الأفلام الروائية، أو الوثائقية، أو المزيج منهما (docudrama)، التي تعالج مسألة الهجرات، شديدة القسوة والمأساوية، عبر البحر والصحراء والبرّ والحدود بين الدول، تكاد تصير نوعًا (genre) سينمائيًا خاصًا، مثل سينما الحرب، موضوعًا تتعدّد أشكاله التعبيرية وأساليبه وزوايا النظر إليه، حتى بات له أيضًا مهرجاناته الخاصة، وأحدها "المهرجان العالمي لأفلام الهجرة" (GMFF) الذي تُنظَّم عروضه سنويًا في عشرات الدول حول العالم، وتُقدَّم فيه أفلام قصيرة وطويلة تروي قصص المهاجرين الذين يكافحون لإيجاد مكان لهم في هذا العالم. لذا تجد السينما الملتزمة نفسها أمام مهمة إيصال معاناة هؤلاء الذين يموتون غرقًا في البحر غالبًا، من خلال الصورة والمعالجة الروائية أو التسجيلية التي تعيد إحياء تفاصيل الرحلات الصعبة، المفضية في حالات كثيرة إلى الهلاك قبل بلوغ وجهتها المرجوّة.
"حريق في البحر" للمخرج روزي يسبق "أنا القبطان" لغاروني بسنتين، وبه أبدأ. فمن بنية شديدة البساطة تضمّ جزيرة صغيرة تدعى لامبيدوزا في صقلية، وناسها البسطاء، والمهاجرين الساعين إلى شواطئها، يتألف الفيلم الذي لا يتقاطع فيه بالضرورة عالما المهاجرين وسكان الجزيرة. كما أن الجانب الوثائقي يمنح روزي الطاقة اللازمة لبناء فيلمه مع شخصيات حقيقية لا مع ممثلين، فالذين يظهرون في الفيلم (هل نقول أبطاله؟) هم من سكان الجزيرة الفعليين، على طريقة سينما الموجة الجديدة الإيطالية، كالفتى الصغير صمويلي، والطبيب بيترو بارتولو، مدير مستشفى لامبيدوزا في الواقع. ويفصح المخرج روزي عن أنه لم يكن يعرف أي قصة سيروي حين بدأ يضع تصوّرًا أوليًا للفيلم، بل كان يملك فقط عناصره الواقعية. لذلك فإن كل ما يظهر في فيلمه حقيقيّ، وحتى عنوان الفيلم استلهمه من أغنية استمع إليها في الجزيرة وتتحدث كلماتها عن قارب اشتعلت نيران حريقه في البحر فأضاء نورها الجزيرة. وقد انتاب روزي شعور خلال تحضير الفيلم بأن أهل الجزيرة يحيون مع أشباح. تبدو الجزيرة هادئة في البداية، ثم تظهر مأساة المهاجرين. أراد فيلمًا يولّد عواطف ومشاعر لا فيلمًا تقريريًا، تمامًا كالفرق بين الشعر والمقال. شاء لفيلمه نصف الوثائقي نصف الروائي أن يلامس جوهرًا عاطفيًا بدلًا من تقديم أجوبة جاهزة. أسلوبه أقرب إلى السينما التجريبية، لا يعرف سلفًا وجهتها، بل تنبني على الطريق. يحب روزي الكتابة بالكاميرا لا بالكلمة، ودخول المتاهة بحثًا عن الشكل السينمائي الأخير. حتى مشهد إنقاذ المهاجرين في "حريق في البحر" كان "ارتجاليًا"، ومصوّرًا ليلًا لمزيد من الشعور بالأمان سينمائيًا.
في كل سينماه، يرغب جانفرانكو روزي في محو الخط الفاصل بين الأفلام الروائية وتلك الوثائقية أو التسجيلية، ونجح تمامًا في ذلك لدى فوز فيلمه "حريق في البحر" بالجائزة الأولى في مسابقة خاصة بالسينما الروائية حصرًا، بينما فيلمه ليس روائيًا محضًا، بل "روائي ــ وثائقيّ"، وشكّل الأمر سابقةً أولى في مهرجان فينيسيا (البندقية) لم يحدث مثلها إلّا سابقة أخرى خاصة بمهرجان كانّ الفرنسي الدولي مع فوز المخرج الأميركي مايكل مور بالسعفة الذهبية عن فيلمه الوثائقي "فاهرنهايت 11/9" عام 2004، وكان فوزًا استثنائيًا وأول في تاريخ المهرجان السينمائي الأعرق.
