على مدار السنوات الأربع التي تولى خلالها رئاسة "المهرجان القومي للمسرح" في مصر، بدت لدى الممثل محمد رياض عناية واضحة بالشكل المصاحب للدورات، وهو ما ظهر في أكثر من مناسبة، ربما، على حساب أسئلة تتعلق بالمضمون، وقد ظهر هذا بوضوح في الدورة الـ (16)، التي حملت اسم الفنان عادل إمام وأثارت وقتها اعتراضات من كثيرين، فعلى الرغم من المكانة التي يتمتع بها إمام عبر تاريخ الفن المصري، فإن الجزء الأكبر من أعماله وتجاربه ارتبطت بالسينما، وما زاد من اشتعال الموقف حينها هو اختيار صور لـ "الزعيم" تصدرت البوسترات الرسمية من مسلسل "عفاريت عدلي علام" 2017 وفيلم "خمسة باب" 1983، بينما كانت أمام إدارة المهرجان صور أكثر صلة بتجربته المسرحية من مسرحيات مثل، "أنا وهو وهي. مدرسة المشاغبين. شاهد ما شفش حاجة".
أما المفارقة الأكبر، فجاءت مع الترويج آنذاك لحضور عادل إمام بنفسه لاستلام التكريم، رغم بداية ابتعاده عن الأضواء في تلك الفترة؛
مع دورة هذا العام، يتجدد السياق نفسه ولكن بأشكال مختلفة، وإن كان بعضها قد ترك أثرًا ملموسًا على أرض الواقع من خلال تجديدات وتغييرات كان المهرجان في حاجة إليها.
للمرة الأولى، عبارة تكررت بعينها في الحديث عن الدورة، حتى بدا حضورها لافتًا في المشهد، لا سيما وأن الدورة الحالية تمثل آخر دورة في فترة رئاسة محمد رياض، إذا لم يتم التجديد له، وكان رياض قد أعلن العام الماضي أن الدورة الـ (18) ستكون آخر دوراته، لإفساح المجال أمام دماء جديدة في الإدارة، بحسب تعبيره، قبل أن يتراجع عن موقفه ويصرح في المؤتمر الصحافي لدورة العام، بأنه قرر الاستمرار لاستكمال مبادرات أطلقها المهرجان، وفي مقدمها الخروج من مركزية العاصمة.
وكان هذا التوجه قد بدأ العام الماضي بعرض عدد من العروض خارج القاهرة، قبل أن يتخذ هذا العام شكلًا أكثر اتساعًا، وإن ظلت تفاصيل التجربة تفتقر إلى قدر من الوضوح؛
لعبة التكريمات
بخلاف عدد من التكريمات الموازية، سواء لرموز فنية في المحافظات أو لفنانين رحلوا مؤخرًا، من بينهم، عبد الرحمن أبو زهرة وعبد العزيز مخيون، ضمت قائمة التكريم الرئيسية عشرة أسماء، على غرار ما جرت عليه العادة كل عام، مع توزيع أكثر تنوعًا لتمثيل العناصر المسرحية، بعدما غلب عليها في العادة حضور الممثلين.
فيما ضمت قائمة المكرمين من الممثلين، أحمد ماهر، الذي أعلن أن تكريمه هذا قد تأخر كثيرًا مقارنة إلى مشواره الفني، وأحمد عبد العزيز، الذي سبق أن تولى رئاسة المهرجان في دورته الثانية عشرة، إلى جانب تكريم آخر ذهب إلى أحمد وفيق، وهو من أكثر التكريمات المثيرة، حيث يتجاوز الجدل هنا الإشكاليات المثارة سابقًا، المتعلقة بتكريم تجارب لم تقدم الكثير على الخشبة، إلى التساؤل حول أحقية تكريم تجربة وفيق من الأساس، سواء المسرحية أو غيرها، قياسًا إلى ما قدمته من أعمال أو من قيمة فنية.
