}

"المهرجان القومي للمسرح" الـ19: بين تجديد الشكل وأسئلة المضمون

وائل سعيد 15 أغسطس 2026
مسرح "المهرجان القومي للمسرح" الـ19: بين تجديد الشكل وأسئلة المضمون
من حفل الافتتاح

على مدار السنوات الأربع التي تولى خلالها رئاسة "المهرجان القومي للمسرح" في مصر، بدت لدى الممثل محمد رياض عناية واضحة بالشكل المصاحب للدورات، وهو ما ظهر في أكثر من مناسبة، ربما، على حساب أسئلة تتعلق بالمضمون، وقد ظهر هذا بوضوح في الدورة الـ (16)، التي حملت اسم الفنان عادل إمام وأثارت وقتها اعتراضات من كثيرين، فعلى الرغم من المكانة التي يتمتع بها إمام عبر تاريخ الفن المصري، فإن الجزء الأكبر من أعماله وتجاربه ارتبطت بالسينما، وما زاد من اشتعال الموقف حينها هو اختيار صور لـ "الزعيم" تصدرت البوسترات الرسمية من مسلسل "عفاريت عدلي علام" 2017 وفيلم "خمسة باب" 1983، بينما كانت أمام إدارة المهرجان صور أكثر صلة بتجربته المسرحية من مسرحيات مثل، "أنا وهو وهي. مدرسة المشاغبين. شاهد ما شفش حاجة".
أما المفارقة الأكبر، فجاءت مع الترويج آنذاك لحضور عادل إمام بنفسه لاستلام التكريم، رغم بداية ابتعاده عن الأضواء في تلك الفترة؛ وهو ما شكك فيه قطاع كبير منذ البداية، قبل أن تتأكد توقعاتهم في حفل الافتتاح، إذ لم يحضر "الزعيم" أو حتى من ينوب عنه من أسرته.
مع دورة هذا العام، يتجدد السياق نفسه ولكن بأشكال مختلفة، وإن كان بعضها قد ترك أثرًا ملموسًا على أرض الواقع من خلال تجديدات وتغييرات كان المهرجان في حاجة إليها. يأتي في مقدمة ذلك تحول على المستوى التنظيمي، موجه بالأساس إلى الصحافيين والنقاد ووسائل الإعلام، تمثل في تولي السينمائية نيفين الزهيري رئاسة المركز الإعلامي والصحافي للمهرجان، مستفيدة من خبرة واسعة في تنظيم وتغطية الفعاليات الفنية، وما صاحب ذلك من تطوير واضح في طريقة تقديم فعاليات الدورة، بدءًا من الـ "ريد كاربت"، ووصولًا إلى توسيع نطاق الحضور الإعلامي، حتى أن المهرجان القومي هذا العام بدا، في تعليقات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أقرب في مظهره إلى مهرجان القاهرة السينمائي.
للمرة الأولى، عبارة تكررت بعينها في الحديث عن الدورة، حتى بدا حضورها لافتًا في المشهد، لا سيما وأن الدورة الحالية تمثل آخر دورة في فترة رئاسة محمد رياض، إذا لم يتم التجديد له، وكان رياض قد أعلن العام الماضي أن الدورة الـ (18) ستكون آخر دوراته، لإفساح المجال أمام دماء جديدة في الإدارة، بحسب تعبيره، قبل أن يتراجع عن موقفه ويصرح في المؤتمر الصحافي لدورة العام، بأنه قرر الاستمرار لاستكمال مبادرات أطلقها المهرجان، وفي مقدمها الخروج من مركزية العاصمة.

شهيرة وزوج ابنتها محمد رياض وحفيدها 


وكان هذا التوجه قد بدأ العام الماضي بعرض عدد من العروض خارج القاهرة، قبل أن يتخذ هذا العام شكلًا أكثر اتساعًا، وإن ظلت تفاصيل التجربة تفتقر إلى قدر من الوضوح؛ إذ انطلقت فعاليات الدورة قبل موعدها الرسمي بنحو شهر تقريبًا من محافظة المنصورة، ببرنامج امتد أسبوعًا كاملًا من العروض والفعاليات، قبل أن تستكمل النسخة النهائية للدورة في القاهرة، على مدار أكثر من أسبوعين في الفترة من الخامس والعشرين من تموز/ يوليو إلى الحادي عشر من آب/ أغسطس، الجاري.

