قد يكون العنوان أعلاه كشفًا لنهاية فيلم، لكنّ شيرين دعيبس لم تدع لنا إمكانًا لإخفاء هذه النهاية، أو كتمها، لكونه الإشكالية الأقوى التي تطرحها مشهديتها الكبيرة الفذّة، ولولاها لبقي شريطها المؤثّر ضمن إطار الذاكرة التاريخية الممتدة من أيام النكبة الفلسطينية حتى اليوم، بما تكتنف من أسى وفَقْد وحنين وغضب وألم، والقليل القليل من الأمل المتبقي الذي يداني العدم. تطرح دعيبس إشكالية مؤلمة وقاسية ومثيرة للجدل عن أب وأم (صالح بكري وهي نفسها متجلّية في الدور كما في عملها كاتبة ومخرجة) يفقدان ابنهما المراهق نور (محمد عبد الرحمن) في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) التي أصيب فيها برصاصة في رأسه تشظّت في تلافيفه وأفضت به إلى الموت الدماغيّ الذي يتيح الاستفادة من أعضائه ووهبها، فأتى مندوبو الاحتلال ليقترحوا على والديه المفجوعين الموافقة على عملية وهب أعضائه، وإذ يمانع الأب بشدة في البداية، تفكّر الأم في أن بقاء أعضاء من ابنها حية في أجساد أخرى يُبقي ابنها "حيًّا" ولو بأجزاء منه. وبعد اشتراط صارم من الأب بأن يُبلّغ بأسماء الممنوحين أعضاء ابنه، يكون له ما يريد، ليكتشف وزوجته لاحقًا أن مرضى فلسطينيين استفادوا من عملية الزرع لكنهم توفوا، وأنّ القلب مُنح إلى فتى إسرائيليّ زارا عائلته ليكتشفا أن الذي يحمل قلب ابنهما قاصر لا يملك وعيًا كافيًا للتعبير عن واقع إشكاليّ خاص وفريد، ولا يفعل ذلك إلّا بعد سنوات طويلة كان أصبح فيها راشدًا ممتلكًا كامل وعيه، مفصحًا أمام الأم (لحظات أداء مجيدة لشيرين دعيبس وقد تقدمت في العمر وغزت التجاعيد وجهها والشيب رأسها) بأنّه لا يشعر بأنّه يحمل قلب فلسطيني، وبأنّه يعدّ نفسه إسرائيليًا بالكامل، وإن لم يخضع للتجنيد الإجباريّ بسبب واقعه الصحي. تلك البرودة، وذلك العقوق، يصدمان الأم التي كانت تخال أنّ مبادرة إنسانية بهذا الحجم قد تبدّل شيئًا في العلاقة مع المحتلّ، على الأقل في المستوى الإنسانيّ البديهيّ والمعقول.
هنا، أوافق تمامًا رأيًا للباحثة الفلسطينية في مجال العلوم الإنسانية وعلم النفس التحرّري، غدير محاجنة، تقول فيه إنّ فيلم دعيبس يقع في ما أسمته "فخّ الاستجداء"، حيث يُحوّل البعد الإنسانيّ إلى أداء يُطلب من الفلسطينيّ إثباته لتأكيد "إنسانيته" أمام جمهور عالمي، غربيّ بخاصة، فتتحوّل هذه التجربة الفلسطينية إلى مادة لإثبات الأخلاق، بينما يبقى العنف البنيوي والاحتلال خارج نطاق المساءلة. كأنّ ثمّة إثباتًا أنّ الفلسطينيّ، رغم كل ما عاناه (وما زال يعانيه حتى الساعة)، لا يزال قادرًا على تقديم العطاء. هذا ينسجم ــ تضيف محاجنة مستشهدةً بخطاب "الذات الأخلاقية الجيدة" عند سارة أحمد ــ مع فكرة أنه لا يكفي أن تكون الضحية متألمة، بل يتوقع منها أن تكون متسامحة ومعطاءة، وأن تحوّل خسارتها إلى مورد أخلاقي يُطمئن الآخرين، فيما يبقى العنف الحقيقي خارج التحليل. كما تستشهد بفرانز فانون في نقده للإنسانية الاستعمارية، حيث يوضع المستعمَر في موقع الامتحان الدائم لأهليته الأخلاقية بدلًا من أن تُطرح أسئلة العدالة والمساءلة. وترى محاجنة، محقّة، أن الخطاب السينمائي الفلسطيني الموجّه إلى الجمهور الغربي والمهرجانات الدولية يعيد إنتاج صورة الفلسطيني بوصفه ذاتًا متألمة ومسالمة وقادرة على تحويل فقدانها إلى فعل عطاء، ويتمّ تحييد البعد السياسي للصراع، أو وضعه في خلفية المشهد. هكذا تُستبدل أسئلة العدالة والاستعمار والعنف البنيويّ بأسئلة أخلاقية فردية عن التسامح والتضحية، ما يخلق نموذجًا مريحًا للمشاهد الغربي: ضحية تستحق التعاطف لأنها لا تطالب بشيء سوى "الاعتراف الأخلاقيّ" بحسب تعبير محاجنة البليغ والمعبّر. حتى جسد الشهيد الفلسطيني يخضع لنظام السيطرة الذي تسبب في موته.