يعتمد المخرج روزي في عمله على الصبر وانتظار اللحظة المناسبة، ولهذا السبب اختار أن يتولّى بنفسه تصوير فيلمه، أي أنه كان المخرج والمصوّر في آن واحد، بغية أن يخلق علاقة حميمة مع المادة التي يصوّرها. فمشكلة المهاجرين هي بالنسبة إليه مشكلة عالمية، إذ تتعلق بأناس يموتون في البحر فيما هم يسعون وراء أمل بناء حياة جديدة، ولذلك يستحقون من مخرج إنسانيّ ملتزم، مثل روزي، أن يمضي سنة ونصف سنة من التصوير اليومي لفيلمه هذا، مكتشفًا جوانب جميلة جدًا في حياة الفتى صمويلي، مقابل الجوانب المأساوية الخاصة بالرحلة المفجعة إلى جزيرة لامبيدوزا، وسماع أصوات المهاجرين في بحرها وهم يستغيثون. حاول أن يجعل الفيلم صرخة استغاثة في وجه العالم، وتحديدًا أوروبا التي لا تحرّك ساكنًا حيال موت عشرات آلاف الأشخاص غرقًا في البحر.
عانى روزي صراعًا كبيرًا يتعلق بزاوية وضع الكاميرا، وكيفية سرد قصة الألم هذه من دون إطلاق أحكام. ولم يعثر الفيلم على بنيته الأخيرة وشكله النهائي إلّا في مرحلة المونتاج. آنذاك اتضحت بنية السرد. للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة تتاح للمشاهدين فرصة رؤية ما يحدث في جزيرة لامبيدوزا عن كثب. لم يجرؤ أحد قبل المخرج روزي على تصوير هذه المأساة من خلال منظور (perspective) جديد، مع تجاوز التغطية الإخبارية البحتة لعدد الضحايا كما ترد ضمن نشرات الأخبار التلفزيونية. هنا لدينا "رواية" من الداخل عبر بنية فريدة ذات قصص مختلفة قد لا تتقاطع، أو تتشابك، على الإطلاق، وتبدو منفصلة تمامًا. لكن معاناة سكان لامبيدوزا ملموسة، كأنها متأصلة في عيشهم اليومي. نتابع في الفيلم قصة صمويلي بوتشيلو ابن الاثني عشر عامًا الذي يمضي أوقاته بلعبة الحرب بعد المدرسة، وحماسته القتالية ظاهرة بالمقلاع اليدوي (النقّيفة) التي يصوّب بها على أهداف من أوراق الصبّار الضخمة التي يحفر فيها وجوهًا بشرية يثقبها بالحجارة، أو بالمفرقعات النارية، قبل أن يعود فيشفق عليها ويضمّدها بالأشرطة اللاصقة. وإلى جانب صمويلي، ثمّة غوّاص يغامر بالنزول إلى البحر الذي بات مستودعًا هائلًا لجثث المهاجرين. وهنالك الطبيب بترو بارتولو، مؤديًا في الفيلم شخصيته الحقيقية، وهو الوحيد المتورّط في مأساة المهاجرين المتفاقمة، يستقبلهم ويعالجهم على الدوام، حتى أمسى ذاكرة الجزيرة الحية، شاهدًا على المأساة المدمّرة المستمرّة، وهو الذي يعطف على صمويلي، ويعالج نظره وقلبه الضعيفين. ونتابع تفصيل حياة صمويلي ذاهبًا إلى المدرسة، متناولًا الطعام مع عائلته، دائم التجوّل في الحقول، وعلى الشاطئ، وفي علاقته بأقاربه الصيادين، ومعاناته الدائمة من مشكلة إحدى عينيه التي تستدعي علاجًا ووضع غطاء على العين الثانية السليمة. مشاهد تبدو منفصلة عن موضوع الهجرة. ومثله الطبيب بترو، ووالد صمويلي الذي يعمل في البحر ولا يظهر كثيرًا، والجدة التي يعيش صمويلي معها ونراها تستمع إلى الإذاعة المحلية وهي تعدّ الطعام وتمارس طقوس الحياة اليومية البسيطة بدفء إنساني يجسّد استمرارية الحياة المحلية، وعم صمويلي الصياد الذي يبثّ الأغاني الشعبية والبرامج اليومية لسكان الجزيرة، فضلًا عن أفراد خفر السواحل والإنقاذ... عوالم متوازية نادرًا ما تلتقي، يكمن فيها سحر هذا الفيلم الخفي، الذكي، المؤثّر، الحقيقي جدًا والإنسانيّ بامتياز، مع صدق مذهل شديد التأثير في المتلقّي الذي تصله العبرة والمأساة من غير افتعال.
