}

"هوس": رعب إفراغ الحُبّ من معناه

أريج جمال 31 يوليه 2026
سينما "هوس": رعب إفراغ الحُبّ من معناه
كأن الهوس الحقيقي في الفيلم هو هوس بير بالحُب
منذ صدر الفيلم الأميركي Obsession ("هوس") وشرع في التحوّل إلى ظاهرة في عالم السينما، بتحقيقه إيرادات خيالية في شباك التذاكر العالمي، حوالي $403,383,935 حسب موقع (بوكس أوفيس موجو)؛ ومؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي ونقاد اليوتيوب الشباب من المُنتمين إلى الفئة العمرية نفسها لمُخرج الفيلم كاري باركر (المولود في 22 أيلول/ سبتمبر 1999) لا يكفّون عن الحديث حول الفيلم، وتضخيم إيجابياته ومواطن ذكائه وتحليله العميق للنتائج المُباشرة لوباء الوحدة الآخذ في حصد المزيد من الضحايا حول العالم، لا سيما مع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي نفسها. كما يعتقد بعض النقاد الأميركيين (من صانعي مقالات الفيديو أساسًا) أن نجاح "هوس" بهذا الشكل، من شأنه أن يقلب هوليوود رأسًا على عقب، فمُخرِج الفيلم قادم بدوره من عوالم اليوتيوب، وليس مؤسسات الفن السابع الراسخة، علاوة على أن الفيلم أُنتج بميزانية قليلة (حوالي 750 ألف دولار أميركي)، مقابل كل الملايين التي حققها.
ثمة شيء من الصحة في ما ذهبت إليه هذه الآراء. "هوس" فيلم ذكي، يستدعي صانعه فكرة لا يُمكن عدها جديدة أصلًا وهي "احذر مما تتمنى"، لكنه يبني منها حكاية جذابة، وإن شابها الكثير من التطويلات بلغة السينما بسبب الكادرات الثابتة وغير المتنوعة، كما يفتقد إيقاعه إلى نوع من حساسية مونتاجية، ويفتقر حواره إلى الدقة ويميل إلى التشتت وحتى الثرثرة. من الصحيح أيضًا أن "هوس" فيلم ممتلئ بالعيوب السينمائية الصريحة والمزعجة. لكن الظاهرة التي صنعها الفيلم بنجاحه غير المتوقع وغير العادي من ناحية، والتأثير المُتبادل الذي يبلغ حتى درجة المحاكاة، بين نقاد اليوتيوب بعضهم إزاء بعض، يدفع المُتفرجين الجُدد إلى التمترس مقدمًا خلف صفوف المُشجعين المُهللين. وهي ظاهرة تحدث بالمثل مع نقاد اليوتيوب العرب. أذكر مرة أن يوتيوبر شاب أصدر مقالة فيديو يُشير في عنوانها إلى أنه قد غيّر رأيه من سلبي إلى إيجابي في فيلم ناجح آنذاك (فيلم "معركة تلو أخرى" العام الماضي لبول توماس آندرسون)، بناء على ما يبدو أنه نقاش مع أصدقاء مُتحمسين للفيلم. وكأن من غير المُمكن أن نحبّ الأفلام أو نرفضها إلا جماعيًا، وفقًا لآراء وجهائنا من أصحاب الشلّة.

"جميل وهناء"

لعلّ فيلم "هوس" يُذكِّرنا، نحن مُتحدثي العربية، بالمسلسل الكوميدي السوري "جميل وهناء"- 1997، من تأليف زياد نعيم الريس وإخراج هشام شربتجي. كان جميل (أيمن زيدان) يرغب في اختبار مشاعر غيرة زوجته هناء (نورمان أسعد)، وهي التي تطمئن إلى إخلاصه لها من جانب، وخجله الشديد من النساء من جانب آخر. يحتال جميل بمساعدة رفاقه، كي يُحقق لنفسه الأمنية الوحيدة التي تستحوذ على انتباهه كاملًا طوال أحداث المسلسل: أن تفقد هناء الثقة فيه، وتستعر نار غيرتها ولو كذبًا. تتحقق الأمنية فعلًا لحسن الحظ، لكنها تبدأ في تحويل حياته إلى جحيم. وهكذا يعود جميل إلى الاحتيال على زوجته، محاولًا هذه المرة إثبات إخلاصه الذي لا يُستبدل، واستعادة حياته الهانئة القديمة التي لم يُحسن تقديرها.

