}

ريتشي ينبش في زاوية مظلمة من عالم المال القذر

سمير رمان سمير رمان 6 يوليه 2026
سينما ريتشي ينبش في زاوية مظلمة من عالم المال القذر
لقطة من الفيلم

بعد نهاية شهر نيسان/أبريل، بدأت دور السينما حول العالم، على الفور، بعرض فيلم الحركة والتشويق "في المنطقة الرمادية" (In The Grey)، الذي جمع فيه المخرج البريطاني غاي ريتشي (Guy Ritchie) من جديد ثلّةً من نجوم هوليوود، الذين أصبحوا يشكّلون ما يشبه فريقه الخاصّ. من أبرز هؤلاء الممثلين: البريطاني هنري كافيل (بدور سيد)، الأميركي جيك جيلنهال (بدور برونكو)، المكسيكية إيزا غونزاليس (بدور راشيل)، والإنكليزية روزاموند بايك.

يأخذ الفيلم المشاهد إلى زاويةٍ مظلمةٍ من زوايا عالم المال في وقتنا الراهن، عالمٌ لا تدركه الحكومات ولا تسجّله التقارير الرسمية. في الظلّ، يعمل ويتحرّك فريقٌ من رجال النخبة، اختار أفراده العيش في "المنطقة الرمادية" لتنفيذ مهامّ معقّدة عجز عنها الآخرون. يبلغ الفيلم ذروته عندما يستولي طاغية لا يعرف الرحمة على مبلغٍ ضخم من إحدى الشركات الكبرى، يقارب المليار دولار، مما يضع العالم أمام تهديد أمنيّ غير مسبوق. يُكلَّف فريق النخبة بتنفيذ مهمة سطو "انتحارية" لاستعادة هذه الأموال. ولكن سرعان ما تنهار الخطط التي وُضعت لتنفيذ العملية، ليقع أفراد الفريق في فخٍّ مميت، وليجدوا أنفسهم محاصرين في لعبة شطرنج بشرية لا مكان فيها للخطأ، حيث قد تكون كلّ خطوة فيها هي الأخيرة.

"أنا لست محامية تقليدية"، تعلن المحامية راشيل وايد بصراحة في بداية الفيلم. تؤدي راشيل الممثلة المكسيكية المذهلة إيزا غونزاليس، التي سبق وظهرت في العديد من أفلام ريتشي الأخيرة، مثل: فيلم "وزارة الحرب غير النبيلة" / The Ministry of Ungentlemanly Warfare (عام 2024)، وفيلم "ينبوع الشباب" / Fountain of Youth (عام 2025). في فيلم "في المنطقة الرمادية"، يرى المشاهد إيزا غونزاليس امرأةً مختلفةً عن بطلات سينما اليوم ذوات الشخصية القوية، فهي تشبه أكثر بطلات سينما التسعينيات متعددات المواهب، واللاتي يتقنّ العمل في مختلف المجالات، بدءًا من علوم الأحياء البحرية وصولًا إلى الفيزياء النظرية، ولكن يتمتّعن جميعهنّ بميزة واحدة: عيون ساحرة وقوام رائع.

المخرج غاي ريتشي وملصق الفيلم


يحرص صنّاع الفيلم على إظهار المحامية راشيل امرأةً محنّكة حادّة الذكاء ولطيفة المعشر، ولكنّها تتحوّل إلى امرأة لا تعرف الرحمة عندما يتطلّب الأمر. وكما يقول عنوان الفيلم، تتحرّك المحامية في "منطقة رمادية": فهي تستخدم أساليب لا يمكن القول عنها إنها قانونية بالكامل، لكنها لا تتخطّى، في الوقت نفسه، الحدّ الذي يفصلها عن منطقة الجرائم الموصوفة. يتمثّل العمل الحقيقي لراشيل المحامية في تحصيل ديون ضخمة تُعدّ في حكم الديون المعدومة. ولذلك، تلجأ إليها كبريات الشركات لتحصيل أموال أقرضتها لأشخاص مشبوهين يرفضون تسديد التزاماتهم. ولإنجاز مهامّها الصعبة، شكّلت راشيل فريقين من المتخصصين: يضمّ الفريق الأول نخبةً من الأذكياء، أصحاب العقول النيّرة، أما الفريق الثاني فيضمّ أشخاصًا أشدّاء متمرّسين، ولكن وسيمي المظهر في الوقت نفسه.