"أنا القبطان" نقيضًا
الافتعال سمة فيلم ماتيو غاروني "أنا القبطان" الذي يمثّل نقيض تجربة "حريق في البحر" الآسر في منحاه الواقعيّ الصادق. نحن هنا إزاء ما يشبه الميلودراما التي تنشد تحريك المشاعر والانفعالات، بأسلوب روائيّ لا يتجنّب "الشطحات" الخيالية، ولا حتى الجماليات المشهدية التي تتيحها موازنته الإنتاجية المرتفعة (11 مليون يورو). وعلى العكس من شريط روزي البسيط إنتاجيًا، والغنيّ شكلًا ومضمونًا، ينحو "أنا القبطان" نحو الملحمية المشهدية بين الصحراء والبحر، حيث يدور ثلثا الفيلم، فيما يدور الثلث الأول في مجتمع سنغاليّ فقير وبائس نتعرّف فيه إلى الشابين الفتيين "سيدو" وابن عمه "موسى"، اللذين يحلمان بالهجرة إلى أوروبا (إيطاليا تحديدًا) رغم الأخطار التي تكتنف رحلتهما، بدءًا بالصحراء الكبرى نحو ليبيا، ومن ثم البحر الأبيض المتوسط، بلوغًا إلى شواطئ صقلية. والتركيز الروائيّ في الفيلم (من دون أي اعتبار يذكر للحقيقة إلّا الوقائع النمطية المعروفة) هو على المغامرة وتحدّي القدر المحتوم، فتبدو الرحلة بذلك، مهما تكن مأساوية، نابضةً بالتصميم والعزيمة الكبرى والإحساس بالقوة والشجاعة. ومن الواضح أن غاروني شاء فيلمًا يرضي جمهورًا عالميًا واسعًا، رواية على نحو خطّي (Linear)، حكاية مؤثرة عن الهجرة ذات بنية روائية تقليدية، أي بداية ووسط ونهاية، مستلهمًا قصة حقيقية حدثت لمهاجر من ساحل العاج وصل إلى إيطاليا قبل خمسة عشر عامًا بعد تعرّضه للسجن والتعذيب طوال أربعين شهرًا في مخيم ليبيّ، ومن قصة أخرى لفتى في الخامسة عشرة (تقريبًا من عمر بطلي الفيلم) فُرض عليه (مثل "سيدو") أن يقود مركبًا للمهاجرين يقلّ 250 مهاجرًا، فتحمّل هذه المسؤولية الكبيرة رغمًا عنه، هو الذي لم يقد مركبًا في حياته. وبعدما أفلح في المهمة ووصل بالمركب المزدحم إلى الشاطئ الإيطالي احتجزته الشرطة بوصفه مهرّبًا للبشر وسجن لأشهر عدة.