ما ذهبت إليه الباحثة المتخصصة محاجنة يؤكده في فيلم "اللي بقي منّك" مشهد جلوس الأم صوب النهاية مع الشاب الإسرائيليّ الذي يحمل قلب ابنها، منتظرةً منه اعترافًا وامتنانًا، إلّا أنّ ردّ الشاب يكون: "إنه مجرّد قلب، لا جنسية له". في تلك اللحظة، تُستنزف الأم عاطفيًا، وتتراكم الصدمة والألم في داخلها، فالأرجح أنها قد خسرت رهانها، وإن ظلّت متشبّثة بإنسانيتها. قد تكون شيرين دعيبس نفسها تبالغ في هذا المنطق الإنسانيّ الخاسر حين تقول في أحد الحوارات الأجنبية معها: "لا أرغب في العيش في حالة غضب دائم. لا أريد أن أعيش في هذا العالم مملوءة غضبًا. أريد العثور على طريقة لأن أكون نافعةً حقًا. لكنّني لا أؤمن بأنّ الغضب مفيد، ولا بأننا نستطيع أن نكون نافعين ونحن في تلك الحالة الذهنية باستمرار (...) أشعر بأنّ من واجبي توجيه غضبي وتحويله إلى تعاطف وعمل نافع، وأردت أن يشعر الجمهور بذلك تحديدًا (...) لماذا يبدو أننا نقبل بوضع حدود لإنسانيتنا؟ لماذا نقيّد تعاطفنا؟ أرفض شخصيًا أي حدود لإنسانيتي. أريد أن أعامل كل حياة بشرية على قدم المساواة، بغض النظر عن الدين، أو الأصل، أو الميول الجنسية، أو الهوية الجندرية. لماذا نفرض قيودًا؟ يجب أن تكون جميع الأرواح متساوية. لذلك بحثت عن طريقة لتعزيز هذه الفكرة، ودعم هذه الرسالة، خاصة مع اقتراب نهاية الفيلم".
ربما لا يملك أحد حق انتقاد "إنسانية" شيرين دعيبس، إنما يمكن الشك في هجائها الملحاح للغضب، فهل غير الغضب يمدّ شعبًا بالقوة والعزم والإرادة لاستعادة وطنه المحتلّ، ولمقاومة قوة الاحتلال، وللثبات على الحق التاريخيّ الذي يملكه شعب فقد أرضه، ويريدون إفقاده ذاكرة انتمائه إلى هذه الأرض وحقه الثابت فيها. أليس كل فيلم شيرين دعيبس هو استرجاعٌ وتذكيرٌ بهذا الحق في الأرض والوطن، وإحياءٌ لذاكرة ترفض أن تندثر وتزول. فلماذا تغضب شيرين ضدّ الغضب؟ ما به الغضب؟ أليس أبسط حقوق إنسان انتُزع منه وطنه بقوة القتل والمجازر والتهجير الجماعي، وسُرقت بيوته وصودرت، وسُلبت أرضه كاملة، ومدنه وقراه وبساتينه العامرة بالليمون والزيتون ومواسم الخير؟ ألم تكن له عماراته الجميلة والأنيقة التي تستحق حزنًا عليها وغضبًا ضد سالبها، إن ساكنًا فيها أو مدمرًا لها؟ ألا تفتتح شيرين فيلمها بأجمل بيت فلسطيني وأكرم بستان برتقال في يافا؟ لِمَ هي، إذًا، بعد رحلة الذاكرة الجميلة والمؤلمة، المنتقلة من جيل إلى جيل، ومن زمن إلى آخر، تريد أن تختم مشهديتها العظيمة والمؤثّرة أيّما تأثير بخطاب إنسانيّ ساذج عن التسامح والعطاء، وهل أظهرَ سالب أرض أبيها وأجدادها ذرةً من التسامح مع شعبها كي تصرّ هي بعد نحو قرن من بداية الزحف الاستيطاني الإحلاليّ المجرم على خطاب التسامح مع عدوّها وعدوّ شعبها، أم أنّ غربتها الأميركية المديدة قد أبعدتها قليلًا عن آلام الفلسطينيين اليومية، المستمرة بلا انقطاع، حتى زمن الإبادة في غزة والتنكيل في الضفة وداخل أراضي الـ 48؟ يطغى الفكر التسامحيّ الغربيّ على عقل شيرين دعيبس فتنقاد له على ما يبدو، وتخضع لتأثيره، وتريد تضمين خطابها السينمائيّ فيه، وهذا خطأ أظهرت نتائجه بنفسها، حين لم يقرّ الإسرائيليّ لأمّ الفتى الشهيد في الفيلم بالعرفان أمامها، وأجابها باللؤم الإسرائيليّ المعهود: "إنه مجرد قلب، لا جنسية له". شيرين تناقض مبدأها الإنسانيّ حين تُظهر عقم تسامحها وإنسانيتها مع شعب قاتل محتلّ لا يستحقهما بالتأكيد.
فلسطين عبر أزمنة وأمكنة
من هذه الإشكالية الكبيرة المثيرة للجدل والنقاش، وبها بدأتُ نظرًا إلى خطورتها وأهميتها في خطاب سينمائيّ فلسطينيّ، أنتقل إلى مضمون "اللي بقي منك"، وشكله الفني، فالعنوان نفسه نستطيع في رأيي أن نضمّنه "اللي بقي" من الفتى الشهيد نور قلبًا نابضًا في جسد إسرائيليّ لا يستحقه، و"اللي بقي" من فلسطين كوطن ضاع بأكمله، و"اللي بقي" من بيت آل حمّاد وبستان ليمونه في يافا سنة النكبة، و"اللي بقي" في ذاكرة كل فرد فلسطيني ممثّل بأي شخصية في الفيلم ومن كل الأجيال... إلخ.
العنوان في حد ذاته ذكي، لأنه متعدّد المعنى والتأويل، ويصلح عنوانًا فريدًا لبقايا الذاكرة الفلسطينية، بما تنطوي عليه من ذكريات جميلة، وحنين إلى ماضٍ زاهر بالحب والعيش الرضيّ، قبل أن تتحوّل إلى ذاكرة ألم وفَقْد وضياع لكل شيء، ذاكرة موت وتهجير واعتقال وعسف محتلّ متلذّذ بإجرامه الساديّ الذي يضاهي سادية كل مستعمر محتلّ. وإذ تفتتح السينمائية الفلسطينية (الأميركية) فيلمها بالمراهقَيْن نور ومالك راكضَيْن وقافزَيْن فوق السطوح مثل عصفور فريد بو غدير في "عصفور السطح"، ليشاركا في الانتفاضة الفلسطينية، ثم بظهورها هي نفسها في شخصية أم نور وقد أصبحت عجوزًا تخاطبنا مباشرة كراوية وممثلة: "أنا هنا لأخبركم من هو ابني، ولكن لكي تفهموا، يجب أن أخبركم بما حدث لجده". لا نعرف كمشاهدين من هي تلك العجوز التي تخاطبنا وتؤدي دور الراوية أو "الحكواتية" إلّا في الجزء الأخير من الفيلم.
