العرض الذي أنتجه مسرح "الحرية" في جنين، وقُدِّم في افتتاحية عروضه على خشبة مسرح وسينماتك "القصبة" برام الله أخيرًا، يمثل في جوهره تجليًا لفلسفة دقة حول تحرير الوعي والصمود الوجودي.
إن تحوّل النص من تجربة اعتقالية وذهنية كُتبت في عتمة السجون إلى فعل أدائي جماعي يتنفس فوق الخشبة، يمنح المسرحية شرعية ثورية وتاريخية تجعل من جثمان الشهيد الأسير المحتجز لدى الاحتلال قضية حية ومطاردةً مستمرة لمنظومة القهر، لذا فالعرض هنا لا يوثّق الموت، بل يعيد إنتاج الشهادة والاعتقال كحالة اشتباك دائم تتحدى الموت البيولوجي، وتصنع من الطيف قوة قادرة على زلزلة الركود الفكري والسياسي.
يتأسس المضمون الدرامي للمسرحية على ثنائية عبثية بالغة المرارة والعمق، تذكّرنا بمسارح العبث العالمية، ولكن بخصوصية فلسطينية غارقة في تفاصيل اللحظة الراهنة، إذ تتبع الأحداث أطياف الشهداء والأسرى العالقين في ثلاجات الموتى ومقابر الأرقام، حيث يغدو الموت نفسه خاضعًا لقوانين الاعتقال وتمديد الحكم العسكري.
وما وراء هذا الحدث ليس مجرد رصد لتوحش الاحتلال في احتجاز الجثامين، بل تعرية جذرية ومؤلمة لتحولات البنية السياسية الفلسطينية الداخلية، بحيث يضعنا العرض أمام مواجهة ساخرة بين نقاء الشهيد الباحث عن حقه الطبيعي في الدفن والحرية، وبين عقلية المؤسسة (السلطة) التي تدجّنت وأصبحت تتعامل مع الشهادة والاعتقال كملفات إدارية خاضعة لمعايير التمويل الدولي والرواتب والأوراق الرسمية. فالشهيد في العرض يطالب بحقه في الهوية والوجود، بينما يطالبه الموظف بإبراز شهادة الوفاة وإتمام المعاملات البيروقراطية، ما يعكس صدمة التحول من حركة تحرر وطني نقية إلى هيكل بيروقراطي مكبّل بالمعايير والاتفاقيات السياسية الممسوخة التي تُفرغ المصطلحات من ثورتها.
تجلّت الرؤية الإخراجية للمخرج محمد عيد في قدرته العالية على ضبط الإيقاع العام للعرض وتفكيك النص المكتوب داخل عتمة الزنازين إلى لغة مسرحية حركية وبصرية رشيقة؛ حيث نجح في تفادي السقوط في فخ الرثائية أو النواح التقليدي، مستعينًا بأسلوب الكوميديا السوداء والمفارقة الساخرة لتمرير المضامين السياسية والوجودية بالغة القسوة.
وقد استطاع عيد قيادة الفرقة الأدائية بتناغم ملحوظ، موازنًا بين المسرح الملحمي الذي يكسر الجدار الرابع للتفاعل مع الجمهور، وبين التعبير الجسدي المكثف الذي يعكس رمزية الأسر والموت.
وعلى الرغم من بعض اللحظات الخطابية التي طغت على الحوار في النصف الثاني من المسرحية، إلا أن الإخراج عمومًا امتاز بذكاء في إدارة الفضاء المسرحي، واستخدام محترف لعناصر السينوغرافيا والإضاءة، ما جعل العرض يتحرك ديناميكيًا بدون ركود، محوِّلًا الخشبة من مكان استعراضي إلى ساحة اشتباك فكري حي يقضّ مضاجع المتلقي ويهزّ وعيه.
على صعيد الرؤية البصرية والديكور، قدّم الفنان محمد الراعي سينوغرافيا ذكية اعتمدت على مبدأ الاختزال التعبيري لتفكيك جغرافيا الحصار والاعتقال.
وتجسّد هذا التميز في استخدام كتل بيضاء وهياكل مثلثة ضخمة ومتحركة على الخشبة، أدّت أدوارًا تحويلية بالغة العبقرية؛ ففي مستهل العرض كانت تلك الكتل تمثّل أبواب ثلاجات الموتى المغلقة ببرودتها وقسوتها التي ينبثق منها الشهداء كأطياف، ومع تطور الفعل الدرامي وتدوير هذه الكتل في الفضاء المسرحي، تحوّلت بسلاسة مذهلة إلى مكاتب للمؤسسة، ثم إلى حواجز عسكرية تفصل بين المدن، وجدران إسمنتية عازلة، وصولًا إلى تحوّلها في الختام إلى شواهد قبور حقيقية يكتب عليها الشهداء أسماءهم.
وهذا التوظيف الحركي للديكور لم يكن مجرد زينة بصرية، بل كان بطلًا صامتًا يجسّد تشظّي الجغرافيا الفلسطينية وتحوّل فضاءات الحياة والموت إلى سجون متداخلة، يتماهى فيها لباس الأسرى الرمادي مع أكفان الشهداء البيضاء ليعلن وحدة المصير الوجودي.
