الخوص، وبمجموعة من طلاب الدبلوم الخامس للتمثيل بإشرافه، وبتمثيلٍ جماعي/ بطولة جماعية من: أحمد عيسى، حسام حسن، حمزة بجبوج، راما حمدان، سلمان حرفوش، ساندي خليف، صفاء سليمان، غالية الكلاس، كريم مخول، نشأت الحصان، وئام صيموعة، هويدي الهويدي... وآخرين، يقدِّم موقفًا لمثقَّفٍ مسرحي يكسر فيه لحظة الانتظار الفلسفية ليقبض على الذي يأتي ولا يأتي (الذي يجيء ويذهب قبل أن نمسك به) كما تقول إحدى النساء اللاتي يُقيِّدهن ويُؤلمهن هذا الانتظار؛ أو نموت أو نحيا. وهذا ما يذهب إليه المُخرج الخوص في مسرحية "أيُّ وهمٍ أنت". هو قام بكسر جدار الخوف والترقب والانتظار، لأنه يجب أن ينهار ويسقط بعد أن تعاظمَ وقَوِي. حركة الممثلين كأنها الجدار/ برج الرعب الذي يحاول المُخرج هدمه. فمنذ اللحظة الأولى للعرض، وليس عن عَبَثٍ، أن تقوم (فيروز) وبلهجةِ المُستاء من الوعود الكاذبة والخيانات تراها تعاتبنا، ومن ثمَّ تزجرنا وتنهرنا متأسِّفة على ضياع الزمن مُغنيةً: "أنا يا عصفورة الشجن أيُّ وهْمٍ أنتِ عِشتُ به- كنتِ في البالِ أو لمْ تَكُنِ؟". يجب أن يُهدمَ جدار الوهم، فعنفُ الواقع؛ الأفعال القمعية، الأفعال الإرهابية التي تُمارس علينا باسم الحرية والديمقراطية والحرب والسلام والشورى؛ لا تليق بإنسانيتنا. ف: (الحقيقة واقفة بنص الشارع وما حدا سلَّم عليها- بكرا جاي بس اليوم مو جاي... لإيمتا بدنا نضَّل ناطرين)؛ أسئلة قاسية، مع أنَّنا لسنا مُصابين بمرض الفصام الإرادي/ القصدي، ولا بمرض الفصام اللاإرادي/ الشيزوفرانيا. فيُحْجَر علينا، ونعيش في هذا المصح الذي يبدو أنَّنا لن نتعافى فيه، والذي اسمه سورية. دراما نفسية، دراما عبثية، فنرى الحقيقة عارية، نرى فعلًا تراجيديًا يتنامى تصاعديًا فيما يتنامى معه الوعي السؤالي عن المصير الذي ستذهب إليه سورية: (إذا مِتْنا كلنا مين بدُّو يدْفِنَّا؟).
الخوص في إعداده لنص صمويل بيكيت ينتقد؛ بل ويكسر تقاليد الخنوع للحاكم، فيخرج البطل عنده- العرض من بطولة جماعية؛ في وقفة شجاعة فيهدمون هيكل الخوف، ويقشرون جلد الطاغية الذي سرق منهم الوطن، وحوَّلهم من طاقة فعَّالة في مواجهة التخلف والجهل والاستعمار وإسرائيل، إلى قطعان أغنام ما عليها إلا الطاعة. بل وإن دعا الحاكم – وهذه سياسة كل الأنظمة البوليسية – لأن يأكل الناس/ كفارًا ومؤمنين بعضهم البعض؛ فيفعلوا، فترى المجموعة وهي في حالة ذعر: (لحم؟؟ بشر عَمْ بياكلوا لحم، بشر بيقتلوا الناس لا يأكلوا لحمهم، مين عَمْ يأكل لحم مين؟). الخوص يوجه ضربة قاسية للمسرح السوري، ولمسرحييه من المخرجين والمؤلفين الرسميين الذين حولوه في سنوات الحرب إلى سلعة ارتزاقية، حولوه إلى لحم. وذلك حين يُصعِّد من غضب أبطال عرضه، فيرينا تراجيديا سورية لأوَّل مرَّة منذ 15 سنة؛ تراجيديا صادمة شكلًا ومضمونًا لرحلة السوريين في المنفى الداخلي والمنافي الخارجية؛ ما يُذكِّرنا بمسرح يوربيدس (480 ق.م – 406 ق.م) الذي وقف ضد الأرستقراطية والأليغارشية اليونانية- فورطونا في حروبٍ دفعَ الناسُ ثمنها. لقد جعنا، وقبل أن نأكل لحمنا، كان هناك مَنْ يُخرِّب عشَّ أو بيوت النمل حتى يأكل القمح الذي يخزِّنه النمل تحت سطح الأرض. صورة مرعبة، صورة متهكِّمة، لا أخلاقية، صورة تكشف بشاعة وفظاعة وجودٍ يُزهرُ عدمًا قبيحًا. صورة كغيرها من الصور السوريالية التي يرينا إيَّاها الخوص على مدى 60 دقيقة، فيُشغِّل المعاناة والألم عندنا، وشخصيةٌ تُصاب بالذهول والخوف وهي تُشير قائلة: (الشمس عم بتغيب في البحر- عم بيدوبوها في البحر). صورة وإن كانت غير واقعية بإحساس الشخصية وتكشف عن رعبها، لكنها هنا شمس الوجود الأخلاقي والوجود الجمالي وهي تغرب، كأنَّ المُخرج يلعبُ معنا لعبة التدمير والهدم، ليستيقظ الوعي- وعينا بالحرية من وجودٍ زائف، وعن عجزنا في الدفاع عن وجودنا.