لعبة التكريمات
بخلاف عدد من التكريمات الموازية، سواء لرموز فنية في المحافظات أو لفنانين رحلوا مؤخرًا، من بينهم، عبد الرحمن أبو زهرة وعبد العزيز مخيون، ضمت قائمة التكريم الرئيسية عشرة أسماء، على غرار ما جرت عليه العادة كل عام، مع توزيع أكثر تنوعًا لتمثيل العناصر المسرحية، بعدما غلب عليها في العادة حضور الممثلين. إذ احتفت نصف التكريمات هذا العام بعناصر الإخراج والتأليف والنقد، من خلال تكريم المخرجين أحمد البنهاوي ومجدي مجاهد، إلى جانب الكاتب المسرحي وليد يوسف، والناقد د. حمدي الجابري، والمسرحي صبري ناصف.
فيما ضمت قائمة المكرمين من الممثلين، أحمد ماهر، الذي أعلن أن تكريمه هذا قد تأخر كثيرًا مقارنة إلى مشواره الفني، وأحمد عبد العزيز، الذي سبق أن تولى رئاسة المهرجان في دورته الثانية عشرة، إلى جانب تكريم آخر ذهب إلى أحمد وفيق، وهو من أكثر التكريمات المثيرة، حيث يتجاوز الجدل هنا الإشكاليات المثارة سابقًا، المتعلقة بتكريم تجارب لم تقدم الكثير على الخشبة، إلى التساؤل حول أحقية تكريم تجربة وفيق من الأساس، سواء المسرحية أو غيرها، قياسًا إلى ما قدمته من أعمال أو من قيمة فنية.

المكرمون  


أما العنصر النسائي في القائمة، فتمثل في تكريم الفنانة شهيرة، التي أشارت في كلمتها إلى دهشتها من امتلاكها رصيدًا يبلغ (12) عملًا مسرحيًا، مؤكدة على أن تكريمها لم يأتِ بسبب كون رئيس المهرجان محمد رياض زوج ابنتها، وإنما بقرار من اللجنة العليا للمهرجان، ساخرة من الاتهام بقولها: "محدش بيكرم حماته". فيما أعربت الفنانة إسعاد يونس، أو "صاحبة السعادة" كما تعرف، عن سعادتها الاستثنائية بهذا التكريم، حيث يمثل الأول في حياتها المسرحية.
كما أصدرت الدورة عشرة كتب بأسماء المكرمين، من بينها، "أحمد ماهر... فارس المسرح العربي" للناقد والإعلامي جمال عبد الناصر، الذي صاغ رحلته البحثية عبر مستويات متعددة من الرصد والتوثيق، بدءًا من محطات النشأة والتكوين، مرورًا بأبرز التجارب والأعمال من وهج المسرح إلى ذاكرة السينما، وصولًا إلى الإجابة عن سؤال، (لماذا هو فارس المسرح العربي) بأحد فصول الكتاب. يقول في مقدمته: (لعل أكثر ما جذبني في هذه الرحلة أن أحمد ماهر لم يكن يحكي عن نفسه باعتباره بطلًا خارقًا أو نجمًا لا يخطئ، بل كان يحكي بصدق الإنسان الذي يعترف بتعثراته كما يتحدث عن نجاحاته، ويبتسم وهو يستعيد لحظات القلق والخوف كما يستعيد لحظات الفرح والانتصار).

بوستر المهرجان


أيضًا، كتاب "مجدي مجاهد... قامة فنية وقيمة إنسانية" تأليف مشترك، لهاني كمال ومحيي الدين إبراهيم، وكتاب "شهيرة... أيقونة الفن الجميل" لعمر زهران، إلى جانب كتاب "إسعاد يونس... سيدة كل الأدوار" للدكتور محمد فتحي، وفيه يتتبع فتحي مشوارها الفني من خلال استدعاء طفولته، إذ يقول: (عرفت إسعاد يونس كممثلة كوميدية وأنا أشاهد إعادة مسلسل "حكاية ميزو"، وأضحك على جملها وأدائها في مسرحية "الدخول بالملابس الرسمية"، ثم كانت المفاجأة حين أحضر والدي ذات يوم في منتصف الثمانينيات شريطًا كنت أتعثر في قراءة اسمه "عزت الألاتاوي"، لكني لم أتعثر يومًا وأنا أغني معها "أبو زعيزع" ضمن أغنيات مبهجة كتبها العملاق صلاح جاهين، ولحنها العظيم سيد مكاوي).