أما العنصر النسائي في القائمة، فتمثل في تكريم الفنانة شهيرة، التي أشارت في كلمتها إلى دهشتها من امتلاكها رصيدًا يبلغ (12) عملًا مسرحيًا، مؤكدة على أن تكريمها لم يأتِ بسبب كون رئيس المهرجان محمد رياض زوج ابنتها، وإنما بقرار من اللجنة العليا للمهرجان، ساخرة من الاتهام بقولها: "محدش بيكرم حماته".
كما أصدرت الدورة عشرة كتب بأسماء المكرمين، من بينها، "أحمد ماهر... فارس المسرح العربي" للناقد والإعلامي جمال عبد الناصر، الذي صاغ رحلته البحثية عبر مستويات متعددة من الرصد والتوثيق، بدءًا من محطات النشأة والتكوين، مرورًا بأبرز التجارب والأعمال من وهج المسرح إلى ذاكرة السينما، وصولًا إلى الإجابة عن سؤال، (لماذا هو فارس المسرح العربي) بأحد فصول الكتاب. يقول في مقدمته: (لعل أكثر ما جذبني في هذه الرحلة أن أحمد ماهر لم يكن يحكي عن نفسه باعتباره بطلًا خارقًا أو نجمًا لا يخطئ، بل كان يحكي بصدق الإنسان الذي يعترف بتعثراته كما يتحدث عن نجاحاته، ويبتسم وهو يستعيد لحظات القلق والخوف كما يستعيد لحظات الفرح والانتصار).
أيضًا، كتاب "مجدي مجاهد... قامة فنية وقيمة إنسانية" تأليف مشترك، لهاني كمال ومحيي الدين إبراهيم، وكتاب "شهيرة... أيقونة الفن الجميل" لعمر زهران، إلى جانب كتاب "إسعاد يونس... سيدة كل الأدوار" للدكتور محمد فتحي، وفيه يتتبع فتحي مشوارها الفني من خلال استدعاء طفولته، إذ يقول: (عرفت إسعاد يونس كممثلة كوميدية وأنا أشاهد إعادة مسلسل "حكاية ميزو"، وأضحك على جملها وأدائها في مسرحية "الدخول بالملابس الرسمية"، ثم كانت المفاجأة حين أحضر والدي ذات يوم في منتصف الثمانينيات شريطًا كنت أتعثر في قراءة اسمه "عزت الألاتاوي"، لكني لم أتعثر يومًا وأنا أغني معها "أبو زعيزع" ضمن أغنيات مبهجة كتبها العملاق صلاح جاهين، ولحنها العظيم سيد مكاوي).
هوية العرض المسرحي
في سابقة تحسب للإدارة، يخوض المهرجان هذا العام تجربة الإنتاج من خلال عرض "فتاة المترو"، بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية، وهو العمل الفائز بأفضل نص مسرحي في الدورة السادسة عشرة.
احتوى برنامج العروض على (38) عرضًا مسرحيًا تنافست على جوائز المهرجان، فيما تتصدر قائمة الجوائز مسرحيتان استلهمت كل منهما فترات تاريخية مختلفة، بدءًا من موروث الريف المصري في عرض "متولي وشفيقة" الحاصل على أربعة جوائز، أفضل عرض مسرحي أول، أفضل إخراج وأداء حركي وأفضل تصميم ديكور مناصفة.
بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى ثلاثة عروض، "أوليفر بالعربي"، قطاع خاص، أفضل عمل جماعي، إلى جانب أفضل ممثلة صاعدة مناصفة، ومسرحية "دائرة الطباشير القوقازية"، جامعة حلوان، وحصلت على أفضل عمل جماعي وأفضل تصميم أزياء وأفضل ممثلة صاعدة، كما حصد عرض "البوسطجي"، جامعة القاهرة، على أفضل عمل جماعي.
يمكن تلمس هذا في عدد من المسرحيات مثل، "شبح الأوبرا" و"البؤساء" أو "كأن شيئًا لم يكن" الذي جمع في معالجته بين نصين لبريستلي وتشيخوف.


تحميل المقال التالي...