}

"قضية جورج عبد الله" للفرنسي بيار كارل: خفايا وأسرار

ندى الأزهري ندى الأزهري 21 يونيو 2026
سينما "قضية جورج عبد الله" للفرنسي بيار كارل: خفايا وأسرار
جورج عبدالله تحرر من سجن قضى فيه 41 عامًا

هذا فيلم لا يُعرض في الصالات السينمائية الضخمة، أي التجارية، في فرنسا، ولا تبرمجه بكثرة دور عرض "فن وتجربة" المهتمة بالسينما المختلفة والمستقلة، ولا دعاية له. لكن، في باريس ثمة دائمًا من ينشد المختلف، والنادر، ومنها تلك الأفلام التي تعتمد التحقيق الصحافي لكشف حقائق وأسرار عن قضية معينة، سياسية بوجه خاص. على سبيل المثال، العام الفائت فيلم "لا أحد يفهم عنها شيئًا" (2025) للفرنسي يانيك كيرغوات عن التمويل الليبي لحملة نيكولا ساركوزي الرئاسية، ومؤخرًا هذا العام "قضية جورج عبد الله" (2026) لبيار كارل عن اللبناني جورج إبراهيم عبد الله. الفيلم وجد له مكانًا في تلك الصالة الباريسية الصغيرة المهددة بالإغلاق لأسباب اقتصادية. المفاجأة الأولى لم تكن في حجم الصالة الصغير، إنما في امتلائها، لا سيما بجيل شاب عامة يهتم أكثر بالأفلام الأميركية الضخمة الإنتاج. هل هذا لأن الفيلم ينتقد بحدة سياسيين وإعلاميين في فرنسا؟ أم لطرحه قضية من يراه مناضلًا ثوريًا؟ ففي كل مظاهرة باريسية خرجت للتضامن مع غزة، كانت هنالك فئة تحمل صورًا لهذا اللبناني الموجود في السجون الفرنسية منذ أربعة عقود، تطالب بالإفراج عنه كسجين سياسي قضى أطول فترة حكم في فرنسا. لكن كما يقول فرنسيون آخرون لا سجناء رأي في فرنسا والأكثر دقة القول: سجين في قضية لأسباب سياسية.




"قضية جورج عبد الله" وثائقي يعيد تسليط الضوء على القضية القانونية لهذا المناضل الشيوعي حسب التسميات ماضيًا، والناشط لأجل القضية الفلسطينية، حسبها حاضًرا، أو الإرهابي كما وصف فرنسيًا في أثناء القضية. يركز الفيلم على الأسباب السياسية الكامنة وراء هذه الحالة الاستثنائية، حيث أدت نشرة أخبار كاذبة، وضغوط شديدة مارستها الولايات المتحدة على فرنسا، إلى هذه المدة الطويلة من الاحتجاز، مع أن اسمه طُرح للإفراج المشروط منذ عام 1999، من دون نجاح، رغم أن القانون الفرنسي يتيح ذلك. ثمّ بعد 41 عامًا من الاعتقال، ونضال محامين وجمعيات للدفاع عن عبد الله، أفرج عنه ورُحِّل إلى لبنان في يوليو/ تموز عام 2025 وهو في سن الرابعة والسبعين، وما زال محافظًا على قناعاته السياسية، وأنه مناضل، وليس مجرمًا.

ملصق الفيلم


يسرد الفيلم الأحداث متنقلًا بين الحاضر وفترة الثمانينيات، مثيرًا نضال الناشط المؤيد للفلسطينيين، كما يسميه، والذي قضى أطول فترة سجن في فرنسا بتهم ذات دوافع سياسية. يستعرض تاريخ جورج عبد الله في الكفاح المسلح حين غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وانضمامه إلى الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية. ويذكر الفيلم أن عبد الله لجأ عام 1984 إلى الشرطة الفرنسية في ليون لحمايته مما عدّه ملاحقة له من الموساد الإسرائيلي، فسجن لحيازته أوراقًا مزورة، وسلاحًا، وأدين بأربع سنوات سجن. ثمّ أدين لاحقًا بتهمة التواطؤ في اغتيال الملحق العسكري الأميركي تشارلز راي، ومسؤول الموساد الإسرائيلي يعكوف بارسيمانتوف في باريس عام 1982. يوضح الفيلم السياق السياسي خلال عامي 1985 و1986، حين شهدت باريس سلسلة من الاعتداءات الإرهابية راح ضحيتها أبرياء، ووُجِّهت أصابع الاتهام إلى معاوني عبد الله، ما أدى إلى تشديد العقوبة عليه على الرغم من توصيات الادعاء، وإعلان لجنة التضامن مع السجناء السياسيين العرب في الشرق الأوسط مسؤوليتها عن الاعتداءات.
ويحقق الفيلم في الأسباب، وأنها معلومات غير موثقة، وصفها بأنها مضللة، نشرتها صحيفة وتناقلها الإعلام المطبوع والتلفزيوني من دون التأكد من صحتها. تدخل وزير الداخلية باسكوا حينها لرسم صورة الإرهابي، ومطالبة الأميركيين بمحاكمة عبد الله في محكمة الجنايات. وأورد الفيلم تسجيلات للمحامي الذي سُمي للدفاع عن عبد الله وهو يعترف بخيانته لموكله وعمله مع المخابرات الفرنسية التي عينته. ثم حين تولى المحامي الفرنسي الشهير جاك فيرجيس قضيته طلب الاستئناف، فرفض طلبه من قبل وزير العدل في حكومة جاك شيراك، كما رفضت طلباته للإفراج عن عبد الله الذي ظلّ ينكر مشاركته في الاعتداءات التي سببت سجنه الطويل، ولكنه كان يرفض ادانة أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