في "هوس" يعجز بير (مايكل جونستون) عن صياغة اعتراف صادق بالحُب لزميلته في العمل نيكي (إيند نافاريت)


في "هوس" يعجز بير (مايكل جونستون) عن صياغة اعتراف صادق بالحُب لزميلته في العمل نيكي (إيند نافاريت) حتى بينه وبين نفسه. في مشهد افتتاحي طويل أكثر مما يلزم، يحاول أن يتخيل حبيبته أمامه، مع زميله في العمل إيان (كوبر توملينسون)، لكنه لا يعثر على الكلمات المناسبة. المشكلة ليست أن بير لا يشعر بعاطفة حقيقية تجاه نيكي (هذا مما لن نعرفه أبدًا على أي حال)، بل يُفترض أن بير يُحبّ نيكي حقًّا. المعضلة الحقيقية هي أن هوس بير بنيكي، وهو الهوس الأساسي الذي يُحرك الأحداث، يُسبِغ عليها هالة من المثالية والرومانسية التي تُبعِد بير أكثر وأكثر عنها. بير يُتابع صفحة نيكي على إنستغرام باستمرار، ويرصد تحركاتها، لكن حين تواتيه فُرصة فعلية للاعتراف لها، سرعان ما يتراجع للخلف وربما حتى يتنمر على نيكي ويستخدم ألقابًا لا تُحبها، مُنتصِرًا لجُبنه وبلادته.




لقد رأينا مثلًا قطة بير تموت في بداية الفيلم، لكنه حتى لم يحزن عليها كما ينبغي. (يُمكننا اعتبار أن ما سيحلّ به من مصائب هو عقاب على سوء التقدير هذا، إذا اقتدينا طبعًا برواية ألبير كامو الشهيرة "الغريب" حين حوكم البطل على عدم حداده على أمه، لا على قتله المواطن الجزائري!)

الهوس واستلابه

يُركز الفيلم على معاناة بير منذ لحظة عمل الأمنية. تتغيّر نيكي بشدة عما كان يعرفه بير، وعما كانت هي نفسها تعرف. قبل أن يقع عليها السحر، قررت نيكي أن تترك عملهما المُشترك، الذي يُخفق الفيلم في جعلنا نرى تفاصيله الحقيقية، كي تنتقل إلى مدينة جديدة، وتبدأ في كتابة رواية عن "قصة حب"، وليس مجرد "قصة رومانسية". تعرف نيكي الفارق بين الحالتين، لكن بير لا يعرف، وهي لا تتبرع بالشرح. هكذا حين تتبدل نيكي من حال الشابة المُستقلة الطموحة إلى حال المرأة المهووسة هوسًا وحيدًا ببير، فإن الأخير سيُترجِم هذا الهوس على أنه حُب، ويحاول الاستمتاع باستلاب نيكي.
المواقف التي خلقها الفيلم ليُشهدنا على خطورة هوس نيكي قد لا تكون متنوعة ولا مُبتكرة. مثلًا لجأ صانع الفيلم مرتين إلى جثة القطة التي لا نعرف لماذا لم يتخلص منها بير فور موتها، كي يُرينا كيف أن هذه القوى الشيطانية لا تكفّ عن التعبير عن نفسها، وعن نقمة نيكي المُتنامية لأن شغفًا بهذه الشدة لن يُشبعه أي حُب في المقابل. إلا أن ما يُثير الاهتمام حقًّا في الفيلم، ما يُعد رُعبًا حقيقيًا هو ما يُقدِمه من دراسة غير مقصودة ربما لتجربة الهوس، الذي سنضطر إلى تعريفه هنا مؤقتًا على أنه حُب أشد من اللازم أو حُب مَرضي حسب منطق الفيلم. ما يدور بين نيكي وبير من حوارات بعد أفاعيل نيكي الغريبة - كأن تُطعمه جثة قطته، أو تتفرج عليه وهو نائم، أو كأن تعمل على سد الباب من الداخل لذعرها من أن يغادر ويتركها للعمل - الحوارات التي تتضمن إذلالًا ومهانة نيكي لنفسها تكفيرًا عن أخطائها، رجاءاتها، ركوعها على رُكبتيها أمامه، وحتى تبولها وتبرزها اللاإرادي في غيابه.

