}

"بروفة يوم الحساب": العدالة ليست عند القاضي

أنور محمد 8 يوليه 2026
مسرح "بروفة يوم الحساب": العدالة ليست عند القاضي
مشهد من المسرحية


في العرض المسرحي "بروفة يوم الحساب" (80 دقيقة)، المعروض على مسرح الحمراء في دمشق برعاية وزارة الثقافة السورية، من كتابة فارس الذهبي، وإخراج ماهر صليبي، وتمثيل يارا صبري بدور "سما" التي ترفض الانتقام، وروبين عيسى بدور "ثريا" الضحية، وجابر جوخدار بدور "فؤاد" الرجل الغامض، وأزياء ريم الماغوط؛ يُفترض أن ينشغل كلٌّ من المؤلف والمخرج بالبحث عن "الحقيقة" لا "العدالة"، انطلاقًا من الثقة بالعقل بوصفه معيارًا للحكم، وباعتبار أن الحقيقة ذات أساس عقلي. وأوَّل ما يلاحظه المتفرِّج أنَّ أحداثها تمَّ تركيبها، ومن ثم تعديلها، وإنجابها بالتناص مع مسرحية "الموت والعذراء" تأليف الكاتب التشيلي آرييل دورفمان، والتي تجري في جمهورية تشيلي بعد انهيار ديكتاتورية أوغستو بينوشيه (1915 - 2006)، الذي شغل منصب رئيس تشيلي من 1973 إلى 1990، حين بدأت تتكشَّف قصص المفقودين وأعمال التعذيب في السجون والمعتقلات. بل إنَّ البروفة تتحوَّل من مركب جمالي، كما كنَّا نتوقَّع، إلى مركب لأشباح يزاودون على الألم الذي عشناه طيلة 14 سنة، فيما كان بعض صُنَّاعه يعيشون في المهاجر والمنافي الاختيارية.

تبدأ المسرحية مع صوت الإشارة الموسيقية لبرنامج "مرحبًا يا صباح" الذي تبثُّه الإذاعة السورية، وامرأتين - يارا وروبين - من الناجيات من حفلات الدم في أقبية الأمن السوري أيام حكم الأسد الابن، وهما تقومان في مشغل خياطة بترقيع ورتق أثواب وأكفان، وتتكلمان ولا تسكتان، تثرثران، وبعد طول كلام ينضم إليهما فؤاد (جابر جوخدار) الذي تشكُّ ثريا (روبين عيسى) بأنه كان جلادها عندما كانت مُعتقلة أيام الأسد قبل عملية "الفتح المبين"، فيما هو ينكرُ وينفي علاقته بالجلد والتجليد، وبعد طول تحقيق يعترف بجرائمه بأنَّه كان جلادها، فلا تملك إلا أن تدقَّه الممثلة يارا صبري بالمكواة على رأسه، فيُغمى عليه، كانتقام من كل جرائمه وبما فعله بزميلتها.


المُؤلف فارس الذهبي والمُخرج ماهر صليبي، لا شكَّ في أنَّ نواياهما طيبة في عملهما هذا، وقد اشتغلاه كفنانين سياسيين ملتزمين، فيُحاكمان العهد الأسدي على الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين، كأنهما يمثلان العدالة والعدالة الانتقالية، والتي هي بحسب التعريف الحقوقي: "مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تُطبقها الدول لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تهدف إلى تحقيق المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسَّسات، للمساهمة في المصالحة الوطنية وضمان عدم تكرار الانتهاكات في فترات الانتقال من النزاع أو القمع إلى الديمقراطية". أظن أنَّ هذه المهمة ليست من اختصاص المسرح، والأفكار، مهما كانت "ثورية" وإنسانية وتنحو نحو تحقيق العدالة، فإنَّها لا تصنع فنّ المسرح، لأنَّها بهذه الحالة - كما رأينا في العرض - صارت خردة ليس لها أي قيمة فنية حيوية أو فلسفية. مع إنَّنا كُنَّا نتوقَّع أن يقدِّم لنا فارس الذهبي وماهر صليبي شخصيات شديدة التفرُّد، وليس تلك الموعظة التحذيرية: "اتقوا غضب الأمهات"، خاصة أنَّ المؤلف الذهبي قد استعار شخصيات مسرحيته من المسرحية الأم "الموت والعذراء". وهي شخصيات صاغها فكر إنساني حر يفرِّق في الاستعمال النظري والاستعمال العملي للعقل لبلوغ الحقيقة. شخصيات ذات تأثير سياسي وأخلاقي. كل السوريين تعرَّضوا لأذى النظام من وحوشه وغيلانه البشرية في القلاع الأمنية التي ربَّما تجاوز عددها عدد المدارس والمعابد في سورية. وما عانته السيدتان في هذا العرض "بروفة يوم الحساب" ليس حدثًا استثنائيًا، لأن الألم الذي تُصنع منه التراجيديا السورية وزَّعه الأسد على السوريين بعدالة ما بعدها عدالة، فما من سوري إلاَّ وتأذَّى من هذه العدالة، ومن كل المذاهب والإثنيات.

