يقدم المخرج ميغيل أنخيل خيمينيز في فيلمه "حفلة عيد ميلاد"/ The Birthday Party أجواء سبعينيات القرن الماضي، التي أضفى عليها النجم الأميركي ويليام دافو مزيدًا من البهجة والمتعة من خلال تجسيده المذهل لشخصية الملياردير ماركوس تيموليون (في إشارةٍ واضحة إلى اليوناني أوناسيس)، قطب الشحن البحري "العظيم والرهيب". وكأن دافو جمع في هذا الدور أفضل ما قدّمه من أدوارٍ خلال مسيرته كلّها، لتنصهر هذه الأدوار وتتوحّد في شخصيّة ماركوس.
يمكن القول إنّ الفيلم عبارة عن تراجيديا صغيرة بصبغةٍ شكسبيريّة، أو على الأقلّ قريبة منها، مع فارقٍ وحيد يتمثّل في أنّ أحدًا لا يلقى حتفه في نهاية الفيلم، بالرغم من أنّ كلّ شخصيّة من شخصيات الفيلم كانت تسير على حافّة الهاوية، ورغم أن ماركوس تيموليون، قطب الشحن البحري، لا يمثل نسخةً طبق الأصل من "الملك لير"، لكنّه يقترب اقترابًا شديدًا منه.
ابنا ماركوس هما: دانيال، ابنه الحبيب والوريث المحتمل لإمبراطوريته التجارية الهائلة، قتل في حادث تحطم طائرةٍ وهو لا يزال في الثامنة عشرة من عمره فقط. وبموت الابن الوحيد، بقيت لديه ابنته صوفيا (الممثلة الدانماركية فيك كارمن سونّ)، التي يحتفل والدها بعيد ميلادها الخامس والعشرين على جزيرته الخاصّة الواقعة في بحر إيجه، وسط مظاهر فخامةٍ وبذخ شديدين.
تدور شكوك جدّية حول أهليّة صوفيا لتولي هكذا ثروة، فهي مدمنة على المخدرات والكحول، وفوق ذلك حاملٌ من صحافيٍّ مغمور يدعى فورستر (الممثل الإنكليزي جو كول) كان يعمل على كتابة سيرة والدها الذاتية. الوالد مستعدٌّ للقيام بأيّ شيء من شأنه التخلّص من فورستر، إذ يقول له: "امضِ قدُمًا، واكتب أنني ابن هتلر، أو أنني امرأة، إن شئت. لكن ارحل وانسَ أمرها تمامًا".
في سبيل اكتساب مودّة ابنته وعودتها إلى حضنه، يقدّم لها والدها هديّةً استثنائية بمناسبة عيد ميلادها: وحيد قرنٍ. صحيحٌ أنّه كان وحيد قرنٍ عجوز يتنفّس بالكاد، ولكنّه يبقى وحيد قرنٍ حقيقيًّا، أبيض اللون، تمامًا مثل لون الرسوم المعلّقة على الجدران من العصور الوسطى في فيلّلا ماركوس على الجزيرة.
أما الزوجة، أوليفيا (الممثلة الإسبانية إيما سواريز)، فهي امرأة تخوض معركة معقّدة للحصول على طلاقها من زوجها الملياردير، الذي لا يبخل عليها مع ذلك بشيء، إذ يقول لها دومًا: "تفضّلي، وخذي كلّ ما يحلو لك".
في واقع الأمر، لا شيء، ولا أحد، له قيمة في نظر عملاق الشحن. ولكنّ الفيلم لا يدور حول جشع النخب القويّة التي تحكم العالم، فماركوس أقوى الأقوياء. إنّه رجلٌ قاسٍ مثيرٌ للاشمئزاز، ولكنه في الوقت نفسه رجلٌ مهيب.
في حوارٍ يسأل الملياردير أحدهم:
ــ سمعتُ أنّهم صنعوا فيلمًا عنّي في هوليوود.
ــ هل تقصد فيلم "العرّاب"؟
ــ لا، لا. شيء ما عن سمكة القرش.
ماركوس قرشٌ مرعب، وقلّةٌ هم أولئك الذين استطاعوا أن يجسّدوا هذا الدور الذي يتطلّب براعةً تتجاوز إمكانيات أيّ واحدٍ، باستثناء النجم ويليام دافو ذي السبعين عامًا.
راقصٌ مفتول العضلات، فاتنٌ بشع، بجمجمةٍ ضاحكة باستهزاء، وعيونٍ مريضة. إنّه تجسيدٌ حيّ لـ"رقصة الموت". إنّها رقصة السيرتاكي اليونانية التي بدأها ماركوس (دافو) في مكانٍ خانق، ليخرج بها من ثمّ إلى ساحةٍ تعجّ بضيوفٍ يحتقرهم. تمكّن ويليام دافو أن يجعل من تلك الرقصة تحفةً فنيّة حقيقيّة جمع فيها أفضل أدواره السابقة، من قبيل: موت الرقيب غوردون في فيلم "الفصيل/ Platoon" (للمخرج الأميركي أوليفر ستون، عام 1986)، الذي يموت فيه رافعًا يديه إلى السماء. ومشهد صلبه في فيلم "الإغراء الأخير للمسيح/ Tha last Temptation of Christ" (للمخرج مارتن سكورسيزي، عام 1988، والمبني على رواية اليوناني نيكوس كازانتزاكي)، إلى جانب الازدراء الساخر لعالم بوبي بيرو الغريب الأطوار في فيلم "قلوب متوحشة" (للمخرج ديفيد لينش، عام 1990).