يعيدنا الفيلم بالذاكرة الاسترجاعية إلى سنة النكبة (1948) في يافا، حيث بيت أرستقراطيّ جميل، شرقيّ الطراز بقناطره ونوافذه وحجارته الصفراء، وبستان الليمون الفسيح المحيط به. في هذا المكان الذي يدلّ على جمال العمارة وأناقتها ورقيّها في فلسطين الحضرية، التي تناقض رواية النفاق الغربية والصهيونية عن أرض جدباء خالية من السكان، فيما هي عامرة بهم وخصبة الزرع والضرع وبكل مظاهر العيش المدينيّ الحديث (آنذاك)، من مصارف وصالات سينما ومسارح وأسواق تجارية مزدهرة، وكثافة عمران، وقرميد، وطرقات معبّدة، ووسائل نقل، وساحات وحدائق. وأرادت المخرجة وكاتبة الفيلم في الوقت نفسه إبراز هذا الطابع الحضاري والعمراني الجميل الذي ينقض الخرافتين الغربية والصهيونية حول فلسطين. منزل عائلة حمّاد وبستان ليمونه "بطلان" في افتتاحية هذه المشهدية الاسترجاعية التاريخية التي ترمز إلى معالم المكان وخصائص الزمان، بغية القول للمشاهد الغربيّ: هذه فلسطين التي لم يُروكم إيّاها، وأخفوا عنكم حقيقتها. انظروا إلى حداثة عيشنا في ذاك الزمن، وإلى أناقة عمارتنا، وخصب شجرنا وليموننا الأجود في العالم، ليمون حيفا الذي كانت تزرعه وترعاه وتقطفه سواعد الفلسطينيين وتصدّره إلى كاليفورنيا نفسها عبر البحر.
في ذاك البيت الآسر بجمال عمارته، نتعرّف إلى الجيل الأول (في الفيلم) من عائلة حمّاد، التي ترمز إلى عشرات ألوف العائلات الفلسطينية، وهي مؤلفة من الأب شريف (آدم بكري) وزوجته منيرة (ماريا زريق)، وأطفالهما الخمسة، يتقدم المشهد بينهم سليم ذو الشخصية الفطنة المحببة للأب والأقرب إلى روحه، فنراه رافعًا إياه ليقطف من الشجرة ليمونة يافاوية ناضجة وشهية، ومحفّظًا طفله شعرًا لحافظ إبراهيم، وخائضًا معه أحاديث كالكبار. ومنها سؤال الطفل عن مجزرة دير ياسين، وحيرة الأب في شرح المأساة لفتًى صغير. كما نرى العائلة مجتمعة بحب ووئام ومرح حول مائدة الطعام في المنزل الأنيق الأثاث. كل شيء متميز بالأناقة والجمال، تحلّ عليه المأساة فجأة مع شروع الصهاينة في قصف يافا لإخلائها من سكانها. الهناء العائلي يتبدّد مع انهمار القذائف على محيط المنزل، ونشوء حالة الخوف والذعر، وبداية الحديث بين الزوجين عن ترك يافا إلى نابلس، حيث تبيت الزوجة وأطفالها في منزل أخيها الفقير المتواضع، ويبقى الزوج في البيت رغم الخطر، ويتداول رجال يافا في ما يجب فعله بين البقاء، أو الاستسلام، في ظلّ مظاهر تكريس الاحتلال، ورفع العلم الإسرائيلي مكان الفلسطيني. ويحاصر منزل شريف، الذي كان في بستانه حين ظهر عليه جنود الاحتلال من خلف شجرات الليمون واقتادوه إلى الاعتقال، حيث القهر والضرب والأعمال الشاقة، وفظاعة الحياة داخل المعتقل. وفي الموازاة، نرافق بؤس العائلات في نابلس، حيث أقيمت مخيمات النزوح في جنباتها، وراحت عائلة شريف تجلب إعانات الغذاء من المخيم، وتعود لافتراش بيت الخال وعائلته الضيّق. ومنيرة، التي تعاني من داء السكري، وتحتاج إلى إبر الإنسولين، حيث تبيع مصاغها القليل لشراء الدواء، وإعالة أطفالها الذين يسألون باستمرار عن أبيهم. يعود شريف بعد سنوات من الاعتقال والتعذيب إلى عائلته ملتحيًا، متعبًا، لتنتقل بنا الكاتبة ــ المخرجة إلى زمن متقدم (عام 1978)، ومكان آخر هو مخيم للاجئين في الضفة.
