجأ إلى مادة الخشب، حيث يُلبس الخشب شريحة من "الزفتة"، وينجح في معالجة هذه المادة شكلًا وملمسًا، فيمنحها تضادًا ثنائيًا قائمًا على سطح أملس، يمثل ملمس المادة نفسها، وآخر خشن، بفعل ضربات أدوات الفنان وانفعالاته. وتتردد الثنائية نفسها على مستوى الشكل، فهناك حفر غائر يمثل شكلًا منتظمًا، وآخر شكلًا عفويًا أو أقل تنظيمًا".
و"للتأكيد على هذه الفراغات أو الفوهات يلجأ إلى وضع أجسام حجرية بجانبها، إن ثنائية التفريغ والامتلاء وهي واحدة من ثنائياته، يزيد في التأكيد عليها، من خلال استخدامه للون الذهبي في بعض الفوهات والأجسام، بالإضافة للون الزفتة الأسود، إن صورة العمل النهائية تنقلنا إلى عوالم كونية تبعث على التأمل المستمر والتأويلات المتعددة".
و"يمضي طباع في عدد من الأعمال النحتية في ثنائيته وإيقاعاته، عن طريق تكرار الشرائح العمودية أفقيًا، معتمدًا على فواصل ملمسية: سطح ناعم وآخر خشن ومغلفًا باللونين الأحمر والأزرق.
"أما رسومات الفنان طباع فتبقى تابعة لتكوينه ونظرته للأشياء، بمنظور النحات، إنها قائمة على مبدأ الاختزال الخطي واللوني، لكنها لا تخلو في بعض الأعمال، من حدة الانفعال والتعبير. إن العلاقة بين الرسم والنحت في أعماله هي إحدى مميزات أعماله" (1).
في مرآة النقاد والفنانين العرب
حظيت معارض سامر طباع باهتمام أبرز الفنانين والنقاد العرب، ولعل أفضل من أنجز قراءة نقدية معمقة في أعماله هو الناقد والشاعر العراقي فاروق يوسف. ها هو ذا يكتب معلقًا على أحد معارضه الشخصية المقامة في مطلع التسعينيات، فيقول:
"تأتي محاولات النحات الأردني سامر طباع وكأنها تبتكر النحت من جديد، أو على الأقل تجعلنا نستعيد التفكير في النحت باعتباره فنًا قائمًا بذاته ولذاته. ولا مبالغة في القول: إننا مع أعمال طباع نستعيد فنًا ضائعًا، فجرأة هذا النحات تكمن أولًا في أنه استطاع أن يفلت من الانتساب إلى حالة النحت الراهنة، ولذلك لا يمكننا سوى الاعتراف بأن أعماله إنما تعبر عن نقلة تاريخية سيؤدي الاطلاع عليها، وإدراك ما تنطوي عليه من مغزى فني، إلى إنقاذ النحت من النسيان".
ويضيف:
لقد حرص سامر طباع منذ البدء على أن يعمل في منطقة بعيدة كل البعد عن تلك المناطق الضيقة التي انهمك النحت الحديث في الوطن العربي، بدءًا بمختار وجواد سليم، في استهلاكها، لذلك فإن أية تجربة بصرية يمر بها المشاهد إزاء أعماله لا بد وأن تؤدي بالمشاهد إلى اكتشاف أن هنالك قلبًا للمفاهيم، فالنحت بالنسبة لطباع لا يقدم خدمات جاهزة، وهو لا يستمد مغزاه من قوة أو معانٍ تقع خارجه، إنه ببساطة ليس فنًا اجتماعيًا، بل على العكس من ذلك تمامًا، فهو يعبر عن تجربة فكرية وبصرية فردية تسعى إلى تكريس نوع من الجمال الخالص الذي لا يمكن أن تتوصل إليه إلا من خلال أعمال من نوعها، لذلك فإن إمكانية اكتشاف هذا الجمال وإدراك عناصره لا يمكن أن تتم إلا بالمعايشة" (2).
