شكّل عرض مسرحية" العمّ فانيا" للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف الحدث الأبرز في الموسم المسرحي الذي تشهده العاصمة الدانماركية كوبنهاغن في الوقت الحالي. تولّت فرقة المسرح الملكي الدانماركي إنتاج المسرحية، بينما أُسنِد الإخراج إلى الليتوانيّة يانا روس، لنشهد مسرحيةً بروح دانماركية تدور أحداثها في الريف الدانماركي المعاصر. ومع ذلك، يرى النقاد أنّ المسرحيّة حافظت على نصّ تشيخوف، وجاءت وفيّةً لروحه.
الصورة المفتاحيّة لفهم هذا العمل المسرحي، الذي يتّسم بالحيويّة والذكاء، ويضجّ في الوقت نفسه بالدراما، تمثّلت في مجسّم ضخمٍ لفيلٍ ينزل فجأةً لثوانٍ عدّة فقط في منتصف العرض من منصّة التعليق (fly loft) في القسم الخلفي من المسرح. ولكنّ المجسم يرفع بسرعةٍ كبيرة إلى أعلى، الأمر الذي يترك انطباعًا لدى المشاهد وكأنّ ذلك قد حدث نتيجة إهمال العاملين خلف الكواليس.
بالطبع، لم يكن ذلك خطأ عفويًّا، بل كان بمثابة "ضيف ضروريّ" على الإنتاج المسرحي، ربما ليكون "قافيةً بصرية" للجملة الشهيرة التي ما فتئ يرددها الدكتور أستروف (يقوم بالدور مادس رومر، وهو رجلٌ عانى كثيرًا من شظف العيش) بشأن "حرارة شمس أفريقيا اللافحة"، وليكون هذا الفيل بذلك كنايةً عن "الأدغال المنزليّة" التي تتيه فيها شخصيات تشيخوف، أو ببساطةٍ ليكون تذكيرًا بأنّ مسرحيات الكاتب الروسي الكلاسيكي تحتوي قدرًا من الكوميديا و"الغرائبيّة المسرحية" لا تقلّ، في حالٍ من الأحوال، عمّا تحتويه من رؤى رقيقة وشجيّة حول حقائق الحياة اليوميّة العاديّة.
بالحديث عن الحياة اليومية، فإنّ الأحداث التي أبدعتها المخرجة يانا روس تدور ظاهريًّا في الدانمارك المعاصرة، ولكنّها تكاد تخلو من الراديكاليّة، أو التمرّد الثوريّ، الذي قد يتبادر إلى الذهن بمجرد قراءة تلك الكلمات.
على الرغم من أنّ نصّ تشيخوف الأصلي لم يسلم تمامًا من التغيير، ولكنّه مع ذلك لم يعامل كنصّ مقدّس لا يجوز المساس به. وقد حدث ذلك مراتٍ عديدة في المسارح الأوروبية التي تعرض أعمال تشيخوف بكثرة. الأمر نفسه حصل مع إنتاج مسرحية "العمّ فانيا" من قبل المسرح الملكي الدانماركي، حيث جرى دمج حوارات المربيّة العجوز ماريا فاسيليفنا. كما أنّ شخصية تيليجين، الذي كان يلقّب أصلًا بـ"كعكة الوافلز" (نوع من الحلوى الغربية) قد أصبح يلقّب في العرض الدانماركي بـ"طبق بيتزا"، ومُنِح دورًا أكثر ثراءً وجاذبيّة بكثير عمّا كان عليه الأمر في النصّ الأصلي. إلى جانب ذلك، وبهدف توفير دخولٍ إضافيّة، ارتأى القائمون على المسرحية في كوبنهاغن استقدام سيّاح من أنصار البيئة إلى ضيعة عائلة فوينيتسكي الدانماركيّة الفقيرة، فكانوا ضيوفًا سرعان ما شعر سكّان الضيعة تجاههم بالملل والسأم الشديدين.
قد تكون الدانمارك بلادًا جميلة، وربما مثاليّة، غير أنّ محيط الشرفة، التي يقضي فيها أبطال مسرحيّة "العمّ فانيا" أوقاتهم، تخيّم عليه أجواء من الكآبة والوحشة تحمل طابعًا روسيًّا خالصًا. على سبيل المثال، تعشق إيلينا أندريفنا الفساتين الفاخرة، والأحذية الراقية النظيفة. ولذلك، ولضمان عدم اتساخها، فقد تمّ تهيئة ممرات خشبية خصيصًا لمرورها، وحينما تبيّن أنّ الممرات لا تكفي وحدها لتحقيق المطلوب، يستلقي تيليجين (وافلز أو بيتزا) على الأرض، جاعلًا جسده جسرًا تعبره زوجة البروفيسور المتقاعد سيريبرياكوف كي لا تلامس ثيابُها وحذاؤها الأرضَ الطينية.