شريف، الذي كبر أولاده، وتقدم به العمر كثيرًا (محمد بكري في الشخصية بعد ابن أخيه آدم في العمر الشاب)، بات يعيش مع ابنه سليم (صالح بكري)، وزوجة ابنه حنان (شيرين دعيبس)، وابنهما نور (سند الكباريتي) الشديد الذكاء والقوي الشخصية (تروي المخرجة كم شقيت للعثور عليه كفتى ملائم للدور). وفي هذا الجزء الزمنيّ من الفيلم تسطع شخصية الجد شريف، فيحلّق الممثل القدير الراحل محمد بكري في الشخصية المركبة من أسى دفين وحنين إلى الماضي، وإلى يافا وبيت العائلة وبستان الليمون، ومن دعابة تميّز شخصيته وغضب وسخرية نابية من المحتل، ومع بعض الضياع في الذاكرة والتسرنم، أي المشي خلال النوم بحثًا عن شجرة التين في يافا. يسير في نومه تائهًا في أزقة المخيم الضيقة، ولا ندري كمشاهدين: هل نتأثر، أم نضحك، أم الأنسب مزيج منهما؟ وسليم، الذي أضحى مدرّسًا للغة العربية، باتت علاقته بابنه نور كعلاقة أبيه به ماضيًا. لكنّ سليم يمثّل خيار التسليم بالأمر الواقع، وعدم مواجهة المحتلّ، فيما يردّد والده العجوز شريف: "كنا جبناء"، ويربّي حفيده على عدم نسيان قضية فلسطين الوطن، وعدم نسيان يافا وليمونها، بينما يشهد الفتى لحظة خنوع أبيه أمام جنود الاحتلال ذليلًا وراكعًا أرضًا، مردّدًا الشتائم المملاة عليه من الجندي الساديّ الشاهر سلاحه في وجهه مهددًا بقتله، فيشتم زوجته، أي أم الصبي الذي بدأ يحتقر والده من تلك اللحظة المأساوية المؤثّرة التي تقول دعيبس إنها استلهمتها من حادثة واقعية حصلت مع أبيها، وكانت برفقته مع أختيها الطفلتين، فأُركع الأب، وجرى تفتيش الفتيات عاريات، وكنّ طفلات بريئات. كأنها تنقل مشاعر الإذلال والنظرة الدونية ذاتها إلى الأب، منها إلى ابن سليم. لعل صورة الأب سبق أن انكسرت لدى شيرين قبل نور، والله أعلم. يتألم سليم قائلًا: "تركوني أعيش لأرى كيف صار ولدي يكرهني". والصبي يتألم من زاوية أخرى قائلًا لأبيه بإيلام: "إلى أي حد أنت جبان؟».
1987 مفصل زمني آخر تقفز إليه مشهدية شيرين دعيبس العريضة. إنه زمن الانتفاضة الأولى التي بدأت في تلك السنة، واستمرت خمس سنوات ونصف سنة حتى توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم في 13 أيلول/ سبتمبر 1993. نور أضحى شابًا وسيمًا (محمد عبد الرحمن) يلفت أنظار الفتيات المراهقات من عمره. يرسم وصديقه مالك (رضا سليمان) شعارات الثورة على الجدران، ويركضان معًا فوق سطوح منازل المخيم الواطئة (إعادة للمشهد الذي شاهدناه في بداية الفيلم) ليهبطا منها ويلتحقان بالتظاهرة. وما هي سوى لحظات من الحماسة وإطلاق الشعارات عاليًا حتى ينهمر رصاص جنود الاحتلال ويقع نور أرضًا مصابًا ومغميًّا عليه. يهرع صديقه نحو الأم في البيت، ويخبرها بما حدث، فتركض في حالة من الهلع، وتركض وراءها الكاميرا في لحظة مؤثرة من لحظات التأثير العديدة في الفيلم. وبعد نقله إلى المستشفى المحلي، يتبيّن أنه في حاجة إلى أن يتم نقله إلى مستشفى في حيفا يديره الاحتلال، ويحتاج إلى مسار طويل من الإجراءات الورقية البيروقراطية. وهناك في حيفا، حيث يعالجه طبيب يهوديّ إسرائيليّ لا يتكلم العربية ويحتاج إلى مترجم، وبعد صبر ساعات وأيام طويلة، يصل سليم وحنان إلى ساعة الاستحقاق الكبرى، ومعرفة أن ولدهما الحبيب هو في حالة موت دماغيّ، بحكم الميت، ويستمرّ قلبه نابضًا بفضل التنفس الاصطناعي. وفي مكتبها الخاص، تقترح عليهما الممرضة اليهودية المسؤولة في المستشفى الموافقة على وهب أعضاء نور، فيكون ما كان وما أتينا على تفاصيله في مطلع عجالتنا النقدية.