ويكشف فاروق يوسف عن ما يسميه "سر من أسرار تفرد طباع بين النحاتين العرب في عصرنا"، حيث يقول: "إن نظام العلاقات بين الأشكال الذي يجسده طباع في أعماله يرجع إلى دراسة ذهنية وبصرية ليس لأحوال الكتلة ولا لتحولاتها في الفراغ، فحسب، بل ولأحوال الفراغ نفسه، حيث نجح في عدد من أعماله في خلق ما يمكن أن أسميه بـ "وهم الكتلة"، هذا الكيان الذي يجد مأواه ومغزاه في الفراغ. فالفراغ بالنسبة إليه لا يعبر عن حالة تعارض مع الكتلة بقدر ما يعبر عن حالة توافق.... "
وينتهي فاروق يوسف إلى أن سامر طباع يضيق ذرعًا بالأسلوب، كونه من مخلفات الانصياع للشكل، بينما نراه يولي المادة اهتمامًا استثنائيًا، بل هو يقيس كفاءته التخيلية ليس على مستوى السيطرة على المادة تقنيًا واكتشاف أسرارها، وحسب، بل من خلال دفعها إلى أن تشارك، بما تحمله من حيوية داخلية، في صنع وصياغة مصيرها، وهي تتعرض للإزاحة من كونها مادة خام إلى كونها العضو الرئيس في عائلة العمل الفني (3).
شاكر آل سعيد: "نحوت طباع الناطقة"
أما الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد، فقد علق أثناء إقامته في عمان، مطلع التسعينيات، على معرض لأعمال سامر طباع، بمقال مطول قال فيه:
"تلفت أعمال سامر طباع النظر منذ البداية للتأمل في نزعته إلى "تشيؤ" مادة العمل الفني أو خامته، فهو لا يفرض رؤيته على خاماته، لكنه يحاول فقط أن يستنطقها، ومن هنا فهو يبدأ من حيث انتهى النحات التقليدي أو النحات التمثيلي. ومع أن مثل هذه النزعة ليست بالجديدة على الفكر التشكيلي (النحتي بالذات) المعاصر... فقد خاض طباع الآن مخاضها بصورة تختلف جوهريًا عن سواه، من حيث أنه يحاول أن يستنطق المادة الإنشائية لكيما تتحدث عن نفسها (وربما يتحدث هو أحيانًا نيابة عنها)، تتحدث لا كمادة خام، ولكن كمادة وثيقة بالمحيط، حتى لكأنه يريد أن يجعل منها كائنًا يدرك علاقته بالآخر، وكما لو أن هذا الآخر هو الفنان نفسه" (4).
العزاوي: "رؤية معمارية حرة"
وبدوره قدم الفنان العراقي ضياء العزاوي لمعرض سامر طباع ما قبل الأخير، والذي حمل عنوان انكسار (Refraction) والذي أقيم في جاليري كريم (2022)، حيث وصفه بأنه معرض "مشاكس لما هو سائد"، ويتساءل عن "مرجعية أعمال سامر طباع وعن الأفكار التي يطرحها"، ويكمل تساؤلاته هذه بقوله: "كيف تمكن طباع من السيطرة على أعمال نُفذت بمواد مختلفة ومتباينة، محافظًا في الوقت نفسه على حرية فنية عالية؟!".
"... حجر، خشب، مواد صناعية. إنها خامات لا يجمع بينها غير رؤية معمارية حرة، على دراية جيدة بالفضاء وعلاقته بالشكل النحتي، بهذا فهو يخضع لمخيلة المعماري، لا لضوابط المهندس ومتطلباته الدقيقة" (5).
ويصل العزاوي إلى الاستنتاج بأن أعمال طباع "ترجع إلى ممارسة فنية حرة، غير مؤطرة بمرجع سائد... أو بما هو شائع في السوق الاستهلاكية، فهي ممارسة تطمح إلى التغيير، منطلقة من اعتبار الفنان مثالًا حقيقيًا لمقاومة الشائع والسهل الذي يتحكم في فضاء المعلومات الثقافية والفنية النمطية المنتشرة".
