رغم أن الموسم السينمائي الصيفي في مصر لم يشهد هذا العام سوى أربعة أفلام، إلا أن دور العرض اشتعلت منذ عطلة العيد بصراع فيلمين على صدارة شباك التذاكر. وقد زاد من سخونة هذه المنافسة الارتفاع المستمر في أسعار التذاكر؛ ففي ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة تؤثر مباشرة على أنماط الاستهلاك، تراجعت مكانة المنتج الثقافي لدى الغالبية، لتصبح الفنون مجرد سلع ترفيهية يمكن تأجيلها، أو حتى الاستغناء عنها.
في المقابل، كان أبو الفنون يتحرك بهدوء في طريقه نحو استعادة الروح، في ظاهرة أخذت تتنامى خلال السنوات الأخيرة بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، وجد كثير منهم في مسارح الدولة، القطاع العام، متنفسًا فنيًا أكثر ملاءمة لضغوط المعيشة، خصوصًا مع انخفاض أسعار تذاكر المسرح إلى ما يقارب ربع سعر تذكرة السينما، بخلاف العروض المجانية التي تقدم على مدار العام.
لذلك، بدا طبيعيًا أن ترفع عروض الموسم لافتات "كامل العدد" على مدار أيام متتالية، في ظل برنامج متنوع يقدمه البيت الفني للمسرح على خشبات القاهرة والإسكندرية، يكتسب دلالة خاصة بهذا الإقبال إذا ما وضعنا في الاعتبار حجم التحديات التي يواجهها المسرح المصري نظرًا لمحدودية إنتاجه؛ إذ يعتمد المسرح المؤسسي في غالبية عروضه على ممثلين لا يحظون بالانتشار الجماهيري نفسه الذي يتمتع به نجوم السينما، بل إن كثيرًا منهم قد يكونون غير معروفين من الأساس. أما مسرح القطاع الخاص، فبجانب قلة الأعمال المقدمة، ينحصر جمهوره على فئات محدودة بسبب الارتفاع المبالغ فيه لأسعاره، لا سيما بعدما تركزت معظم عروضه داخل المولات والتجمعات الجديدة على أطراف العاصمة.
ولما كان "اسم النجم" هو الحصان الرابح غالبًا في معادلة الجذب الجماهيري، فإن المقارنة بين المسرح المؤسسي والسينما اليوم تكشف وجهًا آخر يتجاوز الاعتبارات الفنية إلى طبيعة الصناعة نفسها؛ يمكن تلمس هذا بوضوح في مسرحية "الملك لير" من بطولة الفنان يحيى الفخراني، والتي احتُفي بها مؤخرًا لتجاوزها 150 ليلة عرض على خشبة القومي، في سابقة لا تتكرر كثيرًا، مع عرض من هذا النوع. والمفارقة أن هذا النجاح الاستثنائي للعرض اقترن بميزانية ضخمة أيضًا وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ المسرح القومي، بحسب تصريحات سابقة لإدارته.
يشارك في بطولة المسرحية طارق دسوقي، إلى جانب عدد كبير من الوجوه الشابة، بخلاف الفريق الحركي، في توليفة بصرية غلب عليها الطابع السينمائي من خلال حس تجريبي تعمده مخرج العمل، شادي سرور؛ فعلي سبيل المثال، نجد أن تقنية البروجيكتور لعبت دورًا هامًا في مناظر المعارك الحية والمبارزات، وصولًا إلى مشهد العاصفة الشهير الذي جرى تقديمه بمعالجة بصرية طموحة، كذلك نجح سرور في إدارة أكثر من أربعين مشاركًا من المجاميع، ممثلين وراقصين، بمشاركة لا تقل طموحًا من مصمم الاستعراضات ضياء شفيق.
في السياق نفسه، لا يمكن إغفال التنوع اللوني والدرامي لعلا علي في تصميم الملابس والأزياء. كما ساهمت أعمال النحت التي نفذها مصطفى التهامي، ومصطفى فكري، إلى جانب إضاءة محمود الحسيني (كاجو)، في تعميق الإحساس الدرامي بالفضاء المسرحي، سواء من حيث تحولات الزمن والمكان، أو من خلال تصاعد التوتر السردي في الحكاية.
تعد هذه المرة هي الثالثة للفخراني عبر مسيرته في تقديم الحكاية الشكسبيرية، حيث سبق واستمر عرضها على المسرح القومي لتسع سنوات بدءًا من عام (2001) من إخراج أحمد عبد الحليم، في واحدة من أطول التجارب عمرًا على الخشبة. تلا ذلك عرض آخر من إخراج تامر كريم سنة (2019) كان مغامرة في حينها لم تتكرر تقريبًا، حيث تولى القطاع الخاص إنتاج العمل.
في سياق مواز، تأتي مسرحية "ابن الأصول" المعروضة على خشبة المسرح الكوميدي، من تأليف وإخراج مراد منير، والذي يستعيد من خلالها ثيمة كلاسيكية شهيرة تدور حول سلطة المال، وقدرته على إعادة تشكيل الفرد داخل منظومة العلاقات الإنسانية، حين تهبط ثروة مفاجئة على أحد الفقراء، وما يترتب على ذلك من تحولات نفسية وأخلاقية مختلفة.