اهتمام صحف غربية بقضية جورج عبد الله 


بدا واضحًا في هذا الفيلم اهتمامه بالمضمون وكشف حيثيات وخفايا وأسرار أكثر من اهتمامه بالشكل الفني. وكانت الرغبة تقديم وجهات نظر مختلفة عن السردية السائدة، ورؤى أخرى غير الآراء المهيمنة، وتجميع براهين وتفكيك القضية ليثبت ادعاءاته، وهو ما منح الفيلم أهميته ومتعته في كثير مما أورد. ولهذا الغرض استعان المخرج بصور أرشيفية ومحاكمات ولقاءات مع المحامين والجمعية التي تدعم عبد الله، ومع صحافيين وضباط شرطة وناشطين تابعوا القضية آنذاك فجمع إفادات ثرية. ووفق المخرج ومساعدتيه في إرباك بعض الشهود، وإثبات عدم قدرتهم على البرهنة على ذنب جورج عبد الله، بل واعتراف بعض آخر بما يدل على اتفاق عام بتجريم شخص لم تثبت الأدلة صحة الاتهامات الموجهة له. واهتم الفيلم حينها بالكشف عن الأسباب السياسية الكامنة وراء هذه الحالة الاستثنائية، مبينًا أن لا أحد في الفيلم، لا خبراء الدفاع العسكري، ولا الصحافيين، ولا المحامين، ولا حتى السياسيين، يؤمن بصدق بذنب جورج عبد الله. وأن هؤلاء أقروا في لقاء معهم بأنه لم يكن هنالك أساس قانوني لتلك الاتهامات.





ومن أبرز الحقائق التي سعى الفيلم لإثباتها انعدام السيادة القضائية الفرنسية، مع رفض ممنهج لطلبات الإفراج عن عبد الله بسبب تدخل الولايات المتحدة مباشرة. وجاء ذلك في مشاهد طريفة عن تردد سياسيين بمقابلة المخرج ومساعدتيه كلارا ميناي، وليا جاسكيه.  وكيف فرض هؤلاء بذكاء اللقاء على بعضهم من خلال تواجدهم في مناسبات عامة. حفل توقيع كتاب مثلًا (الرئيس السابق فرنسوا هولاند)، أو محاضرة جامعية (وزير الخارجية السابق لوران فابيوس)، وكلاهما لم يكونا متحمسين على الإطلاق لإعطاء أي معلومات بخصوص عدم الإفراج عن السجين الأشهر في السجون الفرنسية خلال فترة تواجدهما في السلطة. وتهربا من الاعتراف بوجود رسالة من هيلاري كلينتون لفابيوس تشكره فيها على امتناعه عن التوقيع على قرار الإفراج.
عمل بيار كارل على الفيلم من عام 2018 وحتى عام 2025، وصوره في فرنسا ولبنان. وكان اكتشف القضية بالصدفة خلال زيارة سجين سياسي آخر في بدايات الألفية الثانية. هناك التقى لأول مرة بجورج إبراهيم عبد الله، الذي كان محتجزًا في السجن نفسه. وبعد نحو اثني عشر عامًا، عاد اسمه للظهور عندما لفتت عضوة في لجنة دعمه انتباه المخرج إلى طول مدة سجنه مقارنةً بمدة سجن نشطاء آخرين اعتُقلوا وأُدينوا في الفترة نفسها بتهم سياسية مماثلة. عندها بحث المخرج في القضية، وبدأ تحقيقه، وذلك بدعمٍ خاص من موقع "لو غراند سوار" الإلكتروني، في وقتٍ لم تكن فيه أي وسيلة إعلامية أخرى قد غطت القصة. من هذا العمل الاستقصائي المطوّل، بالإضافة إلى تحقيق نُشر في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" وسلسلة قصص مصورة بعنوان "في زنزانات الجمهورية" من منشورات دار "ديلكورت"، انبثق فيلم "قضية جورج عبد الله".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.