بطلٌ وحشيّ حقيقيّ من زمنٍ مضى لا تشبعه اليوم مزايا وول ستريت. النموذج الأوليّ واضح؛ أغنى رجلٍ في العالم، أرسطو أوناسيس، كما تلمّح مقدّمة الفيلم بوضوحٍ عبر تعليقٍ صوتيّ تقوم به عشيقته، ماريا كالاس، مغنيّة الأوبرا اليونانية الأكثر شهرة. تؤدّي ماريا كالاس أغنيةً من أوبرا "الأخت أنجليكا وجاني سكيكي" للموسيقارالإيطالي جياكومو بوتشيني. الأغنية مكرّسة، تحديدًا، للشغف الذي يرافق عمليات تقسيم الميراث. الورثة: ابنٌ سقط ضحية عملية تخريبية، وابنة مدمنة. إنّها تراجيديا أرسطو ذاتها، التي تحكي عن المعاناة والخوف.
على الرغم من أنّ أوناسيس الحقيقي قد كان، في الفترة التي جرى تصوير الفيلم فيها، قد فارق الحياة (مات صيف عام 1975)، ومع أنّ زوجته كانت حينئذٍ جاكلين كينيدي الأنيقة (أرملة الرئيس الأميركي جون كينيدي)، وليست أوليفيا المترهلّة الجسد، فإنّ نظرةً واحدة على خرائط الملاحة على مكتبه، وسماع صوته يقول: "نعم، نحن قراصنة"، كانت كافيةً ليصدّق المرء، رغم كلّ الاختلافات الظاهرية، أنّ ماركوس هو أوناسيس بالفعل.
أعلن أوناسيس قرصانًا بشكلٍ رسميّ في دولٍ ثلاث، وأمضى حياته كلّها يتعامل مع شتّى أنواع الفساد، فقد كان أثناء الاحتلال الإيطالي لأثيوبيا يزوّد في الوقت نفسه إيطاليا والأثيوبيين بالنفط، وكان خلال الحرب العالميّة الأولى يزوّد كلًّا من دول المحور والحلفاء بالوقود اللازم للحرب. باختصارٍ، كان يتعامل طوال حياته مع كلّ أنواع الموبقات. ولذلك، لم يكن لدى أوناسيس (ماركوس) من يدعوه إلى احتفالٍ عائليّ محترم، باستثناء تلك الحثالة التي كانت تتواجد في حفل عيد ميلاد ابنته.
في حفلة عيد ميلاد الابنة، تواجد ضباط من الجيش اليوناني من حقبة دكتاتورية "العقداء السود". كما تواجد إسبان مشوهون خَلقًا وخُلُقًا، وكأنّهم قد خرجوا للتوّ من سلسلة لوحات "لوس كابريتشوس" للفنان الإسباني فرانشيسكو غويا (القرن الثامن عشر): الماركيز مصابٌ بداء النقرس، ويشبه مومياء مغطاة بالشمع، أمّا رفيقه فبعينٍ واحدة فقط. يبدو هؤلاء الإسبان وكأنّهم انتزعوا أنفسهم من فراش موت فرانكو البغيض، ليتقاسموا مع ماركوس جلد دبٍّ لم يُقتل بعد، وهو منجم معدن البوكسيت في الصحراء الغربية (المغرب). ومع ذلك، فإنّ أكثر رجاله ثقةً هو العملاق ذو اللحية الكثّة، كوستاس (الممثّل أنتونيس تسيكسيوبولس)، وهو مقاتلٌ شيوعيّ سابق ينظر إلى ماركوس بشفقة وتفهّمٍ غريبين.
ومن ضمن كل ذلك، تبقى أجواء الزمان والمكان هي الشيء الرئيسي في الفيلم، التي طغى عليها بريق السبعينيات. ويعود الفضل في ذلك إلى المصوّر السينمائي غريس جوردان، الذي تمكّن ببراعةٍ لافتة من خلق مزيج رائع من المشاهد الداخليّة والخارجيّة التي صوِّرت جميعها في الجزيرة المتوسطية، فهو من جهةٍ يتعامل برقّةٍ مع شخصيات التقطتها كاميرته بدقّةٍ من بين الحشود، ولكنّه يكاد من جهةٍ أخرى يهينها. ففي أيامنا، لم نعد نشهد تصويرًا بسيطًا وراقيًا بهذا الشكل.


تحميل المقال التالي...