ربما تكون أقدم تلك الصور التي تمثّل المادونا تعود إلى العصور المسيحية الأولى، التي عُثر عليها في مقابر دُفنت عميقًا تحت الأرض. في العصر البيزنطي، ظهرت صورٌ لمادونا، أصبحت نموذجًا احتذى به الفنانون وصولًا إلى القرن الثالث عشر ميلادي. أمّا في عصر النهضة، فقد أدخل الفنانون أسلوبًا جديدًا على أعمالهم عند تعاملهم مع موضوع السيدة مريم العذراء ويسوع الطفل. تضمّن الأسلوب الجديد عنصرًا إضافيًّا تمثّل في إدخال بعض المناظر الطبيعية أو الحياتية على خلفية اللوحات. وكان الرسّام جيوفاني تشيمابو أوّل من قرّر التخلّي عن تقليد الأشكال البيزنطية عديمة الحركة، وبدلًا من ذلك أدخل العناصر الطبيعية على خلفية لوحات المادونا.
مع الوقت، أصبحت لوحة "مادونا والطفل" موضوع الفنانين المفضّل في الحقبة الأخيرة من عصر النهضة. في تلك الفترة، أبدع الفنانون لوحاتٍ رائعة للمادونا، برز منهم، على وجه الخصوص، الرسّام الإيطالي الشهير رافائيل الذي أبدع أعمالًا كثيرة محورها المادونا، فكانت أفضل أعماله على الإطلاق. من تلك الأعمال، لوحة "مادونا على المرج"، ولوحة "سيستين مادونا"، التي تُحفظ اليوم في متحف دريسدن الألمانية، والتي رسمها رافائيل لتزيّن خلفية كنيسة سان سيستو في بياسينزا في إيطاليا. تصوّر هذه اللوحة السيدة العذراء، وهي تحمل يسوع بين يديها، بينما يجثو في أحد جوانبها البابا سكستس الثاني وهو يصلّي، في حين تجثو القديسة باربرة على الطرف الآخر، وفي أسفل الصورة يظهر طفلان وقد مالا إلى أمام.
في روسيا الاتحادية يستضيف معرض بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو مشروعًا فنيًّا فريدًا بعنوان "مادونا عصر النهضة"، تُعرض فيه أربعة أعمال من أعمال مشاهير فترة النهضة تعود ملكيتها لأفراد من جامعي التحف. قرّرت إدارة المشروع عرض المجموعة بمعدّل لوحة واحدة، كل أسبوعين. تتيح فكرة عرض لوحة واحدة كل أسبوعين لزوّار المعرض أن يتأمّلوا بهدوء ورويّة ذاك المزيج البديع الذي يجمع بين تقاليد العصر البيزنطي الرصينة، وبين دفء النزعة الإنسانية التي ميّزت عصر النهضة. من زاوية أخرى، يمكن اعتبار المعرض نموذجًا في حدّ ذاته، يرسم الطريق لمتاحف أخرى، تتمكّن من خلاله من تجاوز الصعوبات التي يشهدها العالم والنجاح في تنظيم معارض رائعة.
يتميّز أسلوب "المعرض الفردي" آنف الذكر بسحرٍ خاصّ، لا سيّما في عصرنا المتخم بالمعلومات مما يجعل المرء يشعر أحيانًا، بمجرد عبوره مدخل المتحف، بما يمكن تسميته بـ"إرهاق المتاحف". فالمعارض التقليدية تربك الزائر الذي يجد أمامه عشراتٍ أو حتى مئات من الأعمال الفنيّة التي يودّ مشاهدتها، الأمر الذي يتطلّب منه قدرًا كبيرًا من الجهد البدني لاستيعابها جميعًا. في هذا السياق، يوفّر معرض بوشكين، بعرضه اللوحات إفراديًّا، للزائر ولهواة الفنّ، الفرصة الكافية لخوض تجربة مثيرة، أشبه ما تكون بعملية "التخلّص من السموم"، أو أقلّه الاستمتاع باستراحةٍ ذهنيّة هادئة.