هوية العرض المسرحي
في سابقة تحسب للإدارة، يخوض المهرجان هذا العام تجربة الإنتاج من خلال عرض "فتاة المترو"، بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، وهو العمل الفائز بأفضل نص مسرحي في الدورة السادسة عشرة. رغم عدم حصول العرض على نصيب من جوائز الدورة، لعدد من الأسباب الفنية، إلا أنه أتاح فرصة مهمة لممثليه من خريجي ورش التمثيل والسينوغرافيا والإخراج التي ينظمها المهرجان، تحت إشراف محسن رزق وبطولة عزت زين.كذلك، يحسب للجنة تحكيم هذا العام أنها لم تتعامل مع العرض بوصفه عملًا من إنتاج المهرجان يستحق المجاملة، يعزز هذا نتائج الجوائز والتي جاء أغلبها خارج سقف التوقعات والألفة المتكررة في أكثر من دورة سابقة، فضلًا عن لجوئها إلى المناصفة في معظم الجوائز، "نظرًا لتقارب مستوى التميز وتفوق العناصر المشاركة"، كما ورد في توصيات اللجنة، التي دعت إدارة المهرجان إلى زيادة عدد الجوائز في الدورات المقبلة.
احتوى برنامج العروض على (38) عرضًا مسرحيًا تنافست على جوائز المهرجان، فيما تتصدر قائمة الجوائز مسرحيتان استلهمت كل منهما فترات تاريخية مختلفة، بدءًا من موروث الريف المصري في عرض "متولي وشفيقة" الحاصل على أربعة جوائز، أفضل عرض مسرحي أول، أفضل إخراج وأداء حركي وأفضل تصميم ديكور مناصفة. ومن أجواء المسرح الأوروبي، يحضر عرض "آل يونسكو" حاصدًا أربع جوائز من بينها، أفضل دراماتورج وأفضل مخرج صاعد مناصفة. كما حصل العرض المنودرامي "سما"، إنتاج مركز الهناجر، للكاتبة اللبنانية سونيا بوماد، على ثلاث جوائز، أفضل تصميم لإضاءة وديكور، مناصفة، وأفضل دور أول نساء مناصفة لمروة عبد المنعم.
بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى ثلاثة عروض، "أوليفر بالعربي"، قطاع خاص، أفضل عمل جماعي، إلى جانب أفضل ممثلة صاعدة مناصفة، ومسرحية "دائرة الطباشير القوقازية"، جامعة حلوان، وحصلت على أفضل عمل جماعي وأفضل تصميم أزياء وأفضل ممثلة صاعدة، كما حصد عرض "البوسطجي"، جامعة القاهرة، على أفضل عمل جماعي. بخلاف "أوليفر بالعربي"، المقتبس من رواية تشارلز ديكنز، برز الإعداد والاقتباس من أعمال عالمية بوصفهما سمة غالبة على عروض هذا العام، إذ بلغت نسبة العروض التي اعتمدت عليهما 66% وفق توصيات لجنة التحكيم.
يمكن تلمس هذا في عدد من المسرحيات مثل، "شبح الأوبرا" و"البؤساء" أو "كأن شيئًا لم يكن" الذي جمع في معالجته بين نصين لبريستلي وتشيخوف. على أن هذه السمة لا تبدو طارئة أو أنها تخص الدورة الحالية؛ حيث تكررت بنسب متفاوتة في معظم الدورات السابقة. وهو ما دفع اللجنة إلى التوصية بالتوجه نحو النصوص المحلية، كما دعت في سياق مشابه، إلى صناعة موسيقى خاصة بالعروض بدلاً من الاعتماد على الموسيقى الجاهزة، حفاظًا على هوية العرض المسرحي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.