}

"من يرمي الحجر الأول؟": الكل بريء إلاّ الضحيّة!

أنور محمد 28 يوليه 2026
مسرح "من يرمي الحجر الأول؟": الكل بريء إلاّ الضحيّة!
مشهد من المسرحية
كأنّ السوريين، قبل عملية "الفتح المبين" 2024/12/8، لم يكونوا بحاجة إلى العدالة بقدر ما كانوا يبحثون عن النجاة من ساطور القاتل البريء، وهو ما غاب عن العرض المسرحي "منْ يرمي الحجر الأوّل؟" على خشبة القاعة متعدّدة الاستعمالات في دار الأوبرا بدمشق. وهي فكرة وإخراج: فادي الحواشي، كتابة: ديما أباظة، سينوغرافيا: يارا أبو كرم، إضاءة: محمد نور درا، صوت: وجد النجار. تمثيل: خالد شباط في دور الموظّف المتّهم غياث، جفرا يونس في دور المحامية ريما، مجدي المقبل في دور القاضي، غرام أبو فاعور في دور الطفلة جوليا التي قام والدها بإعدام زوج المحامية، أحمد شعيب الدرويش في دور الشاهد الذي كان من ضمن الموظفين المخطوفين.

مسرحية؛ لا هي محكمة دينية، ولا محكمة سياسية، ولا محكمة جنائية. بل كأنّها رؤية غير ناضجة لوجبة العدالة السورية الجديدة؛ حتى لتحسبها حلقة من حلقات برنامج مسلسل "حكم العدالة" الإذاعي الأسبوعي من تأليف المحامي هائل منيب اليوسفي، وإخراج محمد عنقا، والذي انطلقت أولى حلقاته عام 1977 من دائرة التمثيليات في إذاعة دمشق، واستمرّ لأكثر من 43 سنة، ووصلت حلقاته إلى حوالي خمسة آلاف حلقة، وكان يستقطب جمهورًا كبيرًا من المستمعين، ومن أبرز شخصياته الدرامية: الرائد هشام والمساعد جميل، وكانت أحداثه تدور حول جرائم القتل الجنائية، ونادرًا ما يتعرّض للجرائم ذات الطابع الأخلاقي أو السياسي، كون رقابة النظام الأسدي لا تسمح بطرح مثل هذه القضايا، وأنّ السجون السورية مليئة بمئات آلاف معتقلي الرأي والذين لم يحْمهم الشعار أو الحكمة العظيمة للأب البائد، والتي كانت تزيّن أعمدة الصحف وأروقة مؤسّسات الدولة (لا رقابة على الفكر إلاّ رقابة الضمير). هذا غير الملايين الذين شرّدهم في المنافي.

فادي الحواشي وبوستر العمل


القاضي الذي يفتتح العرض – جلسة المحاكمة، يشكر ويرحّب بالحضور وهو يخاطبهم بأنّ: "قضية اليوم لا تخصّ المتّهم والمدّعي وحسب. تخصّنا جميعًا. جميعنا كبشر نعيش مع بعضنا البعض. لأوّل مرة لا أكون أنا فقط من يصدر الحكم. بل أنتم جزء أساسي من هذه المحكمة. سنين طويلة وأنا أفكّر بمفهوم العدالة. ما هو العادل وما هو غير العادل، وهل ما نقوم به يكفي لإحقاق العدالة؟". فيضع المتفرّجين في موقع المسؤولية كطرف في الصراع باعتبار العرض من المسرح التفاعلي. هذا الفرض كان خيطًا ضعيفًا في بناء النص سرعان ما انقطع. فالمحامية المدّعية ريما (أدّت دورها جفرا يونس) تتّهم غياث (أدّى دوره الممثّل خالد شباط) بأنّه: "منْ زوّد الخاطفين بمعلومات سهّلت عملية خطف 25 موظفًا كانوا ذاهبين في مهمة ميدانية في آخر العام"، وهم منْ قام غياث بإعدام بعضهم. وسندخل بعد ذلك في حوارات وصراخات لا تبرز تناقضات الشخصية، ولا تفرّق بين أفعالها وأقوالها، فلا تتطوّر المأساة. صراخ وصراخ ألغى الجدل الذي يفترض أن يقوم بين الممثّل والمتفرّجين، بحسب ما قال القاضي في بداية العرض، فكنّا نسمع أكثر مما كنّا نشاهد. ممثّل (خالد شباط) وممثّلة (جفرا يونس) وهما بغاية الانفعال، متشنّجان؛ تكاد تنفجر عروق وجهيهما من كثرة صراخهما، وكأنّ الصراخ يحقّق شيئًا من انتقامهما من بعض، حيث قام المتّهم غياث، وهو زميل لها في نفس الشركة التي اختطفت الميليشيات زوجها، بإعدامه وبدم بارد، وكشفته الفيديوهات التي صوّرتها الميليشيات وبثّتها على مواقع التواصل، لتبرّئ نفسها من الدم الذي تمّ سفكه في الحرب السورية، 2011-2024.

