وثائقيُّ "معجزة غزّة" الذي يرصد تفاصيل الإرادة الربّانية المدهشة لعودة الطفلة حليمة أبو ياسين (سبعة أعوام) من الموت إلى الحياة، يكشف لنا جملة من الحقائق الدامغة: أولًا، أن أطباء القطاع بجلّهم عظماء في عطائهم، فريدون في تميّزهم وقدراتهم ونبوغ علومهم الطبية (ولعلّنا نستذكر في هذا السياق الطبيب الشهيد عدنان البرش الذي كان أحد أفضل أطباء جراحة العظام في العالم، والطبيب الأسير حسام أبو صفية). ويجعلنا نتساءل، ثانيًا: كم من إنسان، بالتالي، دُفن في غزّة الجريحة وهو ما يزال على قيد الحياة بانقطاعٍ مؤقّتٍ للنفَس، أو بسبب فداحة إصابته واعتقاد أنه لفظ أنفاسه؟ فحليمة دُفنت لساعتيْن وبضع دقائق قبل أن يراها ابن خالها تحرّك أصبعها وتئنُّ باكية، عندما كانوا يقومون بدفن طفلة قربها. حقيقة ثالثة يكشفها لنا هذا الوثائقي الذي أنتجته قناة "الميادين" وأخرجته ومنتجته ونفّذت إنتاجه الزميلة هالة بو صعب، هي أن ما عاشه أطفالها وطفلاتها من ويلات وما شاهدوه من أشلاء "الطفل إبراهيم، على سبيل المثال، شقيق حليمة، الذي لا يتجاوز عمره عشرة أعوام، حمل صديقه مقطوع الرأس، ثم عاد ليبحث عن أذنه ويده ليدفنهما معه"، يجعلنا نعرف، لا بل نوقن، أن العدوان والإبادة الجماعية سوف تؤسّس لجيل أكثر استعدادًا للبذل ومصادقة الأشلاء والدماء، وصولًا إلى انتزاعه حريته كاملة، وحقوقه غير منقوصة، وخلاصه النهائي من الجَور والخذلان والهوان.
بما يتضمنه من مشاهد مؤلمة تشلع الأرواح، موثّقة معاناة المدنيين خلال حرب الإبادة الجماعية على غزّة المتواصلة منذ ألف يوم وازدادوا 25 يومًا، يكشف لنا الفيلم حجم العجز الذي بلغته المنظومة الأممية، وهيكليات الأنظمة الحاكمة في أربع جهات الأرض، وصولًا إلى تبيّن الهوّة المفجعة بين الوجدان الجمعي الإنساني الذي تلتقي خلاله شعوب الأرض جميعها حول دواعي التضامن مع أهل غزّة وأبناء جنوب لبنان، والتضامن، على وجه العموم، مع كل من يتعرّض للجَور والقتل والإبادة والعدوان، وبين الدولة العميقة التي تحكم العالم، فهي تدير الظهر بكل بشاعة ووضاعة لكل صيحات الألم ونداءات الاستغاثة، إنها الدولة العميقة نفسها التي تسنّى لها أن تحشد أصوات 82 دولة عضوة في المحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، على خلفية اتهامه بارتكاب "سلوك جنسي غير لائق"، علمًا أن السبب الحقيقي لعزله هو، كما يعلم الجميع، إصداره مذكرة توقيف بحق المجرم نتنياهو، زعيم العصابات الصهيونية الغارقة بالخرافة ونوازع الشر والاستعلاء المريض والقتل والعدوان.