لا تضمّ المتاحف الروسية سوى لوحتين فقط من لوحات عصر النهضة، وكلتاهما محفوظتان في متحف الإرميتاج في سانت بطرسبورغ، وهما: لوحة "مادونا لينا" ولوحة "مادونا بينوا". ولسدّ هذا العجز، تلجأ المعارض الروسية، من حينٍ لآخر، إلى التعاون مع المؤسسات الرسمية الغربية لتنظيم معارض خاصّة بموضوع "العذراء وطفلها". ولكنّ الأوضاع السائدة في العالم تسبّبت للأسف بوقف برامج التبادل الفنيّ بين المتاحف الدولية. وللخروج من هذا المأزق، عاد إلى الواجهة دور جامعي الأعمال الفنيّة من القطاع الخاصّ، الذين قدّموا المواد والأعمال الفنيّة اللازمة لإنجاح مشروع "مادونا عصر النهضة" في متحف بوشكين. في هذا المعرض، أوكلت مهمة تنسيق مشروع العرض للسيدة فيكتوريا ماركوفا، كبيرة باحثي معرض بوشكين، التي سبق لها أن نظّمت عام 2014، وبالتزامن مع أعياد الميلاد التي يحييها المسيحيون الكاثوليك، معرضًا ضمّ روائع من عصر النهضة تعود ملكيتها لمؤسسات إيطالية. عرض ذاك المعرض أربع لوحات "المادونا" في قاعةٍ واحدة.
في المعرض الحالي، قرّرت ماركوفا أن تعرض في الفعالية الأولى لوحة "المادونا مع طفلين"، وهي لوحة تُنسب لأحد تلامذة ليوناردو دافنشي. أمّا لوحة "المادونا والطفل" للفنان جيوفاني بيليني من البندقية، فبإمكان الزائر أيضًا أن يمتّع ناظريه بمشاهدتها على مدى أسبوعين كاملين. بعد ذلك، جاء عرض أعمالٍ كلٍّ من الرسّاميْن: لوكا سينيوريلي وفرانشيسكو غراناشي. تصوّر جميع هذه الأعمال السيّدة العذراء والمسيح الطفل، وهما موضوعان يحظيان بأهميّة كبيرة في فنّ أوروبا الغربية.
لوحة "المادونا مع طفلين"، هي لوحة تصوّر المادونا مع الطفلين: المسيح ويوحنا المعمدان. يمسك الطفل المسيح بيده طائر الحسّون- في إشارةٍ رمزية إلى آلام المسيح، بينما يعانق يوحنا الطفل حملًا صغيرًا، في إشارةٍ إلى تضحية المسيح. ونظرًا لعدم اليقين بشأن مؤلّف اللوحة، فقد أُشير بحذرٍ إلى ذلك بعبارة: "عملٌ من ورشة ليوناردو دافنشي"... في وقتٍ ما، كانت لوحة "مادونا والطفلين" تُدرج في المجموعة المنسوبة إلى ليوناردو دافنشي، ولكن تبيّن فيما بعد أنّها من عمل أحد تلاميذه. وبالفعل، كان كثيرٌ من الفنانين الشباب، متفاوتي الموهبة، يتتلمذون على يد دافنشي في ورشته. كما تشير اللوحة التعريفية بوضوح إلى أنّ رسمًا تحضيريًّا فائق الدقّة كان قد اكتُشف تحت طبقات الطلاء، وأنّه من المحتمل أن يكون الرسم الأولي قد نُفّذ على يد دافنشي نفسه، أمّا اللوحة نفسها فقد أُنجزت على أيدي تلامذته. ربما لهذا السبب، يشهد الوسط الفنيّ بانتظام نقاشات كثيرة حول عائديّة الكثير من أعمال دافنشي، وتعدّ قصّة لوحة "مخلّص العالم" للرسّام سلفادور موندي، التي بيعت بملايين الدولارات، مثالًا بارزًا على ذلك.
كما أُشير سابقًا، فإنّ من بين اللوحات المعروضة، لوحة للفنان جيوفاني بيليني بعنوان "المادونا مع الملائكة الصغار" أو Cherubim التي جاءت من معرض الأكاديمية "dell'Accademia Gallerie" في البندقية. تتميّز هذه اللوحة بألوانٍ عميقة وصارخة تجعلها مشبعة بأجواء البندقية. فاللوحة تشعّ رقّة ودفئًا إنسانيًّا، وهي سماتٌ تتوفّر بغزارةٍ تفوق بكثير ما نراه في أعمال أسلاف بيليني التي طُبعت بسماتٍ بيزنطية صارمة ومهيبة.
بعد زيارة مثل هذه المعارض، يدرك المرء أنّه ليس من الضروري أن يرفع ناظريه إلى الأعلى ليرى تجلّيات الجمال الإلهيّ، وأنّ كلّ ما عليه فعله أن يتأمّل الأشياء من حوله ليكتشف أنّ هذا الجمال يظهر بجلاءٍ في أكثر الأشياء بساطة أيضًا.


تحميل المقال التالي...