الزمن الأخير الذي يقفز إليه الفيلم الطويل (في ساعتين وخمس وعشرين دقيقة) هو عام 2022، في المدعوة "تل أبيب"، وهي تاريخيًا يافا. سليم وحنان حصلا على جنسية أجنبية ليتمكنا من زيارة بلدهما، وتحديدًا يافا التي ولد فيها سليم. نراه في الفندق مختنقًا نفسيًا ومعنويًا يريد المغادرة، لكن حنان تقنعه بيوم إضافيّ، فيوافق من أجلها، ويخرجان إلى شوارع المدينة التي أضحت مكانًا غريبًا، مختلفًا. يتجولان في شوارعها كغريبين تائهين حتى يقعان صدفةً على منزل العائلة وقد أضحى أطلالًا مقفلة النوافذ والأبواب بعوارض خشبية، وقد زال من أمامه بستان الليمون. تلتقط حنان صورة لسليم أمام منزل طفولته وحنينه وذاكرته الأولى. لحظة أخرى مؤثرة. ثم يتجهان صوب البحر الذي لم يكن سليم قد رآه طفلًا، ولا تعرفه حنان أيضًا. لكن البحر يبدو غريبًا لهما أيضًا. هذا ليس بحر يافا. هذا ليس بحر فلسطين.
مشهديّة عريضة فذّة
بعد روائيين طويلين منبئين بولادة مخرجة، "أميركا" عام 2009، و"مي في الصيف" عام 2013، وعدد من الأفلام الروائية القصيرة، وأعمال تلفزيونية أميركية، تحقّق شيرين دعيبس حلمها السينمائيّ الكبير ذا الإنتاج الضخم، لتروي فيه نظرتها إلى تاريخ القضية الفلسطينية منذ النكبة حتى اليوم، انطلاقًا من تداعيات شخصية مرتبطة بتاريخ عائلتها الممثلة هنا على نحو تقريبيّ رمزيّ بعائلة حمّاد المتعاقبة أجيالًا. بعض المشاهد تستدعي لحظات حقيقية مما عاشه ذووها من قهر وتهجير، وبخاصة مشهد إذلال الأب عند الحاجز، وتحوّل نظرة الأطفال إلى هذا الأب، وهو شعور اختبرته شيرين نفسها حيال انصياع والدها وخنوعه، فحوّلت مشاعرها تلك إلى شخصية الفتى المتمرّد نور.
لم ترضَ دعيبس بأن يكون فيلمها أقلّ من مشهدية عريضة ضخمة تليق بقضية وطن وذاكرة شعب. لذا انطلقت في المشروع الكبير الذي واجه صعابًا لحظة الشروع فيه، بعد طول استعداد لسنوات، إذ جاء حدث السابع من أكتوبر (2023) ليقلب كل الحسابات، ويدفع إلى بدائل، خاصة لناحية أماكن التصوير التي كانت معدّة في فلسطين نفسها، بين الضفة والداخل المحتلّ، فكانت تلك البدائل بين قبرص واليونان والأردن، حيث أنجز الفيلم في نهاية المطاف من غير فقدان روح المكان (قدر المستطاع)، وتمّت عملية إحياء الفصول التاريخية، في يافا تحديدًا، بأعلى قدر من الصدقية، فعادت السينما بذلك إلى قواعد كولوشوف المتصلة بقدرة المونتاج على خلق مكان جديد، وجغرافيا جديدة، موجودين على الشاشة وليسا موجودين في الواقع. نصدّق مع توالي مشاهد "اللي بقي منّك" أننا دائمًا في فلسطين، بين يافا 1948 والضفة وحيفا 1987، ثم يافا مجددًا عام 2022. لا ضياع ملحوظًا في هوية المكان، فتلك هي معجزة السينما وقدرتها الساحرة.
