لعلها فرصة مناسبة للدكتور منتجب صقر، مخرج مسرحية الممثِّل الواحد (الليلة التي سبقت الغابات La Nuit juste avant les forêts) للكاتب المسرحي والمخرج السينمائي الفرنسي برنار ماري كولتيس (1948–1989) على مسرح دار الأوبرا السورية، ليطرح وجهة نظر عميقة ومعمَّقة لما أثارته الحرب/ الثورة السورية التي قامت في آذار/ مارس 2011، والتي دفعت ملايين السوريين إلى الهجرة والتشرُّد داخل سورية وخارجها، وهم يلعنون الحرب. فالبطل كما في النص الفرنسي قبل إعداده السوري يقف في زاوية شارع والمطر ينقر رأسه، وهو يطرح على المارة - إذا لم يكن يهذي- أسئلةً عن الوجود وعدمه، وعن رغبته في التواصل مع الناس، ربَّما لأنَّه لا يريد أن يتحوَّل إلى إرهابي وليأسه من لا جدوى الحياة طالما أنَّ الأقوياء يغتصبونها. في حين أنَّه في العرض يتَّخذ من ورشة إصلاح السيارات ملجأً بدلًا من "الغابات وسلسلة جبال لاس سيغوفيا" التي كانت القاعدة ونواة ثورة حركة التحرير الوطنية للثورة الساندينية في نيكاراغوا، والتي أسقطت نظام الديكتاتور سوموزا (1925–1980)، والتي كانت الدافع على ما أظن لبرنار ماري كولتيس لكتابة هذه المسرحية.
المخرج السوري صقر لم يأخذ بالأسباب التي دفعت كولتيس إلى كتابة المسرحية، وهي أسباب مناسبة لينشر غسيل الحرب السورية الوسخ التي تجاوز ضحاياها المليون إنسان في غرف التعذيب والمعتقلات والضرب بالبراميل.
المسرحية (45 د) وإن اعتُبرت من "مسرح ما بعد الدراما"، وهو مسرح أو اقتراح شكلاني جاء في فترة ما بعد الحداثة، يُلغي الصراع (الحبكة الأرسطية)، مستعيضًا عنها بصورة من إيماءات وإشارات بصرية حركية، ومن موسيقى ومؤثرات لونية وصوتية، متخليًا عن المؤلِّف الأدبي، إلا أن المخرج حافظ على النص وأجرى تعديلًا؛ فكنَّا مع أداء بصوتين لمشردين بدل الصوت الواحد؛ مع حوار ثنائي "ديو دراما" وباللهجة السورية بين الرجل الممثل: غسان الدبس والمرأة الممثلة: رشا الزغبي. موسيقى ومؤثرات: أحمد محمود، إضاءة: جواد أبو كرم، سينوغرافيا: سهى العلي.
ففي كراج سيارات يجتمعان؛ رجل طحنته قسوة الضمير لأصحاب الثروات الذين يستعبدون الناس فيحكي عن آلامه، وامرأة عانت من عنف المجتمع الذكوري متمثِّلًا في قسوة أبيها عليها، ممَّا دفعها إلى الهرب والتشرُّد، فتتفق معه على تشكيل "نقابة دولية للمتشردين"، ويبدآن حكيهما تحت زخات المطر في مخاطبة المتفرجين؛ الممثل غسان الدبس في أدائه حاول أن يدخل إلى أعماق الشخصية، ومن ثم يخرج ألمها. قد يبدو متحمسًا مع شيء من خطابية في أدائه، ولكن ليعود إلى الطبيعة، ومن ثم إلى تقليد مشاعرها صوتيًا وحركيًا كأنه هو المشرَّد، فيما كانت الممثلة رشا الزغبي تقوم بتحقيق، أو الوصول إلى شيء من التجلي.
المتشرد في المسرحية يعيش معاناة شعورية عن لا عقلانية النظام العالمي المتوحش، والذي يعمل على تيئيس الإنسان. ماذا يفعل؟ يركض أو يعدو، وتحت زخات المطر ليس هربًا، ولكنها المواجهة بين لا عقلانية الشعور مع عقلانية التجريد، فالركض في النص هو حامل تعبيري عن رفض البطل للموت وإلا انتحر. وكلامه وثرثراته إنما للدلالة على أنه لن يسكت، ولن يبتلع لسانه. والإنسان في هذا العالم الضيق أخلاقيًا على اتساعه مكانيًا ليست قوته فيما يملك من ثروات، بل فيما ينتمي ويحمل من أفكار. فالبطلة/ الظل الممثلة رشا الزغبي تعبِّر عن نقائها، وتدافع عن أخلاقها: "ناس ما فيها تحكم، ما فيها تعيش. أنتم فكَّرتُموني جاي أسرق. بس أنا ماني حرامية". المرأة هنا تدافع وتنتقد من يصادر إرادتها ويفسر أفعالها بحسب مصالحه، فلا جبر، بل اختيار؛ حتى لا تعيش حالة الاغتراب الكينوني فتحقق شيئًا من ذاتها. فهي ليست حرامية/ سارقة، إنما لتكشف عن شريعة الغاب، وعن غابة بدائية وحشية رغم ادعائها (التمدن)، وقد تم زجّنا فيها لنعيش في سراديب الممنوع والمحرَّم والمقيَّد.
لا أعرف إذا كان المخرج منتجب صقر في هذا العرض "الليلة التي سبقت الغابات" يتفرج مثلنا على أداء الممثلين وقد خرجا على تلقينه الذي كان شكلانيًا، تلقين لم يلامس الجوهر، وهي حالة اغتراب الشخصية كما في النص -النص الذي يحمل آراء فلسفية وسياسية من لا عقلانية الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها غصبًا وقهرًا؛ إذ أن النص يقيم نزاعًا مع المبادئ الأخلاقية لعالم ما بعد الحداثة، الذي شيَّأ الحياة وأهدر القيم الإنسانية. ثم إن هناك فلسفة جمالية لكل مخرج؛ من اختياره للنص ورسمه لمخطط التشكيل الحركي، إلى توزيع الأدوار للممثلين، وتصميم الديكور، والملابس، والإضاءة، والموسيقى. وهذا ما كنا نتوقع أن نلمسه في هذا العرض، فالمسرح السوري خاصة بعد عملية "الفتح المبين" كمن دخل في حالة احتضار، وأغلب العروض على مسارح دمشق وحلب وحمص واللاذقية "قص ولصق"، وإعادة إنتاج الملل والبؤس والجهل والعمى. نحن الآن في سورية؛ وبعد حرب الـ 14 عامًا؛ نعاني نقصًا مرعبًا في رجال المسرح من أصحاب الرؤى "النهضوية التحررية التنويرية"، فيما عندنا فائض كبير من موظفي المسرح باختصاص مسرحة الفساد وإفساد الحياة، وهناك من هرب بعد الحرب وصار يشكو فقره وقد نهب ما نهب، وهناك من كوَّع. ولو عدنا إلى أوروبا التي خرجت من الحرب الثانية مكسورة وجريحة؛ لوجدنا أنها استطاعت أن تعوّض خسارتها، فظهرت فيها عبقريات مسرحية، وشاهدنا معامل ومخابر مسرحية غيرت خريطة الثقافة في العالم.


تحميل المقال التالي...