}

السينما المصرية في نصف عام: بين شباك التذاكر والمنصات

وائل سعيد 23 يوليه 2026
سينما السينما المصرية في نصف عام: بين شباك التذاكر والمنصات
رسم فيلم "القصص" صورة موسّعة للمجتمع المصري خلال عقدين

للوهلة الأولى، لا يبدو أن النصف الأول من عام 2026 قد حمل جديدًا للسينما المصرية؛ فعدد الأفلام الروائية الطويلة ظل ثابتًا عند أربعة عشر فيلمًا، وهو نفس رقم الموسم المقابل من العام الماضي. إلا أن الحراك المختلف، يظهر على مستويات أخرى؛ حيث شهدت طبيعة الإنتاج، والرهانات الفنية، إلى جانب خريطة المنافسة حالات متباينة، بدءًا من الإنتاجات العربية المشتركة التي نافست بقوة على شباك التذاكر، إلى استمرار الكوميديا بوصفها الخيار الأكثر ضمانًا، مرورًا بأفلام الجريمة والتشويق، وصولًا إلى تجارب محدودة مغايرة، قد تشير إلى لحظة تعيشها السينما المصرية حاليًا في إعادة ترتيب أولوياتها، حتى وإن بدا هذا الحراك بطيئًا ومتفاوتًا من فيلم إلى آخر.

بعيدًا عن تفاوت المستويات الفنية والفكرية للأفلام، تبرز ثلاث ملاحظات تستحق التوقف عندها، أولها، اتساع ظاهرة البطولات الجماعية من خلال تقديم نموذج للسينما التجارية متوسطة التكلفة، فيما جاءت المراهنات، على اختلاف موضوعاتها، موزعة وفق الخلطة المعتادة، التي تعتمد على فكرة خفيفة مطعمة بالمواقف الكوميدية بوصفها محركًا رئيسيًا للأحداث؛ حيث نتابع في "جوازة ولا جنازة" للمخرجة أميرة دياب، حفل زفاف ينقلب إلى سلسلة من المفارقات بعد وفاة مفاجئة تربك استعدادات عائلتي العروسين، بينما ينسج فيلم "الكلام على إيه... أول ليلة" لساندرو كنعان، في تجربته الروائية الطويلة الأولى، أربع حكايات متوازية لأزواج ينتمون إلى خلفيات وأعمار مختلفة.


كما يستعيد المخرج أسامة عمر عنوان فيلم شهير لداود عبد السيد في فيلمه "مؤلف ومخرج وحرامي"، بطولة أحمد فتحي، مي كساب، أسامة مغاوري. كذلك يغامر المخرج وائل إحسان بإعادة تقديم الفيلم الكوري الشهير "Parasite" للمخرج بونغ جون هو الحاصل على أربع جوائز أوسكار في دورة (2019)، ويتناول قصة أسرة فقيرة تتحايل على الاندماج داخل إحدى الأسر الغنية، يقوم بتجسيدهم في النسخة المصرية محمد سعد، غادة عادل، دنيا سامي، أسامة الهادي.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالممثل أحمد داود، الذي ينفرد بين أبناء جيله بخوض الموسم ببطولتين مطلقتين، من خلال عالمين مختلفين تمامًا؛ ففي الوقت الذي يتجه فيه إلى الدراما النفسية في فيلم "إذما" لمحمد صادق، يختار في "الكراش" إخراج محمود كريم مساحة أخف تمزج بين الرومانسية والكوميديا، وللمفارقة، طرح الفيلمان بفارق زمني قصير، ليتنافسا داخل نفس الموسم، في تجربة ربما لا تتكرر كثيرًا لنجم صاعد لا ينتمي إلى فئة نجوم الشباك.

والملاحظة الثالثة أن أكثر ما يلفت الانتباه هو استمرار ظهور محاولات سينمائية تبتعد عن القوالب التجارية المعتادة، والخلطات المكررة، وهي ظاهرة يتسع حضورها تدريجيًا خلال السنوات القليلة الماضية. يقدم فيلم "كولونيا" تأليف وإخراج محمد صيام حالة إنسانية خاصة بين أب وولده، يجسدهما كمال الباشا وأحمد مالك، بينما ينحاز فيلم "القصص" من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، إلى سينما أكثر هدوءًا وتأملًا، وتراهن على الفلسفة البصرية بقدر رهانها على الحكاية، لترسم صورة موسعة للمجتمع المصري على مدار أزيد من عقدين، بدءًا من نكسة (67) وحتى منتصف الثمانينيات، ذروة عصر الانفتاح والتحول المجتمعي.