ومن مسرح الطليعة نتابع عرض "متولي وشفيقة"، من إخراج أمير اليماني، الذي يستعيد صراحة القصة الشعبية الشهيرة في معالجة معاصرة تسعى إلى "إعادة قراءة الموروث الشعبي، وتنقيته دراميًا من بعض ملامحه التقليدية، مع الحفاظ على جوهره الإنساني"، كما يقول مؤلف العرض محمد على إبراهيم.
خشبات
تنوعت الوجبة المسرحية من المسرح الكلاسيكي إلى المعاصر، ومن المسرح الكوميدي والاستعراضي إلى مسرح الطفل والعرائس، مرورًا بالمسرح التجريبي، أو النخبوي، كما جرت العادة على تسميته. كما ضمت مسرحيات تعرض في ليالي عرض أولى، وأخرى مستمرة من قبل، مثل "يمين في أول شمال، سجن اختياري"، ومسرحية "حازم حاسم جدًا"، مسرح ليسيه الحرية بالإسكندرية، إلى جانب أعمال افتتحت الموسم، ومن بينها: "ولاد البطة السودا" دراماتورج وإخراج عبير علي حزين، وهو عرض نوعي سعت مخرجته إلى حشده بتوليفة واسعة من الأشكال الأدائية والتعبيرية، برز عنصر التمثيل كأميز ما فيها متقدمًا عن بقية العناصر الأخرى.
يتناول العرض فكرة الأقليات المجتمعية، ومختلف أشكال التباين الإنساني، سواء على المستوى العرقي، أو الفكري، أو الاجتماعي، وكيف يمكن أن تتحول تلك الفئات إلى تجسيد حي للمثل الشعبي الذي يستعيره العنوان، حيث يظهر الممثلون حاملين لافتات كتب عليها "قابل للكسر"، مرددين في ما يشبه الترنيمة الجماعية: "نحن المختلفون... وحيدون هناك... كل في جزيرته".
وفي الوقت الذي يكسر فيه العرض الجدار الرابع، بإشراك الجمهور في بعض المساحات الحوارية، تمزج المخرجة بين عدد من الأشكال الأدائية، من الكوميديا والمايم، إلى الحكواتي والعزف الحي، هذا بخلاف الاستعانة بالوسائط السينمائية، مرورًا بالاسكتشات والغناء الفردي والجماعي. يشارك في البطولة جمال عبد الناصر، ومحمد علي حزين، وفرح رجب، ومحمد عبد المعز، وولاء الجندي.
كذلك لم يغب الأدب عن الموسم المسرحي، بل سجّل حضورًا في أكثر من عمل عبر أشكال سردية مختلفة. ومن هذه الأعمال، مسرحية "أداجيو... اللحن الأخير"، التي تُعرض على مسرح الغد في العجوزة؛ وهي من بطولة رامي الطمباري، وهبة عبد الغني، وإعداد وإخراج السعيد منسي. العمل مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب إبراهيم عبدالمجيد، وتتناول قصة إنسانية أليمة لعازفة بيانو تصاب بمرض السرطان، وتدخل في صراع مع الزمن برفقة زوجها قبل أن تنقضي لحظاتها الأخيرة.
ومع انفجار سيل الذكريات، لم تقتصر دراما التداعي في العرض على التصاعد السردي فحسب، بل سارت في خط موازٍ مع تصاعد حركي، تآلفت أجزاؤه لتشكّل صورة مكتملة من أزمنة متفرقة في حياتهما. هذا الانزياح الزمني لا يقتصر على كونه تفصيلة دراماتورجية، بل اعتمد المخرج من خلاله على تكثيف التوتر الجسدي والانفعالي بين الممثلين، ليجعل من كل حركة، أو نبرة صوت، انعكاسًا لصدام داخلي يتضخم بلا مبرر.
على خشبة مسرح الشباب، عرض آخر بعنوان "ساعة حظ" عن قصة "المخبأ رقم 13" لمحمود تيمور، من إعداد أحمد زيدان، وإخراج حسام التوني. يستفيد العرض بذكاء من أجواء التشويق والإثارة التي تميز القصة الأصلية، والتي تدور حول اكتشاف مخبأ غامض، وما يثيره من طمع وتوقعات متضاربة بين الشخصيات، من خلال مفارقة وسوء تقدير تقود أبطالها إلى سلسلة من المواقف غير المتوقعة.
أما المسرح القومي للطفل، فاختار العودة إلى الموروث الشعبي عبر عرض "لعب ولعب"، من تأليف وإخراج حسام عطا، من خلال تقديم مظاهر من التراث المصري في قالب مبسط يجمع بين الشغف والقيمة. في حين يعرض مسرح القاهرة للعرائس مسرحية "كلمة مرور"، من إخراج سحر منصور. وتدور أحداثه من خلال مقاربة رقمية جيدة حول مجموعة من الأطفال يجدون أنفسهم داخل عالم رقمي خيالي، الثيمة التي يتخذها العرض مدخلًا لمناقشة واحدة من أكثر القضايا الملحة على ساحة الشاشات والألعاب الإلكترونية.


تحميل المقال التالي...