الطفلة الوديعة حليمة أبو ياسين كانت في عداد الموتى بعد استهداف الصاروخ العدواني المباشر لرأسها؛ وُضعت في ثلاجة الموتى سبع ساعات إلا ثلثًا، ودُفنت في القبر ساعتيْن قرب جدّتها، أم والدها حليمة. وحين حملها من حملها بعد قصف صهيوني استهدف، في 17 شباط/ فبراير 2024، أطفالًا كانوا يلعبون قرب بيوت أهلهم في القطاع المغدور "قريبًا من النصيرات وسط القطاع"، كانت معظم أنسجة دماغها خارج رأسها، وبعد دقائق من وصولها مستشفى العودة في النصيرات وسط القطاع، أعلن الأطباء وفاتها، ما ترتب عليه وضعها في الثلاجة تمهيدًا لدفنها، وهو ما كان، ثم حملها خالها وابنه للمقبرة القريبة من بيت أهلها، ووضعوها في حفرة صغيرة قرب قبر جدتها. وحين عادوا إلى المستشفى كانت قريبة لها قد فارقت الحياة أيضًا، فحملوا الطفلة الشهيدة ووضعوها قرب حليمة، ليلمح الفتى ناهض زكريا ابن خالها أنها حرّكت على ما يبدو يدها، أو لعله إصبعها، وصدر منها أنين لا يكاد يُسمع، فما كان منه إلا أن طار من فوره ليبشّر أمها، في حين حملها خالها عائدًا بها إلى المستشفى. ومع وصول والدتها إلى المستشفى، كانت حليمة قد دخلت غرفة العمليات مع فرص شبه معدومة لإنقاذها حتى مع اكتشاف عدم موتها. يقول الطبيب عبد الرحمن نصّار، استشاري جراحة المخ والأعصاب، واصفًا تلك اللحظات الاستثنائية من حياة الصغيرة النازفة: "حالة حليمة كانت مأساوية، لدرجة أنها تُركت عندما وصلت مع عدد آخر من الأطفال المصابين، لأن وضعها كان حرجًا جدًا وميؤوسًا منه، حيث يضطر الأطباء في هكذا أوضاع إلى انتقاء الحالات التي يوجد أمل بإنقاذها. قمنا لاحقًا بتقييم حالتها ليتبيّن لنا أنها في الدرجة الخامسة من الإصابة الدماغية المباشرة؛ خروج نسيج الدماغ، كسور متعددة بالجمجمة، إضافة إلى تهتك في نسيج الدماغ. أجرينا لها جراحة عاجلة بعدما استشعرنا وجود أمل ضئيل قليل، وهو ما أوضحناه لأهلها".
الأطباء قالوا لوالدتها ظريفة، كما تذكر خلال مشاهد الفيلم: "إنها إن عاشت فسوف تعيش جثة لا تتحرك ولا تتكلم ولا تأكل، ولا ما يحزنون. ادعيلها بالرحمة". دُفنت حليمة في قبر جدتها حليمة، والدة والدها، لأن والدتها كانت أوصت بذلك. وحول سبب توصيتها بدفنها هناك تقول ظريفة: "أوصيت أن تُدفن قرب جدتها أم والدها... لأنها كانت قبل يوم واحد مما جرى لها قد زارت قبر جدتها، فالمقبرة هنا قربنا... وكان طلعلنا كوبون علبة حلاوة... فأخذتْ قطعة حلاوة وراحت دفنَتها قرب قبر جدتها لتطعمها حلاوة "ستي جوعانة وبدي أطعميها حلاوة"، فالحلاوة كانت عزيزة في أيام غزة الخاوية المليئة بالمرارة... مين يصحّلوا قطعة حلاوة...".
خلال ذلك، صورة لحليمة بزي التخرج من الروضة، وأخرى تضع أحمر الشفاه، وثالثة بزي تراثي فتّان تقرفص وتضحك وتزهو بالحياة لتزهو بها الحياة "بعدين أعطيتها الحلاوة تتهنا فيها... ستّي... ثم ستّي... ثم ستّي". تعشق حليمة جدتها، كيف لا وقد كشفت صورة لجدتها عرضتها لنا هالة كم جميلات هنّ نساء غزة، كم عزيزات يحاولن باستماتةٍ صون كرامتهن وحماية عالمهن الصغير المدمّر حولهن.
عاشت حليمة لتحقق في غزّة الجريحة معجزة، وتدريجيًا استعادت مهارات الاستجابة وتكلمت وأكلت وضحكت كما كانت تفعل دائمًا وشعرت بمن حولها، ولاحقًا جرى نقلها وأسرتها إلى لبنان على نفقة صندوق غسان أبو ستة للأطفال، لاستكمال مراحل علاجها النفسية والتأهيلية، إضافة إلى عملية ترميم لجمجمتها أشرف عليها الدكتور غسان أبو ستة بنفسه. في لبنان عادت حليمة إلى الحياة بكامل بهائها وإشراقة إطلالتها وظرافة حضورها، متنعّمة بفرصة يحتاجها أطفال غزّة أجمعين، فإذا بالفكر يذهب مباشرة إلى هند رجب، رائيًا في معجزة حليمة معادلًا موضوعيًا نفسيًا جبْريًا للعجز الذي عشناه جميعنا ونحن نسمع كلمات هند الأخيرة، ونداءها علينا جميعنا، واستغاثتها وتوسلاتها أن يأتي أحد ويأخذها من سيارة الموت، لافظة أنفاسها الأخيرة على مرأى من قهرنا.
