}

في استثنائية فيلم "كان ياما كان في غزة"

سمير رمان سمير رمان 10 أغسطس 2026
سينما في استثنائية فيلم "كان ياما كان في غزة"
لقطة من فيلم "كان ياما كان في غزة"

نادرًا ما تعرض دور السينما العالمية فيلمًا فلسطينيّا، ولكنّ فيلم "كان ياما كان في غزّة" أصبح استثناءً، بعد فوزه بجائزة الإخراج في قسم "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي. أخرج الفيلم الأخوان التوأمان عرب وطرزان ناصر، من سكان الأردن والمنحدران من قطاع غزّة.
في عام 2013، أصبح أحد أفلام الأخوين القصيرة المبكرة أوّل عملٍ فلسطينيّ من غزّة يشارك في مهرجان كان السينمائي، باعتباره أحد أبرز التظاهرات السينمائية في العالم. وفي عام 2015، شارك التوأمان ناصر في المهرجان مرّةً أخرى بأول أفلاهما الروائيّة الطويلة. أمّا مهرجان البندقية (فينيسيا) لعام 2020، فقد شهد العرض الأوّل لأشهر أفلام التوأمين "غزّة حبيبتي/ Gaza Mon amour".
استغرق إنجاز فيلم "كان ياما كان في غزّة" قرابة عقدٍ من الزمن: فقد كُتب السيناريو قبل أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، وتدور أحداث القصّة في الفترة ما بين عامي 2007 و2009. ومع ذلك، ومن منظور أيامنا الحاليّة، تبدو أبعاد الأحداث في المنطقة الآن أكثر وضوحًا، مما جعل القصّة تكتسب دلالاتٍ ومعاني جديدة.
يعمل يحيى (الممثل نادر عبد الحيّ)، وهو طالبٌ شابّ، بدوامٍ جزئيٍّ في مطعمٍ صغير لإعداد سندويش الفلافل بخبز "البيت المنفوخ"، وتربطه علاقة صداقة بصاحب المحلّ، أسامة (الممثل مجد عيد). الصديق الأكبر سنًّا يدير هذا العمل التجاري، ولكنّه يتاجر أيضًا بالأدوية الطبيّة الخاضعة للرقابة (العقاقير الطبيّة) بطرقٍ غير قانونيّة. يساهم يحيى في توزيع هذه الحبوب عبر لفّ "البضاعة" داخل رغيف لفافة الفلافل. تسير الأمور على ما يرام، والجميع راضٍ، إلى أن يبدأ ضابطٌ من وحدة مكافحة المخدرات يدعى أبو سامي (المخرج والممثل المقدسي رمزي مقدسي) في ممارسة الضغوط على أسامة. وحين يرفض التاجر صفقةً عرضت عليه، يهدّده الضابط بالسجن ويطالبه بتسليم شركائه، الأمر الذي رفضه أسامة من جديد. ضاق الضابط ذرعًا بعناد أسامة، فلجأ إلى إجراءات متطرفة. في أثناء واحدةٍ من المداهمات التي نفّذها أبو سامي على المطعم، يقتل أسامة على يد الضابط، لكنّ يحيى يتمكّن من النجاة، ويحفظ في ذاكرته صورة مطلق النار، وهي صورةٌ ستلاحقه طويلًا، تمامًا كما سترافقه ذكرى صديقة المغدور.
بعد عامين، يجد يحيى نفسه، وبشكلٍ غير متوقّع، في موقع تصوير فيلمٍ دعائيّ بعنوان "المتمرّد"، الذي  يروي قصة استشهاد شابٍّ فلسطينيّ بطل على يد جنود الجيش الإسرائيلي. ومرّةً أُخرى سيلتقي يحيى بالضابط أبي سامي.
يحيل فيلم "كان ياما كان في غزّة/ Once Upon a Time in Gaza" المشاهد إلى أفلام الغرب الأميركي الكلاسيكيّة، وإلى أعمال المخرج كوينتن تارانتينو، إذ يبدو تأثير تلك الأعمال جليًّا في الجوانب البصرية من الفيلم، وبشكلٍ خاصّ في القصّة ذاتها التي تمثّل حكاية مشبعةً بفكاهةٍ خفيّة ورؤيةٍ ساذجة إلى واحدةٍ من أكثر مناطق العالم تعقيدّا، من وجهتي النظر السياسيّة والاجتماعيّة.





بالرغم من ظهور لقطات لعمليات قصف على الشاشة وسماع دويّ الانفجارات باستمرار في الخلفيّة، لا يمكن اتهام صنّاع الفيلم بالانتهازية واستغلال الظروف الأمنيّة في قطاع غزّة، ليس فقط لأنّ إنجاز الفيلم استغرق وقتًا طويلًا، ولأنّ تركيزه كان ينصبّ على الماضي، بل وأيضًا بسبب المنظور الذي تبنّاه صنّاع الفيلم. هنا، في الفيلم، تسير تفاصيل الحياة اليومية العادية جنبًا إلى جنب مع العبثيّة. وهذا بلا شكّ أفضل توصيف للحياة التي تحاكي الفنّ، وتمثّل عصرنة الفيلم، الذي وُجدت فكرته قبل عقود، أفضل برهان على هذا التعايش.