فريق "العقول النيّرة" أشخاص يتمتعون بمهارات استثنائية في مجال تكنولوجيا المعلومات، ويضعون جميعهم، بلا استثناء، نظارات طبية سميكة، وقد أغفل المخرج ذكر أسمائهم عمدًا. أمّا فريق "الذكور المهيمنين"، فيتكوّن من عسكريين سابقين: مرتزقة أشدّاء، خبراء متفجرات، طيارين، ومشغّلي طائرات مسيّرة عن بعد. يقود الفريق الثاني الجندي برونكو والجندي سيد، اللذان يدينان بولاء أعمى للمحامية التي سبق وأنقذتهما من جحيم أحد سجون تايلاند المرعبة. بلغ ولاء الجنديين لراشيل حدًّا أصبحا معه يناديانها بـ "Mom" ("أمي")، وهو تعبير يبدو غريبًا بعض الشيء حين يصدر عن رجال يكبرونها بعقد من الزمن. وفيما بينهما، يخاطب الجنديان بعضهما البعض بلقب "السيد وسيم" وبلقب "الكابتن رقيق القلب"، وهي واحدة من دعابات عديدة في الفيلم، توحي بوجود علاقات غير مهنية، لا وجود لها في الواقع، بين الشخصيات.

أحدث زبائن راشيل هي شركة الاستثمار "سبنسر غولد شتاين"، التي أقرضت مبلغًا ضخمًا من المال (مليار دولار أميركي) لشخصية مريبة تُدعى سالازار (يؤدي دوره الممثل الإسباني كارلوس بارديم، الشقيق الأكبر للممثل الأكثر شهرة خافيير بارديم). لم يكتفِ سالازار برفض سداد المبلغ فقط، بل وتمكّن أيضًا من التخلّص من خمسة محامين كانت الشركة قد كلّفتهم بإنجاز هذه المهمة قبل راشيل. كانت عمليات التخلّص من المحامين تتمّ من خلال ذراع سالازار الأيمن المدعو "أولسون"، وهو رجل ضخم البنية (يؤدي الدور كريستوفر هيفجو، المعروف لدى الجمهور من خلال مسلسلي "لعبة العروش" / Game of Thrones و"السادة الأفاضل" / The Gentlemen). في هذه الظروف المعقّدة، تقرر شركة "سبنسر غولد شتاين" الاستعانة بخدمات راشيل كملاذ أخير، على الرغم من أن المديرة التنفيذية في الشركة، والتي كانت تتولى مسؤولية المفاوضات (الممثلة الإنكليزية روزاموند بايك)، لم تكن تشعر بالارتياح تجاه هذه "المحامية غير التقليدية".

أهمّ ما يميّز الفيلم هو أسلوب المونتاج الحيوي الذي تنقّل عبر الزمن ذهابًا وإيابًا. بالإضافة إلى ذلك، جاء الفيلم غنيًا بمشاهد المطاردات، وتبادل إطلاق النار، والانفجارات، فضلًا عن دعابات ساذجة أخرى. أمّا السيناريو، الذي كتبه ريتشي بنفسه، فيأتي في مرتبة ثانوية هنا؛ فبعد كشف المحامية "راشيل" المزيد من أعمال "سالازار" المشبوهة، وتوصلها إلى أصوله الإجرامية الموزعة حول العالم، يزداد الغموض حول الأسباب التي دفعت الشركة إلى إقراض ذلك المبلغ الضخم لرجل يبدو قادرًا على جمع مليار دولار بمجرد البحث في جيوب بنطاله. لكنّ المخرج، الذي كتب السيناريو، كان يأمل، على الأرجح، ألا يطرح الجمهور مثل هذا السؤال أو غيره من الأسئلة المشابهة، وهي كثيرة بالفعل. ربما كان المخرج يعوّل على أن يتوقف المشاهد عن التفكير منطقيًا، وهو يستمتع بالحبكة المتقلبة والمثيرة، وبمشاهدة الممثلين المشاهير يؤدون أدوار شخصيات الفيلم ببراعة وإتقان.

ومع ذلك، جاء الفيلم تجربة سينمائية مفعمة بالحيوية، ولم ينحطّ، من الناحية الأخلاقية، إلى ذاك المستوى اللاأخلاقي الذي انحدرت إليه أعمال المخرج السابقة، مثل: فيلم "السادة الأفاضل"، أو "وزارة الحرب غير النبيلة". كما أن الفيلم لم يترك للمشاهد فرصة للشعور بالملل، كما كان الأمر في فيلمه السابق "غضب الإنسان" / Wrath of Man. وهذا ما يُعدّ، بحدّ ذاته، تقدمًا جيدًا في مسيرة المخرج.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.