حول استهداف الأطفال على وجه الخصوص يقول الطبيب غسان أبو ستّة، بروفسور طب النزاعات AUBMC: "هناك عداء فطري عند الحركة الصهيونية باتجاه الطفولة في غزّة، وشبه نزع صفة الطفولة عن أطفال فلسطين لتبرير استهدافهم الممنهج، أقصد الاستهداف الممنهج لأطفال فلسطين. خمسون بالمائة من الشهداء والجرحى هم أطفال، إنها أعلى نسبة بأي حرب جرت على امتداد التاريخ الإنساني المكتوب وغير المكتوب، فبالنسبة للحركة الصهيونية الطفل يمثل مستقبلًا، والهدف من حرب الإبادة هو منع حدوث هذا المستقبل الفلسطيني". وهو ما يؤكّده مواطن غزّي: "يقتلون الأطفال بكل السبل، بالبراميل وبالتجويع، وحتى في أطفال بيموتوا من المي الملوّثة، أو خلال البحث عن رغيف". أما ظريفة والدة حليمة فتؤكد أن تسعين بالمائة من شهداء غزّة لم يروا أهاليهم ولم يودّعوهم: "لا وقت لا للحزن ولا للبكاء ولا للوجع. الحياة تسارُع. بعدين كله عارف حاله ميّت، بس هي مسألة وقت. إنت اليوم أنا بكرة، إنت الساعة هاي وأنا الساعة التي تليها. فشّي في مجال تيجي وتشوفي المنظر لا يصدقه عقل". خلال مداخلة ظريفة مرت الكاميرا على عديد المشاهد التي تتقاطع مع كلامها؛ ومن هذه المشاهد أطفال رضع يفترشون أرض مستشفى على ما يبدو، أو مكان عام يبكي بعضهم ويصرخ بعضهم ويتقلّبون حول أنفسهم بحفاظاتهم وعري أجسادهم، والذهول الجمعي العام الذي يمكن أن يكوّنه مشهدهم وتعكسه أحوالهم. "لو بدك تعملي أقوى وأشنع وأرعب وأرهب أفلام العنف والقتل والتشطيب والتشريح فلن تصلي لما يجري في غزة. يعجز أي مخرج أو منتج أن يتخيله أو يقاربه. فوق الخيال وفوق استيعاب العقول".
مشهد لرجل يحمل طفله، أو طفلته الشهيد/ الشهيدة ويقول: "قلتها كلمة، لو بدهم يدفنوني بالدبابات مش طالع من داري... ورح أحط خيمة فوق داري وأقعد فيها شو ما يصير".
محمد أبو ياسين، شقيق حليمة، يقول: "ذهبت مع أبي حافيًا لنعرف ما الذي جرى مع حليمة وإبراهيم. ركبنا الباص. وصلنا مستشفى العودة. وفي الباص رأيت أطفالًا بلا رؤوس". أما شقيقها إبراهيم فيقول لدانيا دنرشلي، المعالجة النفسية والعضوة المؤسسة في صندوق غسان أبو ستة للأطفال: "كانوا صحابي ولا عمري بنساهم". وحين سألته دانيا: "عم تحكي مع حدا من صحابك؟" أجاب إبراهيم: "لأ، كلهم استشهدوا". وبدل أن تسرد قصة سعيدة، تصف حليمة اللحظات الأولى لاستهدافها قائلة: "برميل أجا على راسي، بعدين طرت، ما حسّيتش بإشي، وخلصت القصة".
الكاميرا أكثرت خلال مشاهد تصوير حليمة من التركيز على عيونها؛ يا إلهي كم تحكي عيونها، كم تعبّر، كم تختزن دموع العالم كلّه، عيونها تحكي وتروي وتعبّر وتغرقنا جميعنا بدمع العجز المرير. إبراهيم يصف ما جرى له ولشقيقته وأقاربه وأصدقائه على طريقته وبلهجة أهله: "كنا بنلعب، لمّا نزل أول صاروخ الدنيا صارت عتمة. طارت أختي من إيدي. طرنا إحنا التنين. ونزلوا الصاروخ التاني، هالحين العمارة وقعت. والصاروخ التالت إجا فوسفوري، ما شفتش ولا حاجة، الحجار وقعوا عليّ. أختي حليمة ما شفتهاش حوليّا".