ملصق فيلم "كان ياما كان في غزة" للأخوين التوأمين عرب وطرزان ناصر 


يبدأ الفيلم بعرضٍ ترويجيّ لفيلمٍ فلسطينيّ بطوليّ يحمل عنوان "المتمرّد"، مصحوبًا بصوت الرئيس الأميركي دونالد ترامب المألوف وهو يقترح، في أحد خطاباته، تحويل قطاع غزّة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". في الفصل الثاني، يمضي مسؤولون في وزارة الثقافة المحليّة قدُمًا في هذه "المزحة"، ليبتكروا مصطلح "غزة وود/ Gazawood"، في إشارةٍ إلى هوليوود، وبوليوود. على الرغم من ندرة ما يبعث على الضحك في الفيلم، فإنّه زاخرٌ مع ذلك بالسخرية. يربط الفصل الثاني بين عنوان الفيلم وإمكانيات السينما المتاحة في المنطقة، مما يمهّد الطريق لظهور ما يسمّى بـ"ميتا ــ سينما" حقيقيّة تبحث في ماهية السينما ذاتها، أي صناعة فيلمٍ يدور حول صناعة السينما نفسها. في موقع التصوير، وتحت أنظار الرقباء اليقظة، تقع حوادث غير متوقّعة، إذ يرفض الممثل، الذي يؤدي دور جنديّ إسرائيليّ، رفضًا قاطعًا أن يدوس العلم الفلسطينيّ، فهو يرى أن مجرّد ارتداء زيّ الجيش الإسرائيلي أمرٌ يفوق طاقته وقدرته على الاحتمال. كما يقتحم والد الطفل، الذي يؤدي دور صبيٍّ متشرد، موقع المشهد لحماية ابنه، فالمشهد يبدو واقعيًا وحقيقيًّا أكثر مما ينبغي، فنقص الميزانيّة المخصصة للديكور والمعدات أجبر صنّاع الفيلم على استخدام أسلحةٍ حقيقية في المشاهد، إنّه موقفٌ يجمع بين العبثية والمأساة،  فالمسدّس الذي يصوبه الجندي الإسرائيليّ يبدو ملقّمًا، ويعتقد الناظر أنّ الرصاصة ستنطلق حتمًا في أيّ لحظةٍ.
بعد وقوع الجريمة التي كان شاهدًا عليها منذ عامين، يعيش يحيى حياة التخفي والنزوح والخوف. ولهذا يظهر الآن في حالةٍ من الحيرة والانفصال عن الواقع، ويبدو وكأنّه غير مدركٍ لمكان وجوده، أو لما هو متوقّع منه في هذه اللحظة. والآن، يجرّب يحيى قناع البطل والمعذّب الذي يناسب تمامًا هويته الحقيقية، والذي يتقمّصه أكثر وأكثر مع الوقت. يعيش والدا يحيى على بعد مئات الأمتار عنه، ولكنّه لا يستطيع زيارتهما لأنّ الجدار العازل بينهما، ولأنّهما يخافان عليه ويحثانه دومًا على توخي الحذر وتجنّب لفت الأنظار. ومع ذلك، لم تعد أمام يحيى إمكانية للعودة إلى الوراء، وعليه المضي قدُمًا: فبعد أن كان عاجزًا في البداية عن صياغة جملةٍ متماسكة واحدة أمام الكاميرا، أصبح وبسرعة كبيرة قادرًا على إلقاء خطاباتٍ حماسيّة أمام عدسات كاميرا التصوير، وكأنّه يستعجل بذلك وقوع النهاية المأساوية الحتمية. إنّها نهاية مريرة، ولكنّها تنطوي، بطريقتها الخاصّة، على مفارقةٍ عجيبة: فالحياة تمضي قُدُمًا بغض النظر عن الظروف، والناس يعتادون على كلّ شيء، فتصبح الغارات الجوية والقصف والدعاية أمرًا روتينيًّا.
ومع ذلك، يظلّ السؤال قائمًا: هل يتقبل هؤلاء الناس أنفسهم الأمر حقًّا كواقعٍ مسلّم به؟ وإن لم يفعلوا، فما هو الثمن الذي عليهم أن يدفعوه لقاء كبتهم كلّ هذا الاستياء العميق؟
تأتي الإجابة بكلّ بساطة من خلال العبارة الختامية التي تظهر على الشاشة، والتي يبدو أنّها أُضيفت لاحقًا: "سينتهي كلّ هذا". ظهرت العبارة من دون علامة استفهام، أو علامة تعجّب، عبارة جديّة من دون تشكيك، أو سخرية، عبارةً مكتوبة على صفحة السماء، وهي تقريرٌ لواقعٍ وحقيقة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.