مرحلة ما بعد الوصول لا يتناولها فيلم غاروني البتة، فالقطع النهائيّ لديه ينتهي مع إطلاق «سيدو» مرات عديدة صرخة "أنا القبطان" فَرحًا بإيصاله المركب والمهاجرين على متنه سالمين، بعد الرحلة القاسية والمأساوية في الصحراء الليبية، حيث اللصوص وعصابات الأسر والسلب والقتل، ثم في البحر لليالٍ ونهارات طويلة مليئة بالخوف من غدر اليمّ الهادر. لا ينزل سرد غاروني إلى البرّ الإيطالي، كي لا يدخل في متاهة الإجراءات القانونية المنتظرة لـ"سيدو" و"موسى" وباقي المهاجرين، فهذا للمناسبة هو موضوع فيلم آخر مميّز للمخرج الإيطالي (أيضًا!) جوناس كاربينيانو/ Mediterranea (2015) عن حياة مهاجرين من بوركينا فاسو يضمحلّ حلمهم بـ"فردوس الهجرة" بمجرّد أن تطأ أقدامهم أرض المجتمع الإيطالي، ويكتشفون حجم الشقاء في العمل، وفداحة العنصرية، وظروف الإقامة، وتعلّم اللغة، وواقع أقرانهم من المهاجرين، ومن المهاجرات اللاتي يتعاطين البغاء ليكسبن قوتهن... هذا الفيلم الجيّد، ذو الكاميرا المحمولة على الكتف، المتحرّكة طوال الفيلم (على نحو يذكرنا بسينما الأخوين داردينّ) يستحقّ الإشادة والتنويه، لكنّه لا يندرج في النظرة المقارنة التي أردتها حصرًا بين فيلمي روزي وغاروني.
فيلم غاروني "أنا القبطان" ليس مقنعًا تمامًا بسبب إفراطه باللامعقولية (من الصعب تصديق مغامرات الفتيين "سيدو" و"موسى")، وانغماسه بسيل العواطف والجماليات المشهدية، خاصة للصحراء، ما يجعل الفيلم أقرب إلى السينما الهوليوودية منها إلى السينما الأوروبية. وثمّة مبالغة في مشاهد الأحلام التي لا لزوم لها، كمشهد طيران المرأة العجوز البدينة التي انهارت في الصحراء وحاول "سيدو" مساعدتها وفشل ثم عاد ليحلم بأنه أمسك بيدها وهي طائرة في الهواء. كذلك مشهد المشعوذ العجوز و"ملاكه" المضحك. "ولدنات" سينمائية لا تليق بمخرج "دوغمان" وغيره من الأفلام الجيدة، مثل "غومورا" الواقعي عن المافيا. ينأى في "أنا القبطان" عن واقعية تميّز بها، قبل دخوله عوالم "بينوكيو" مع روبرتو بينيني محرّكًا خيوط الدمية الشهيرة، أو عالم الخيالات السوريالية في "حكاية الحكايات". مخرج قدير، مهنيّ بارع، يؤسف خروجه من الخط الواقعي إلى آفاق الخيال الشعبي. علمًا بأنه كان يملك عند إنجاز "أنا القبطان" نيّة إظهار العنف الذي يواجهه المهاجرون خلال رحلتهم الملحمية، والعبودية الحديثة التي يتعرّضون لها، وقد أفلح في المقطع الخاص بالعصابات الليبية بخلق التأثير وبثّ القشعريرة، غير أن مبالغات الأجزاء الأخرى من الفيلم تُبطل مفاعيل هذا المقطع الخاص، مع الإقرار بأن المخرج غاروني مدير بارع جدًا للممثلين، ويحسن اختيار الوجوه الأساسية والثانوية، وهو متمكّن جدًا من لغته السينمائية التي جلبت له تقديرًا وجوائز.
يتقدّم "حريق في البحر" حتى اليوم على سائر الأفلام التي تعالج قضايا المهاجرين (بحرًا في شكل خاص) ومآسيهم الكثيرة. صدق ورهافة لا تقارن بهما أي تجربة، أو معالجة سينمائية أخرى، في انتظار ما سيأتي بعد من معالجات إضافية عن المأساة التي لا تني تتجدّد فصولها حينًا بعد حين، طالما أن بلدانًا وقارّات بأسرها ما انفكت غارقة في البؤس والعوز والانشداد إلى أحلام الهجرة باتجاه «العالم الغنيّ» وأوهامه، وطالما أنّ العالم ما برح مقسومًا بين جنوب فقير وشمال غني لن تتوقف محاولات الهجرة وأحلامها الموهومة، وستظلّ السينما ترصد قصصها ومآسيها.


تحميل المقال التالي...