معارك شباك التذاكر

على الرغم من أن فيلمي "أسد" و"7 Dogs"، قدما نموذجين مختلفين للتعاون المشترك بين مصر والسعودية؛ حيث ساهم صندوق Big Time السعودي في تمويل الأول، وإنتاج الثاني مستعينًا بنجوم مصريين، فإن المنافسة بينهما من الواضح أنها تناست هذه الشراكة، لتتحول على العكس إلى واحدة من أكثر معارك شباك التذاكر سخونة خلال النصف الأول من العام؛ فقد سبق "أسد" منافسه إلى دور العرض بأسبوعين تقريبًا، قبل أن يدخل "7 Dogs" السباق مسجلًا افتتاحية قياسية، ما زاد من اشتعال الموقف على السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، بين فرق وأنصار متباينة لكل فيلم.

يتطرق فيلم "أسد"، تأليف وإخراج محمد دياب، إلى طرح موضوع غير مألوف على السينما المصرية، لا سيما الحديثة منها، وهو العبودية أو تجارة الرقيق التي وجدت في مصر خلال حكم الأسرة العلوية، حتى قام محمد علي، مؤسس الدولة الحديثة، بإلغاء التجارة، تماشيًا مع التوجه العالمي المتبع آنذاك، وذلك من خلال قصة الحب التي تنشأ بين أحد العبيد من ملوني البشرة، "أسد - محمد رمضان"، وابنة مالكه، "ليلى – رزان جمال"، والتي ستكون محورًا للصراع القائم عبر أحداث الفيلم، مستعيدًا في ذلك التاريخ الهوليوودي الطويل لثورات العبيد والإتجار في البشر، ويبرز في هذا الفيلم الأيقوني "سبارتاكوس" (1960) بطولة كيرك دوغلاس وإخراج ستانلي كوبريك.

فيما تدور أحداث فيلم "7 Dogs"، حول خالد العزازي (أحمد عز)، ضابط الإنتربول الدولي، وغالي أبو داود (كريم عبد العزيز)، العضو المنشق عن تنظيم "الكلاب السبعة"، اللذين تضطرهما الظروف إلى العمل معًا من أجل تعقب أفراد الشبكة وإحباط عملية تهريب مواد مخدرة مصنعة إلى المنطقة العربية. من خلال هذه المطاردة، ينتقلان بين عدة دول، من الهند إلى الصين والولايات المتحدة، في رحلة عابرة للحدود حرص صناع الفيلم على منح كل محطة منها هويتها البصرية الخاصة، بدءًا من الإيقاع وصولًا إلى تصميم المناظر ومشاهد الحركة.

إلى جانب الأسماء المصرية المشاركة، بخلاف البطلين، مثل سيد رجب، هنا الزاهد، تارا عماد، يجمع طاقم التمثيل عددًا من الجنسيات الأخرى من نجوم هوليوود وبوليوود، من بينهم مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت، في تعاون جديد يجمعهما بعد ربع قرن منذ آخر عمل مشترك، إلى جانب مارتن لورنس وجيانكارلو إسبوزيتو، والنجم السعودي ناصر القصبي في شخصية مختلفة تمامًا عن أدواره السابقة. دخل الفيلم موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية في فئتي المؤثرات النارية والانفجارات، محققًا رقمًا قياسيًا جديدًا لأكبر كمية متفجرات تستخدم في مشهد واحد، وبذلك ينتزع اللقب من فيلم "No Time to Die".

الكوميديا... حصان رابح

ما تزال الكوميديا تتمتع بجماهيرية عريضة وإقبال شعبي لدى قطاعات كبيرة من المشاهدين، حيث تمثل المتنفس الأقوى للتحايل على الهموم اليومية المستدامة، المعادلة التي تعيها جيدًا غالبية شركات الإنتاج ومنها من يراهن عليها بقوة، من هنا لم يكن غريبًا أن تهيمن الكوميديا على أكثر من نصف عدد الأفلام المعروضة حاليًا، وآخرها "صقر وكناريا" بطولة ثنائية لمحمد إمام وشيكو، حيث تم طرح الفيلم للعرض قبل انتهاء شهر يونيو/ حزيران بأيام قليلة. الفيلم من تأليف أيمن وتار وإخراج حسين المنباوي، الذي يستعيد تيمة تجربته السابقة مع البطل في فيلم "أبو نسب" في إطار مغاير؛ إذ تدور الأحداث حول كاتب روايات فاشل "بلال- شيكو"، مغرم بالعوالم البوليسية والإثارة والعملاء السريين، حين تجبره الظروف على التورط مع أحدهم، "صقر- محمد إمام"، تتحول رحلتهما إلى سلسلة من المطاردات والمواقف.