ويلخص العزاوي ما تقوم به أعمال طباع بقوله:
"عبر تاريخه الفني حرص سامر على تقديم أعمال تدفع بالشاهد والمتابع للفن العربي إلى التفكير بطريقة مختلفة، ساعيًا نحو التعرف على أشكال من الوجود لم نألفها. أشكال ترفض نظامًا يقوم على أسس أبوية ومعيارية عتيقة، ترفض حركات النقد التي تتابع العمل الفني عبر مفهوم النمط المصاحب للموضة" (6).
محمد أبو زريق: إشكالية ما بعد الحداثة
وكان الفنان الجرافيكي والناقد محمد أبو زريق قد تطرق في أحد كتبه إلى تجربة طباع النحتية، فيكتب:
"تنتمي منحوتات سامر طباع إلى مدرسة ما بعد الحداثة، ولعل مبررها الوجودي هو هذا الحضور الغريب والمدهش واللامبالي أمام العين والوجدان، من حيث أنها لا تستجدي المشاهد للقبول بها أو رفضها بوسائل فكرية أو موضوعات لها علاقة بالمعاش اليومي، أو أي هواجس رومانسية أو أطروحات سياسية. تبدو إنها لا مبالية، محتفية بصمتها المتحصن وراء حداثتها الفاضحة، لا تحيل إلى ترميز لكنها ملحاحة مكتفية بنفسها ومحققة لرؤية تخيلية وبصرية، ناتجة عن تضافر مجموع من العناصر المحشودة بتقنين واقتصاد، لتؤدي دورها الفاعل في العين والوجدان".
ويتابع أبو زريق فيقول:
"إن هذا الحوار الصاخب ناتج عن ثنائيات ضدية، تقوم على المصقول والخشن، الفاتح والغامق، الهندسي والفوضوي، المضيء والمعتم، المادة الصلبة واللينة وضديات أخرى.
وهي على أي حال قيم تجريدية لا تحيلنا إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي اللحظة التي نتوهم فيها أن هناك لغة ما، تنسحب -هذه اللغة- تمامًا إلى صمت بليغ. ويمكن القول إن أعماله قد جسدت هذه اللحظة (الشروع بالكلام ثم الصمت المطبق)، إنها ببساطة بلاغة الشيء في ذاته، وهو فن المادة قبل أن تدخل في إطار اللغة، والذي يضع الجوهر البدائي في حالته مركزًا للرؤى القصوى" (7).
خلاصة: الخامة كمصدر إلهام
منذ معارضه الأولى في الولايات المتحدة، في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، اختط سامر طباع أسلوبه الفني الحداثي الذي يقوم على الحوار مع خامته واكتشاف مكمن الجمال فيها ليقوم بتظهيره عن طريق تدخلات يراها ضرورية لتحويلها إلى عمل فني ناجز.
ابتدأ أول الأمر بتنفيذ أعماله على خامة الخشب ومن ثم على المعادن قبل أن "يتصادق" مع الحجر لردح طويل من الزمن، حسب قوله في مقابلة مع الصحافية ليما نبيل، على هامش أول معرض لأعماله النحتية في المتحف الوطني للفنون الجميلة بعمان، والذي ساهم في تأسيسه وإدارته في أولى سنواته (8).
لكن عشقه لمادة الحجر لم تمنعه من التعامل مع خامات أخرى، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولا من الجمع بينها في أعمال متنوعة هجينة، مثل الألومنيوم، القار، الفحم، فضلًا عن الحجر والرخام.
وفي السنوات الأخيرة لم يتردد سامر طباع في إزالة الحدود الفاصلة ما بين العمل النحتي واللوحة الجدارية، حيث انخرط في إنجاز لوحات جدارية منفذة بمواد غالبًا ما استخدمها في أعماله النحتية، فإلى جانب ألوان الأكريليك كمادة صبغية استخدم مواد أخرى مثل القار (الزفتة)، والألوان الشمعية (Encaustic) والإسمنت والرصاص على أرضيات لوحاته التي تكون عادة من الخشب الخام، أو ألواح الخشب الليفي المضغوط (MDF). ففي لوحاته هذه يتعامل المشاهد مع خامات متنوعة، ذات ملامس متعددة ونافرة، لا تخاطب العين فقط وإنما حواسًا أخرى مثل حاسة اللمس.