وشكّلت الإضاءة والموسيقى في هذا العرض ثنائيًا متناغمًا نجح في صياغة الحالة السيكولوجية للمتلقي ووضعه في مناخ الزنزانة والثلاجة مباشرةً، فقد برع المصمم فراس أبو صباح في استخدام العتمة الكاملة كخلفية مستمرة، يكسرها فقط ببقع ضوئية حادة وعمودية تسقط على وجوه الأطياف، ما أضفى ظلالًا تعبيرية قاسية تحاكي برودة الموت وعزلة السجن الانفرادي.
ترافق هذا الفضاء الضوئي الخانق مع رؤية موسيقية ومؤثرات صوتية صاغها رامي وشحة بحسٍّ إيحائي عالٍ؛ حيث تحوّلت الإيقاعات المتكررة والضربات الثقيلة إلى معادل حسّي لخطوات السجان، أو لإغلاق أبواب الثلاجات الحديدية، أو لدقات قلوب الأسرى الواجفة. كما أن العرض أحسن توظيف الصمت الدرامي في لحظات الصدمة، ودمجه بالنداءات والترانيم الشعبية المستمدة من نبض الشارع (نداء بائع كعك القدس مثالًا)، ما خلق توازنًا مدهشًا بين سوداوية البرزخ ونبض الحياة اليومية المقاوِمة.
قدّم طاقم الممثلين (إيهاب عايد، تامر طافش، رائد خطاب، ضياء حرب، مؤيد عبد الصمد، ومؤيد عودة) أداءً تعبيريًا وحركيًا اتّسم بالتناغم العالي والقدرة على التحكم الفيزيائي الصارم.
وتكمن القوة الأدائية للفريق في التناوب المتقن بين التصلب والجمود الجسدي الذي يحاكي حالة التجمد داخل الثلاجة، وبين الحيوية الفائقة والرشاقة الحركية أثناء السخرية والاحتجاج. فقد نجح الممثلون في تجسيد الكوميديا السوداء بنضج شديد؛ فالحوارات لم تسقط في الرثائية والتباكي، بل قُدِّمت بأسلوب تهكمي لاذع يُضحك الجمهور من فرط الوجع، حيث يتبارى الممثلون في مناقشة تفاصيل عبثية كقلب المسمّيات السياسية (مثل تحوّل "وزير الأسرى" إلى "أسرى الوزير")، والاشتباك الحركي الساخر حول "عربة الكعك"، ما جعل الجسد المسرحي فوق الخشبة أداةً سياسية حية تفكّك خطابات التدجين بوعي وجرأة غير مسبوقة.
ورغم التميز الفائق والرؤية الإخراجية المتماسكة التي قادها المخرج محمد عيد، إلا أن العرض لم يخلُ من بعض الهنات الإيقاعية التي تظهر عادةً في الأعمال ذات الطابع السياسي المكثف، إذ يؤخذ عليه انزلاقه في بعض المشاهد نحو المباشرة الخطابية، وتحديدًا في النصف الثاني؛ حيث طغت المونولوجات الفكرية الطويلة والمباشرة حول الانقسام الداخلي وتحوّل الوعي، وكان يمكن للاختزال الحركي أو الرموز البصرية التي تميّز بها العرض في بدايته أن تنوب عن التفسير اللفظي والشرح المباشر للجمهور.
كما أُصيب الإيقاع العام بنوع من الترهّل والتشتت في الربع الأخير من العرض، حيث طالت النقاشات النظرية بين الشخصيات قبل الانتقال إلى مشهد الختام المبهر (مشهد الكتابة على الجدران والشواهد)، ما تسبّب في إطالة كان يمكن تجاوزها بمزيد من التكثيف والقطع الدرامي الرشيق، لضمان تصاعد حدة الصدمة حتى اللحظة الأخيرة.
في المحصلة، إن مسرحية "الشهداء يعودون إلى رام الله" ليست مجرد عرض مسرحي ينتهي بإسدال الستار، بل هي صرخة فكرية مقاومة وفعل ثوري يعيد ترتيب الأولويات الوطنية في وعي المتلقي. فقد نجح العمل في تحويل الغياب إلى حضور كاسح، وفي إثبات أن الشهداء والأسرى يملكون من الحرية ما لا تملكه الهياكل السياسية المقيّدة بالاتفاقيات والقرارات الدولية.
لقد استطاع مسرح "الحرية" وفريق العمل إرسال رسالة وليد دقة بليغةً وواضحة: "الموت في حالتنا نسبي، والحياة حقيقة مطلقة"، وأن الأطياف لا يمكن حبسها في الثلاجات، بل ستبقى تجوب الشوارع، وتخربش على الجدران، وتقضّ مضاجع السجان والبيروقراطي على حدٍّ سواء، ليظل هذا العمل علامة فارقة في تاريخ ما يمكن توصيفه بالمسرح التحريري الفلسطيني.


تحميل المقال التالي...