رغم النجاح النسبي والمتفاوت لأعمال محمد عادل إمام في الدراما والسينما، نجده ما يزال يسير على عكس المثل القائل، "ابن الوز عوام"، يتشابه في ذلك مع كريم محمود عبد العزيز؛ فهناك استماتة واضحة من كليهما في تقليد والديهما على مستوى تعابير الوجه أو الأداء، إلى جانب استدعاء "قفشات" قديمة ومشهورة لتمريرها ضمن العمل، الأمر الذي قد يصل إلى إعادة تمثيل هذه المشاهد بنفس الطريقة.

ارتبط اسم شيكو لسنوات بالثلاثي الشهير الذي قدم مجموعة من الأفلام الكوميدية حققت إيرادات مرتفعة وحظيت بإشادة الجماهير والنقاد، في أحيان كثيرة، مثل "سمير وشهير وبهير"، "بنات العم"، "الحرب العالمية الثالثة"، كان أحمد فهمي هو أول المنفصلين عن الثلاثي بتقديم أفلام منفردة وبقي الاثنان هشام فهمي وشيكو كثنائي، قبل أن يخوض الأخير بطولته المطلقة الأولى بفيلم "ابن الحاج أحمد" (2023) إخراج معتز التوني، إلا أن الحظ لم يحالفه بما يكفي للتجربة، سواء على مستوى النجاح الجماهيري، أو فيما يخص أداءه نفسه، الذي لم يكن كما اعتدناه.

أما فيلم "برشامة" للمخرج خالد دياب، فقد تعرّض إلى موجة واسعة من الانتقادات، بدأت من مواقع التواصل الاجتماعي وبعض برامج التلفزيون، وامتدت إلى مطالبات برلمانية بوقف عرضه واتهام صناع العمل بـ"التجرؤ على الثوابت الشرعية وتسطيح مكانة الفقه"، على خلفية عدد من الإيفهات الواردة في السيناريو، تتقاطع مع بعض الإحالات الدينية أحيانًا، وتقوم بتوظيف أسماء فقهاء الإسلام في أحيان أخرى.



يعتمد الفيلم على بطولة جماعية، يتقدمهم هشام ماجد وريهام عبد الغفور ومصطفى غريب وحاتم صلاح، بمشاركة باسم سمرة في دور عمدة القرية، مجموعة متنوعة تجبرها الظروف على التقاء غير مرتب داخل لجنة امتحانات الثانوية العامة، وعلى مدار ساعات انعقاد اللجنة تتنامى الأحداث، بدءًا من اعتقادهم بأن مراقب اللجنة فارق الحياة (يجسده كمال أبو رية)، فيتفقون على استغلال الموقف للغش وإنقاذ الموقف. غير أن المفارقة تتكشف في أن معظمهم لا يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالمادة، وحتى "البرشام" الذي أخفاه بعضهم يتبين أنه يخص مادة أخرى، لتتحول المحاولة إلى سلسلة من المواقف الكوميدية المتصاعدة، تمتزج فيها السخرية بالدراما، وتصبح فكرة الامتحان نفسه اختبارًا للشخصيات والمواقف.

بعد خوض السيناريست محمد صلاح العزب تجربة الكتابة على خلفية أحداث حقيقية، في مسلسل "سفاح الجيزة" إخراج هادي الباجوري، يغامر في تتبع قضية أخرى في فيلم "سفاح التجمع" بطولة أحمد الفيشاوي، إذ أقدم على إخراج العمل بجانب كتابته، في تجربته الإخراجية الأولى التي لا تبشر بأي إرهاصات لمخرج واعد. على الرغم من تمتع الفيشاوي بقدر كبير من الحضور أمام الشاشة، تجلى هذا في عدد من الأفلام برهنت على موهبة حقيقية ميزته بين مجايليه، لا يخلو رصيده من أعمال يمكن وصفها بـ"الفرص المهدرة"، يعتبر "سفاح التجمع" واحدًا منها. في سياق مشابه، يأتي فيلم "إشعار بالموت" تأليف وإخراج أحمد عادل عقل، بوصفه عملًا لم يلفت الانتباه.

على جانب آخر، لم تخلُ وجبة الموسم من السينما الوثائقية، حيث يحضر فيلم "البحث عن داوود عبد السيد"، سيناريو وإخراج أسامة العبد، ومن إنتاج مشترك قطري/مصري، والذي يُحسب له توثيق الظهور الأخير على الشاشة لمخرج عاش حياته عازفًا عنها. يمر الفيلم سريعًا على محطات متعددة من حياة داود عبد السيد، في سرد أقرب إلى التلخيص، لكنه يرسم ملامح نشأة لم تخلُ من إرهاصات فنية في العائلة، بدءًا من والده، موظف البنك العاشق للمسرح والتمثيل والغناء، والذي كان يدهش من حوله بتلاوته للقرآن رغم كونه مسيحيًا، وهو ما قد يكون أسهم، على نحو غير مباشر، في تشكيل الحس الروحي أو الصوفي عند عبد السيد، فيما بعد.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.