أما شقيقتها سوار فتقول إن حليمة خرجت من الغيبوبة لا تتذكّر شيئًا ولا تعي كل ما حولها. دانيا توضح أن فقدان الذاكرة الذي يعقب مأساة بهذه الفداحة قد يكون له أسباب عضوية، لكنها ترجّح أن الأسباب الحقيقية لعدم التذكّر هذا هي رغبة المصدوم بأن ينسى أسباب صدمته، لكي يتعافى، ويخرج من خناق المحنة: "إن عدم الذاكرة في هكذا حالات هي طريقة/ حيلة للاستمرارية".
تقول ظريفة: "أول ما سمعت باستشهاد حليمة خطر على بالي خاطر: من سيقف معي في مجلى المطبخ؟ فهي كانت تقف معي في المطبخ وتبدأ تقليد بعض الممثلين المصريين مستخدمة اللهجة المصرية: يا بت مالك يا بت، يا بت يا ظريفة، مالك كده معصبة، فاكراني تلميذة عندك". مع مداخلة أمها صور لحليمة بملابس مناسبات سعيدة؛ فستان أبيض جميل ومبهج، صور فيديو لها تعتلي مكانًا مرتفعًا على ما يبدو يشرف على النافذة وتقوم بحركات صبايا أكبر منها عمرًا، وتحمل حقيبة ومطرة ماء فاخرة، وتضع فوق رأسها طاقية سماوية اللون وترتدي ملابس أنثوية، وتقوم بأداء حركات تعبيرية تمثيلية راقصة، مشاهد عن فرح الناس قبل المقتلة، عن أحلام الأطفال، وعوالم الطفولة البريئة.
تصف دانيا حليمة قائلة: "حليمة كتلة عاطفة وبتوزع حب، ماشية وبتوزع حب، بتحط هالبرنيطة وبطّل كلنا قلبنا بيدق، قد ما هي محبة ولطيفة وسعيدة، بنت سعيدة جدًا جدًا جدًا". أمها تصفها أنها فاكهة العيلة، بمذاقات عديدة، تمشي وتلعب، تمشي وترقص، شاطرة، ذكيّة، لمّاحة، وهي الآن تحب الحياة أكثر.
في الفيلم تقلّبات بين الفرح بإنقاذ حليمة، وبين الحزن على باقي المشهد في غزّة، بين مشهد لحليمة تضع أحمر الشفاه كما لو أنها صبية تصطاد المسرّات في الاستراحة بين مقتلة وأخرى، وبين حديث لها مع دانيا تقول لها فيه: "كل صحابي استشهدوا، ما ضلّليش ولا واحد". وحين سألتها كيف عرفتِ أنهم استشهدوا، أجابت: "ما أنا كمان استشهدت، بس حرّكت إيدي وكمان عيّطت، بعدين طلعوني، بعدين حطوني على العمليات". ثم سألتها دانيا: "وبعدين؟"، فأجابت: "هاي شكلي أخيرًا". ومن تقلّبات الحزن عندما تقول حليمة لدانيا إن أولاد خالها أخبروها أنهم لا يريدون هدايا وألعاب عند عودتها من مصر ولبنان، بل يريدون طعامًا: "بدهم أكل، ما ضلّش عندهم أكل".
أضفت مساهمات زياد بطرس الموسيقية، بتوزيع موسيقي لألكسندر ميساكيان، لمسة إنسانية لافتة على مختلف مراحل الشريط الوثائقي الذي نال جوائز وتكريمات عديدة، منها: اختيار رسمي "Official Selection" في مهرجان شيكاغو/ فلسطين 2026، اختيار رسمي "Official Selection" وجائزة ذهبية في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2025، الفوز بجائزة مهرجان "LIFF Sweden" في عام 2025، جائزة مهرجان "Madonie Film Festival" في نسخته الصقلية، والمشاركة في مهرجان الأفلام الوثائقية الدولي الذي أقيم في موسكو هذا العام تحت عنوان "زمن أبطالنا" (Time of Our Heroes).
كما كشفت المشاهد العامة والجوية كم هي جميلة غزّة، وكم بحرها جميل، وغروبها قصيدة، وشروق الشمس فوق ما تبقى من بيوتها إطلالة أمل تأبى أن تستقيل.


تحميل المقال التالي...