حق، عدالة، شجاعة، جمال. هذا ما يثيره عرض "أيُّ وهمٍ أنت"، فيكشف عن الشهوة الذئبية عند الإنسان- وعند الحاكم الذي حوَّل سورية إلى ديكتاتورية دموية، وذلك بأداءٍ نرى فيه صورة سورية التي تمَّ مسخها، وانفعلنا بأداء الممثلين، فحركات أجسادهم كانت تعكس فعل الغضب مقترنًا بفعل التهكُّم، بانضباطهم والتزامهم بشرطية العرض، وبتحررهم من القيود الوضعية للجسد فيزيائيًا ونفسيًا، فرأينا جسدين: جسد المؤلف الذي أعدَّه الخوص، وذاك الجسد الإيهامي الذي أقنعنا- بالنزاع التراجيدي الذي يضجُّ به العرض، مع أنَّه جسد رمزي. فكانت (صورة) بقدر ما فيها من عنف الواقع بقدر ما كانت تحمل رعشة الصورة التي تحبل برعشة الواقع. فمن عولمة بوليسية إلى عولمة جاهلية- تجاهلية لكل آلام السوريين. فنسمع ونرى في "أيُّ وهمٍ أنت" فساد الإرهاب وإرهاب الفساد السياسي والمعلوماتي والاقتصادي وحتى الكيميائي، وسورية اللاحدث الذي حدث؛ رعبٌ مقابل رعب، فنعيش ارتكاسًا نفسيًا صامتًا. لِمَ الصمت؟
قَتلة، مجرمون. لكنَّهم ودودون وطيبون. يعتقلون مائة ألف سوري، يشوونهم بالأفران أو يكبسونهم بالمكابس، لكنَّهم يعفون عن (واحد). كم هم متسامحون، وكم هم وطنيون، وكَمْ هُمْ بريئون. تراجيديا من صوت وصورة، فلا يواجه السوري مصيره بتلك العقلانية المستسلمة. فيما صوت طائر الغراب كنذيرٍ للشؤم: غاق، غاق، غاااااق. لقد طال الانتظار ولم يأتِ الذي يأتي: (هل أنت بكرا- أيْ غدًا- جاي؟ ليش مين قال لك أنو بكرا زلمة يا فهمان. منين جاي؟ من آخر نشرة أخبار، من آخر مؤتمر دولي، من آخر مجزرة قالوا عنها حادث مؤسف، من آخر مجاعة اعتبروها تحدي لوجستي. صرنا نسمي الخوف قلق، والجوع أزمة، والهزيمة إعادة تموضع، والكذب رواية بديلة. والحقيقة صارلها زمان واقفة بين القاتل والمقتول). سخرية وهزء واستهزاء بقيم الشرِّ والزيف والقبح بأداء صوتي كان فيه الممثلون يتسامون على المصيبة؛ فكشفوا؛ أو لنقل كشف فيه المخرج كل ما ينال من كرامة الإنسان الذي عاش حربًا ظالمة، فأخذ تهشيمًا وتحطيمًا بأوثانها حتى لا يخاف من الغد، لا يخاف من بكرا. فيسأل: (ليش بنخاف إذا إجا بكرا؟ يمكن ما في بكرا. وبلكي بكرا إجا بعد ما نروح؟ خليه يضل لحالو). الخوص يقيم جدلًا ما بين الراهن الكائن وما بين الماضي الذي كان، لكن لا مهادنة. فإذا جاء بكرا ولم يجدنا بانتظاره فليذهب إلى الجحيم. الخوص يرفض لحظة الانتظار لأنها لحظة عطالة معرفية، لا تبرير لعدم الوجود أو الغياب، لأن كل (بكرا) على السوريين كان جلابًا للموتِ والموتُ عدم، والمستقبل مرهونٌ بوجودنا وينعدم بموتنا، ما يكشف عن سمو الاندفاعات الروحية ونبل الأفكار والمشاعر عند المخرج الخوص الذي يرى المسرح حبل نجاة: (الكل كان ناطرين نهاية، ولمَّا إجت ما كانت نهاية، كانت استمرار لنفس الخوف والكذب ونفس السكوت، وهادا مجرَّد يوم جديد بيشبه اللي قبلو). إنها جدلية الحرية حين تشتبك ذروة اللحظة العقلانية بحقِّك في الحياة كلحظة مُجابهة، وبين ذروة اللحظة اللاعقلانية كلحظة صمتٍ يخترقها صوتان، صوتٌ يُحاسب ويُجرِّمُ نفسه متسائلًا: (كيف كان لنا قلبٌ فنترك ونمشي؟)، وصوت طلقات الرصاص الذي يحذر من وقوع السامي بفخ المنحط.


تحميل المقال التالي...