كل العناصر الفنية متقنة، من الإدارة الفنية التي تولّاها فريق كبير جدًا يترأسه بشار حسّونة، وليديا ماندريدو، ورند عبد النور، وكريم خير، ورزانا سيلاوي (للديكورات)، وكريس عيسى، وزينة صوفان (للملابس الرائعة) على نحو مبدع، جميل، بهيّ الألوان، يردنا إلى حقبة قديمة في مجتمع أرستقراطي وبورجوازيّ صغير في يافا، فنسحر بجمال العمارة، وأناقة العيش الأصيل مع عائلة فلسطينية نموذجية شاءت الكاتبة والمخرجة من خلالها فقء عين الغرب الذي لطالما روّج لنظرة تحقيرية إلى الإنسان الفلسطيني، والشرقي عمومًا، بكونه إنسانًا متخلّفًا، متسخًا لا يعرف الأناقة والجمال. أتت شيرين هنا لتظهر بيئة حضرية كانت موجودة فعلًا في المدن الفلسطينية، وإلى جانبها مجتمع زراعيّ كان يخصّب أرض فلسطين زرعًا وشجرًا وثمرًا. كانت فلسطين جميلة، مزدهرة، أنيقة، ولم تكن البتة "أرضًا بلا شعب" بحسب المقولة الخبيثة المنحطّة التي روّج لها الغرب الراعي للمشروع الصهيونيّ.
التضاد مع جمال يافا في مجتمع الضفة بعد التهجير من يافا، لاحقًا، خلقت له شيرين دعيبس جماليته وملذّاته الخاصة أيضًا، داخل البيوت الفقيرة الضيّقة والبسيطة، فللبؤس جماليته أيضًا بحسب السينمائيّ البرازيلي غلاوبر روشا (لفظه بالبرتغالية "هوشا") أحد المنظرين الأوائل لجماليات الفقر في السينما. هنا تصوّر دعيبس العيش الصعب بأنه لا يخلو من سعادة وتفاؤل وأمل. ألسنا حيال شعب الجبّارين الذي لم يتوقف نضاله، ولم يفقد أمله في استرداد أرضه ووطنه. تحافظ الجمالية المشهدية على سوية واحدة في "اللي بقي منّك"، فالهدف ليس "البؤسوية"، بل الصورة الجميلة للوطن والشعب. تلك هي رسالة شيرين دعيبس إلى الغرب، رغم "الدعسة الناقصة" في النهاية والخطاب التسامحيّ المجانيّ غير المجدي مع عدو لئيم.
إخراجيًّا، تكشف شيرين دعيبس عن قدرات مهنيّة عالية لم تظهر كاملةً في فيلميها السابقين الحميمين، بجدارة عالية، ولغة إخراجية شديدة المتانة. تكسب رهان المشهدية الكبرى بتكويناتها وإيقاعاتها وتوازن لقطاتها بين واسعة ومتوسطة وقريبة، وتحريكها للكاميرا بين تتبّع وثبات وحمل على الكتف (في مشاهد الانتفاضة المتوترة). أناقة الصورة والألوان تضاهيها أناقة إخراجية معزّزة بعين مدير التصوير اللبناني الشاب واللامع كريستوفر عون، الذي أضحى اسمًا مكرّسًا على المستوى العالميّ بعد بضعة أفلام قليلة حتى اليوم لعلّ أبرزها "كفر ناحوم" لنادين لبكي، الذي فتّح الأنظار على موهبته المميزة. يمنح مدير التصوير الشاب كل حقبة طابعًا مختلفًا ورؤية مميزة، مع الحفاظ على روح الفيلم ووحدته الأسلوبية، من دون إحداث خلل واضح يلاحظه المشاهد. يستخدم لهذا الفيلم عدسة تصوير أنامورفيّة (anamorphic) تضغط المشهد أفقيًا عند التصوير، ثم تفكّه عند العرض، ما ينتج صورة عريضة جدًا ذات نسبة عرض أكبر من الصورة التقليدية. هذه التقنية الخاصة تسعف في تعزيز الإحساس بالحنين والحزن الشاعري ضمن عملية استحضار الماضي. ولعملية تصحيح الألوان لاحقًا (تولّتها مارينا ستارك) أهمية كبرى في توحيد ملوانة الفيلم رغم فتراته الزمنية المختلفة. كما لعبت الموسيقى التصويرية للمؤلف الموسيقيّ التونسي أمين بوحافة دورًا أساسيًا في خلق التأثير العاطفي والانفعالي. الفيلم كلّه مبنيّ من لحظات مؤثّرة داخل جدارية سينمائية تاريخية مذهلة ليت القديرة شيرين دعيبس رسمت لها نهاية مختلفة.


تحميل المقال التالي...