في الدانمارك، يُنظر إلى الحياة الخاصّة بقدرٍ كبير من التبجيل، وتحاط بكثيرٍ من السريّة. وتعدّ العزلة وضبط المشاعر قيمًا راسخة يحرص المرء على تنميتها. ومع ذلك، تعمّدت المخرجة يانا روس كشف الستار عن الحياة الحقيقيّة التي تعيشها شخصياتها، بل وقامت بتضخيمها. هذا الأمر جعل مسرحية "العمّ فانيا" تشبه بشكلٍ لافت مسرحية "إيفانوف": فعلى الرغم من أنّ قائمة الشخصيات في مشاهد الحياة الريفية تلك تبدو أقصر من القائمة في نصّ أنطون تشيخوف الأصلي، إلا أنّ هذه الشخصيات هنا تعيش معًا في شرفةٍ غير مريحة، حيث يجلس الأشخاص متقاربين بشكلٍ خانق، فيجبرون أن يكونوا شهودًا دائمين على أمورٍ لا شأن لهم بها، ولا يحقّ لهم رؤيتها أصلًا. في هذه الزحمة المزعجة، لا يستطيع المرء أن يحظى بلحظة واحدة من العزلة والانفراد، سواءً مع ذاته، أو حتى مع شخصٍ يحتاج أن يبوح له بمكنونات قلبه. ففي لحظةٍ ما، ستضبط سونيا والدها وزوجته في وضعٍ حميميّ، أو قد يغفو أحدهم مباشرةً على الطريق، أو ربما يجلس آخرون إلى المائدة لفترةٍ أطول مما يرغبون، من دون أن يجدوا شيئًا ذا بال يفعلونه، وذلك على الرغم من أنّ سونيا (تؤدي الدور الممثلة الشابّة ماتيلد أرسيل) تبدّل ثيابها بملابس العمل في محاولةٍ عبثيّة لتقوم بشيءٍ مفيد. غير أنّ كل هذه الأفعال تبدو عبثيّةً، وفي غير محلّها، وكأنّ آلية الترابط البشري قد تعطّلت بالكامل، وراحت تدور في الفراغ.
هنا، وفي هذه الأوضاع، يبدو أنّ يانا روس تحاول تجسيد أشهر المواقف المحرجة التي أبدعها تشيخوف، وهو وصول العمّ فانيا وفي يده باقة زهور، بينما كان أستروف يقبّل إيلينا أندرييفنا (التي كان العمّ فانيا يعشقها سرًّا).
يجسّد الممثل نيكولاس برو دور العمّ فانيا في كوبنهاغن ببراعةٍ فائقة، إذ يبدو في دوره وكأنّه يحمل في ذاته منذ البداية شعورًا بأنّ "الحياة قد ضاعت"، من دون أن ينطق هذه العبارة البائسة التي تعلنها الشخصيّة الرئيسية. كما أنّ هذا الأحمق المضطرب لا يملك مسدسًا للانتقام من سريبرياكوف، ولكنّ فوينيتسكي يتّكئ بكلّ ثقله على البروفيسور أستروف الثرثار، فيخنقه حرفيًّا، لدرجة أصيب هذا المتشدّق بتاريخ الفنّ ليس بالذعر فحسب، بل ولحق به أيضًا أذى جسديّ خطير: في الفصل الرابع، يغادر هذا الرجل المصحّ العقليّ والجبيرة لا تزال تطوّق عنقه.
لا يمكن القول إنّ أبطال المسرحية لا يحاولون أن يحلموا، أو أن يعملوا على مواجهة هذا الواقع الفارغ من كلّ معنى. فها هو أستروف، الرجل الذي أنهكته الحياة، يظهر كراعي بقر لا يأبه بالحياة. في الفصل الأخير، تستبدل الشخصيات الملابس التي يرتدونها في حياتهم اليومية الحالية ببدلات داكنة من ماضٍ افتراضيّ.
كلّ الأحلام ومحاولات الهروب محكوم عليها بالفشل. وفي هذا الصدد، تبدو ردّة فعل بعض النقاد الدانماركيين مثيرة للاهتمام، فقد شعروا بخيبة أملٍ جزئيّة بسبب إخراج يانا روس، التي رأوا أنّ أسلوبها الرصين والساخر والتحليليّ قد حرم الجمهور من "روح تشيخوف". ومع ذلك، هنالك انطباع بأنّ كثيرين في الدانمارك يرون في تشيخوف ملاذًا عاطفيًّا، فهم يسامحونه إن فعل أشياء لا يحبونها، مثل الهروب بشكلٍ مباشر من "الواقعية الاجتماعيّة"، وهو أمرٌ لم يكونوا ليغفروه لأيّ كاتب معاصر.


تحميل المقال التالي...