المحامية والمتّهم وعلى طول الزمن المسرحي (65 دقيقة) كانا يصرخان وهما يلقيان خطابهما بمباشرة فجّة - لا جولات، وقاضٍ متسامح وكريم وطيّب القلب وكأنّ شخصيات المسرحية والمتفرّجين ضيوف في خيمته أو في بيته. والمجابهة بينهما لم تكن كعدوَّين - بل كخصمَين، نلاحظ أنّ الصراع الذي أخذ جانب الحكي لا الفعل، لم يكن صراع مبادئ، مع أنّ المسرحية تدّعي الدفاع عن العدالة الانتقالية التي هي برأيي ستكون انتقامًا - إذ لم يفرّق القاضي بين الجريمة التي ارتكبها المتّهم غياث، وبين الميليشيات التي كانت تقتل من لا ينفّذ أوامرها، ومنها الأمر الذي وجّهته إلى غياث بإعدام زوج المحامية المدّعية وبعض زملائه في العمل، وهو ما أوصله إلى قفص المحكمة - في حين أنّها في المسرح يُفترض أن تدافع عن العدالة النقدية التي ترفض تغييب الوعي وشيوع الجهل بحقوق الإنسان؛ وليس العدالة الانتقالية. فما شاهدناه ليس حقيقيًا ولا عقلانيًا، وكأنّ العرض من مؤلّفه ومخرجه إلى الممثّلين تسرّهم أو تسعدهم أفعال القتل، فما من أحدٍ من شخصيات المسرحية دافع عن العدالة الانتقالية ولا الأخلاقية، حتى إنّ المحامية ريما أقامت هذه المحاكمة من أجل الانتقام لزوجها - وليس لشعبها؛ وأنّ من يقتل ويعدم الناس هم موظفو الدولة وليس الميليشيات، فالكلّ بريء إلاّ الضحيّة. مع أنّ المجرم غياث كان في العرض أكثر من يمثّل الأسد الابن وحاشيته الدموية.

لا يتوقّف الحوار، وليس الجدل، بين أطراف المسرحية فنستمع إلى محضر ضبط شرطي وقضائي في الاستجوابات: "غياث: نحن لمّا كنّا مخطوفين كانوا يشغّلوننا بأعمال سخرة. وعند أدنى اعتراض من أي شخص كانوا يقوصوه دغري، ضلّينا هيك حتى فجأة قلبت الدنيا فوقاني تحتاني لما تغيّر الزعيم"- في إشارة إلى هروب الأسد ومجيء "هيئة تحرير الشام". وهو ما فتح باب المساءلة والمحاسبة حسب رؤية المؤلّف والمخرج، فكان هذا العرض بمثابة فاتحة لتحريك وتحقيق العدالة الانتقالية. تطلب المحامية ريما من المتّهم غياث الاعتراف بجريمته فلا يبخل عليها بعد شدٍّ ومطّ، ويقرّ بها، معلّلًا ذلك بأنّه: "كان مجبورًا؛ لأنّ الميليشيات اختارته (من بين الكل) وبالقرعة، ليقوم بعمليات الإعدام" أو يُقتل. غير أنّ المحامية ريما تتّهم غياث بتهمة جديدة، وهي أنّه عضو بتلك الميليشيا، وتتكلم عن القوانين – تعريفات تزيد من ترهّل العرض، وتتّهمه بأنّه من قام أيضًا بقتل زوجته بالوشي بها للميليشيات، فتمّ قتلها قنصًا بالرأس ليتخلّص منها، ومن ثمّ تقوم ريما باستجواب ابنته جوليا عن سلوك والدها، ليس لتضيء جوانب من شخصيته، ولكن للإيقاع بالبنت لتشهد أنّ أباها غياث كان عنيفًا مع أمّها؛ استجوابات حتى يتدخّل القاضي: "هلّق - الآن جاء دورنا. متل ما قلتلكن إنتو رح تكونوا جزءًا أساسيًا من هاي المحكمة... (يخاطب الجمهور) اللي بدي ياه منكن أنكن تصوّتوا، يللي بيشوف غياث مذنب يرفع إيدو، إجا دورنا". فيرفع شخص واحد يده وينهي القاضي جلسة المحاكمة: لا يمكن أن نبني الحقّ على باطل. يؤجَّل الحكم إلى الغد.

مشهد من المسرحية


لو افترضنا أنّ هذا العرض يحارب الجريمة والانحياز إلى الشر والمعتدي، ويدعو إلى العدالة والشجاعة والحكمة والحق والجمال - وهو لم يفعل ذلك، لأنّه كان يدافع عن حقٍّ شخصي للمدّعية، فإذا به يعيد إنتاج اللحظة المقدّسة لحاكم مستبد - أي حكم الغائب بصفته المنقذ من الضلال. وكأنّي بالممثّلين لا يفرّقون بين السلطة وبين الجسد. فالعرض عن سلطة قهرية كانت عدالتها ما كانت؛ إذ كنّا نتوقّع منهم أن يلوّنوا في أدائهم من الإيحاء إلى الإيهام - فلا هذا ولا ذاك، سوى الحكي صراخًا، وهو ما لم يحقّق بيننا كمتفرّجين تلك المشاركة الوجدانية. لا أعرف إن كان المخرج المؤلّف يروّج لمفاهيم تسطيحية عن العدالة بأنواعها. والمثير، والذي يدعو إلى الاستغراب، أنّ الممثّلين درسوا فن المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، ليؤدّوا أدوارهم بطرق منهجية مستلّة من علم الجمال والعلوم الاجتماعية والنفسية. فالجسد طاقة وثروة للممثّل الذي بإمكانه أن يرينا - وهذا ما كنّا نريده في هذا العرض - عظمة الشرّ عند المتّهم غياث كما عند المحامية ريما. لقد ضيّعا هذه العظمة، فرأينا عرضًا لم يُحاكم فيه المجرم الذي كان يرتكب جرائمه فقط من أجل الشرّ، فيما القاضي كممثّلٍ للحق/ الخير بقي حياديًا، وترك النطق بالحكم إلى يوم غدٍ كنهاية مفتوحة، وفي وقتٍ تتلاحق فيه عمليات الخطف والسبي والقتل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.