وبكلمات أخرى فإن مرجعيات سامر طباع ومصادر إلهامه كانت غالبًا ذات طبيعة ذاتية، وفردانية، ويمكن الافتراض أنه بحكم طبيعته الخاصة، الأميل إلى العزلة والتأمل، كان يبحث عن لغته ومفرداته الخاصة، من خلال التجريد والتبسيط المفرط، كالذي وجدهما في أعمال النحات الأميركي ذي الأصل الياباني إيسامو نوغوتشي Isamu Noguchi. ولذلك لم يحاول، كما فعل الكثير من الفنانين العرب، البحث عن هوية ذات مصادر تراثية، رغم مشروعية مثل هذه المحاولات، كالحروفية أو الرموز التراثية والزخرفة الإسلامية. ما فعله طباع كان على النقيض من تلك المحاولات، وذلك من خلال سعيه لاشتقاق لغته التشكيلية الخاصة، من خلال معاينة خاماته والحوار معها قبل أن يضيف إليها أو يعيد تشكيلها.
تصف دودي كريم، وهي فنانة تشكيلية، أعمال زوجها سامر طباع في تقديمها لأحد معارضه:
"كان نحاتًا طبيعيًا، اعتمد عمله على "هندسة" بسيطة ومكتفية بذاتها، أو على تقسيمات هندسية واضحة الفهم، لكنها محسوبة ببرود (...) إنه فنان يفكر بلغة الكتل والأحجام، وبسطح معالج بعناية وتوازن دائم في الأبعاد الثلاثة لعمله"(9).
أعمال من أجل غزة
أخيرًا، وكما سبقت الإشارة، فقد فوجئت، حين أخذني سامر طباع إلى محترفه في الطابق الأرضي من منزله، ليريني آخر أعماله الفنية: ستة أعمال جدارية مكرسة لملحمة الصمود في غزة، وهي منفذة من صفائح حديد سميكة مضروبة بطبقة رصاص، كما استخدم في باقي الصفائح الحديدية مادة بودرة النحاس.
ولقد قام بأخذ صفائحه إلى نادي الرماية الأردني، حيث قام بإطلاق النار عليها لإحداث ثقوب رصاص حقيقية، لترمز إلى ما تعرض له مواطنو غزة من قتل وأعمال إبادة.
وتعليقًا على تكريسه هذه الأعمال للشعب الفلسطيني في غزة، قال طباع، "تعلم، ويعلم الكثيرون، أني لم أنغمس خلال مراحل حياتي السابقة في السياسة... لكن ما وقع في غزة أثار لدي الشعور بضرورة عمل شيء. إنه الشعور الوطني والإنساني الذي حركني وحرك غيري لأقول لا للحرب، لا للإبادة".
وكما هو متوقع فقد نفذ أعماله الستة المكرسة لغزة بأسلوبه الخاص القائم على استخدام عناصر قليلة في صياغة وتشكيل أعماله.
هوامش:
1- من بيان سامر طباع عن معرضه "النحت على الورق"، نشرته صالة جاكاراندا على أحد جدرانها.
2- من بروشور معرض سامر طباع في دارة الفنون، عمان، 1993.
3- انظر مقالة فاروق يوسف، ضمن بروشور معرض سامر طباع، دارة الفنون، 1993.
4- المصدر نفسه.
5- "نحوت سامر طباع الناطقة"، شاكر حسن آل سعيد، صحيفة "الدستور" الأردنية، 5/9/1992.
6- أنظر كتالوج معرض سامر طباع في جاليري كريم، والذي يحمل عنوان إنكسلر (Refraction).
7- انظر: محمد أبو زريق، تشكيليون أردنيون معاصرون، قراءات بصرية، دار البشير، 1997، ص ص 153/154.
8- المصدر نفسه.
9- صحيفة "الرأي" الأردنية، 4/4/1980.


تحميل المقال التالي...