"هوس" فيلم ذكي، يستدعي صانعه فكرة لا يُمكن عدها جديدة أصلًا وهي "احذر مما تتمنى"!


ذلك هو الرعب الحقيقي، لأنها تتقاطع بالضرورة ولو بتفاصيل مختلفة، مع تجارب حُبّ مرضي حقيقية أو هوس، لا تُحرِكه قوى شيطانية أبدًا، لكن ربما جراح طفولة، أو نقاط ضعف أو مفاهيم مشوهة عن الحُب وغيرها، لتبقى تجارب رعب صادمة لضحاياها.

الحُبّ بلا معناه

إذا سلَّمنا أن أفلام الرعب في تطرفها الأقصى تتوصل إلى خُلاصات ما حول العالم، على مسؤوليتها الشخصية. مثلًا فيلم "الغرف الخلفية" Backrooms المعروض مؤخرًا أيضًا والذي مثل "هوس" حقق طفرة في صناعة سينما الرعب، يتوصّل إلى أن العالم مسكون بعالم آخر شبيه لكن ممسوخ، أو أن الطب النفسي لا لزوم له، لأنه على أي حال لا يُشفي أحدًا (على العموم تكفر أفلام الرعب بطب النفس)؛ فإن "هوس" يتوصل إلى أن الحُب لا سيما من هذا النوع المجنون، هو أداة تدمير للشخص ومَنْ حوله. اعتدت نيكي على كل مَنْ اشتبهت به أنه يسلب منها حبيبها، لكنها في الأساس اعتدت عليه نفسيًا، وقبل أي شيء دمرت مُستقبلها ككاتبة وطموحها كشابة. وبالتالي يحق لنا أن نرى الحُب في هذا السياق، قاتلًا كالكراهية، وأشد فتكًا حتى.
هذه الخلاصة، التي لم يقصدها صانع الفيلم ربما، تتجلى في عبارة حوارية تقولها نيكي، وهي في حال بين الحضور والغياب، عن اختبارها شعور اللاشيء، ليس أنها تعيش في ظلام، إذ للظلام لون مُحدد هو الأسود، بل حالة فراغ مُفزعة. في لحظات يقظة نيكي النادرة بينما الجسد المتلبّس نائمًا تطلب من بير أن يقتلها. وحين يسألها إن كانت أحبته أبدًا، تُجيب بأنها لم تكن قط معه، ما يُعيد إلى بير بالضرورة إحساسه بأنه غير محبوب. ولولا هذه التعويذة لما حصل حتى على المُتعة الجسدية الفائقة أو غير البشرية التي أحسها في التحامه بنيكي.
وكأن الهوس الحقيقي في الفيلم هو هوس بير بالحُب، كشعور خيالي مُستحيل قد لا يذوقه أبدًا. مع أن سارا زميلته في العمل عبرت له غير مرة عن مشاعر، فإن بير على ما يبدو لا يُريد القصص التي تنمو ببطء، إنما هذا الهوس التدميري. وارتداده عن الحل الوحيد الذي طرحه موظف خدمة عملاء "مصفوفة الأمنية الواحدة": أن يقتل نفسه، من أجل أن يستمتع مجددًا بهوس نيكي، قد يكون بُرهانًا في ذاته على أنه ما يزال غير فاهم الفرق بين الحُب والرومانسية، أو الأسوأ أنه لا يجد في الحُب أي معنى.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.