عرض "بروفة على الحساب" حكى عن العنف حكيًا نظريًا، ولا استعراض فعليًا على الخشبة، كما في "الموت والعذراء" للمخرج هشام كفارنة، أو "رباعية الموت" للمخرج يوسف شموط، إذ قامت الممثلة يارا بشور، في أداء دور "باولينا"، محقِّقةً أكثر من ذروة مسرحية في دور صعب جدًا لا يمكن نسيانه، وعلى خشبات المسارح السورية قبل آذار/ مارس 2011، وهي تنوس متردِّدة ما بين الذهاب للثأر والانتقام من الجلاد الذي اغتصبها بسادية فظيعة، وعلى أنغام موسيقى السوناتا الرابعة للمؤلف النمساوي فرانز شوبرت (1797 - 1828)، وبين التسامح بعد مرور 15 سنة على تلك الجرائم التي ارتُكبت بحق المعتقلين التشيليين إثر الانقلاب العسكري للجنرال بينوشيه على الرئيس سلفادور أليندي. المخرج هشام كفارنة والمخرج يوسف شموط كانا، برأيي، أكثر جرأةً؛ إذ قدَّما في حينها عرضين مسرحيين مُفخخين بأسئلة الكرامة والحرية للشعب السوري، وكان من الممكن أن يتعرَّضا للمساءلة والاعتقال، وربَّما التغييب - فواضح أنَّهما ينالان من الأسد الابن وعصابته، فكانا عرضين، قصيدتين، بل نشيدين دراميين تحريضيين من الحزن الهادئ على ما آلت إليه سورية.

في مسرحية "بروفة يوم الحساب" لا أحداث، بل رشقات كلامية لا تعمِّق إحساس المتفرِّج بألم الضحايا، كلام وكلام، وبنية سردية طويلة (مونولوغات) مفكَّكة لا تعبِّر عن رغبات وانفعالات ومشاعر لتشييد فعل مسرحي - حتى لتُصاب بالملل؛ حكيٌّ لا يقيم حلفًا أو عقدًا مع المتفرج - أستثني مشهد المحاكمة ربَّما وحده من الزمن المسرحي كان قويًا، رأينا حدثًا، صراعًا، فعلًا مسرحيًا. وإذا افترضنا أنه لا انتقام ولا ثأر، وأن الضحيتين سما وثريا ومثلهما بالآلاف – هذا عدا الرجال – قد صفحتا عن الجلاد أو سامحتاه، كما اقترح يومها المخرج هشام كفارنة في عرضه "العذراء والموت" على ذات الخشبة، على ما أذكر، في مسرح الحمراء عام 2003 (تمثيل: مي سكاف وفايز قزق وزيناتي قدسية)، بينما في عرض "رباعية الموت" ليوسف شموط كانت الرغبة في الثأر والانتقام نحو تحقيق العدالة؛ إذ تقتص الضحية من جلادها - مع أنَّه في النزاع والصراع التراجيدي يمكن الذهاب إلى التصالح، فسؤالي: لماذا لم تكن هناك لحظة تفكير عند الضحيتين في رفض الصلح مع المجرم كاقتراح تراجيدي؟ لقد قامتا بفك قيده رغم تأكدهما بأنه هو جلادهما - فلا تقدِّمان تنازلًا عن حقهما لتحقيق العدالة الانتقالية - إذ يجب معاقبة المجرم، وأنَّ هذا المجرم والعديد من نسله، وفي حال ما بعد الفتح المبين (8/12/2024)، قد تمَّ تسوية وضعه، وتمَّت مصالحته، ولم يؤخذ برأي الناس/ الشعب المؤمن.

لا شكَّ في أن الممثلين يارا صبري، روبين عيسى، وجابر جوخدار؛ كانوا يؤدُّون أدوارهم بواقعية فنية حقيقية، خاصة في تلويناتهم الصوتية المتشابكة مع حركاتهم/ انفعالاتهم، وإن شاب العرض الكثير من الترهل - المط والتطويل بالحكي/ الثرثرة التي اقتربت من الحواريات التمثيلية، فلا نمو للصراع أو النزاع، وفي أنَّ العرض، كما سماه الذهبي وصليبي في بيانهما، هو من المسرح التنفيسي الذي، كما رأينا في العرض، كانت فيه مسايرة وصفح عن القاتل. ألا يكفينا مسرح دريد لحام وأيمن زيدان، اللذين كان مسرحهما أكثر تنفيسًا مع شيء من توابل مثل الهزء والتنكيل بالمجرم؟ وأين مسرحهما من مسرح: فواز الساجر، وجهاد سعد، وفرحان بلبل، ومانويل جيجي، ومحمد قارصلي؟ وهل بمثل عرض "بروفة يوم الحساب" يمكن أن يحقِّقا من خلاله العدالة الانتقالية، فيثأران للسوريين من بشار الأسد بالصفح - فك القيد، مع أنَّ معاقبة الشرير/ المجرم/ القاتل هي ضرورة جمالية في المسرح، وليست ضرورة تنفيسية، مع الأخذ بالعلم أنَّ العدالة ليست عند القاضي في أغلب محاكم النظم الاستبدادية؟

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.