تكامل وجود المرأة في المعرض الذي نحن بصدده باشتماله على وجودها في السياق الذاتيّ والوطنيّ والفكري؛ ضمن شكل فنيّ مكتمل الجماليات في الخطوط والألوان، بما يدخلنا في الذات والمكان والمعنى، باتجاه البوح الخفيّ من ناحية، واتجاه المشاركة والمساواة من ناحية أخرى، في حين نحت الفنانة اتجاهًا نقديًّا لما يتمّ برمجته من نمط، باتجاه منح المرأة ما منحتها لها الحياة من حضور.
هذا المعرض، وهو الفرديّ الخامس للفنانة التشكيلية راية العامودي، الذي حمل عنوان "أرضيات"، والمقام حاليًا في مؤسسة وغاليري "المعمل" في القدس، نحن بإزاء تجليات حضور المرأة الفلسطينية في سياقات الوجود والتواجد، بما يحقق الذاتية والموضوعية، بل والطموح باتجاه الانطلاق الإنساني، ما يعني هنا التحرر الاجتماعي، كشرط للتحرر.
ولعل الناظم هنا هو حضور التشارك والتضامن الشعوريّ والوطني، انطلاقًا من تكامل الدور في الحياة، باستلهام المشاركة في الزرع والحصاد، تراثيًا، وهو ما جعلها تستعيد ما كان لا على سبيل الاستعادة لوطن مسلوب، بل لاستعادة عدالة تهشمت؛ فقد أثّر الاستعمار لفلسطين على ما كان من أدوار فاعلة في الحياة الفلسطينيّة.
صوّرت الفنانة العامودي المرأة في القسم الأول، في سياق فضائها الخاص، وما تثيره من مشاعر وأفكار لدى الزائر؛ فقد ظهرت المرأة وحدها بمشاعرها الإنسانية المتنوعة، يجمعها الشعور بالوحدة ضمن إطار مشاهد اللوحات جميعها بشكل عام، ومشهد كل لوحة على حدة، فقد ظهر المكان جماليًا من فضاء الأرضيات المزخرفة ومقتييات البيت من مزهريات وستائر وثياب، مذكرتنا بمعرضها الفردي الثالث "فلسطين 1911"، قبل ثلاث سنوات، حيث أصبحت العامودي رائدة رسم البلاط المزخرف، الذي يحتاج طول نفس يذكرنا بالتطريز، حيث صرنا نرى في الآونة الأخيرة أن رسم البلاط صار اتجاهًا لعدد من الفنانين.
وهي، بذلك، تثير تساؤلًا يزداد عمقًا بالتنقل من لوحة إلى أخرى، حيث نجد أنفسنا إزاء فضاءات جميلة موحية بالاستقرار، في حين توحي مونولوجات النساء بما هو مختلف، بمعنى أن ثمة مفارقة ذكية فنيًا ونفسيًا واجتماعيًا، توحي بأن هؤلاء النساء في هكذا فضاءات يعانين الوحدة والمعاناة المستترة، التي يمكن أن تأخذنا الى معانٍ إنسانية وجودية تتعلق بالحياة التي نعيشها، فلم تجد النساء هنا (والبشر) إلا القطط لتؤنس وحدتهن.
ولعلّ لوحة "أحلام كثيرة"، من خلال جعل المرأة هنا غافية تحلم، مسندة رأسها على كومة مخدّات بعضها فوق بعض ارتفعت عموديًا، لتوظيف المخدّات، ويظهر القط كحارس أحلامها، تختزل بعمق حال النساء. كذلك لوحة "امرأة وفاكهة"؛ كونها تثير شعور المرأة بالوحدة، تذكّرنا بلوحة "لا أحد"، حيث لا أحد يشاركها تناول البطيخ، وقد أحسنت باختيار هذه الفاكهة كونها تؤكل جماعيًّا. وهنا اختارت الفنّانة رسم المرأة في زاوية اللوحة لبعث الإحساس بالفراغ.
لربما تلخّص لوحة "بدون عنوان" مجمل مشاعر المرأة هنا في فضاءاتها الخاصة، فهي بثوبها، صارت جزءًا من الانتظار، حيث تبدو العلاقة العضوية بينها وبين الثوب وكرسي الانتظار. وكل ذلك يظهر في أجواء جمالية، زخرفية، فيها الورود، وفيها الجوارير التي تثير الأسئلة فيما إذا كانت الحالة العامة تعبّر عن مونولوجاتها الحقيقية.
تنتقل العامودي من السياق النفسي والاجتماعي إلى الوطني من خلال تصوير وجود الرجل والمرأة كمعبّر عن البقاء بالمشاركة، من خلال استعادة طقس قطف البرتقال في يافا المستلبة عام 1948.
لوحتا ثنائية "على الباب ــ غرس"
بدتا لوحتين متجاورتين بمضمون عاطفي وإنسانيّ، تنطلقان من داخل الرجل والمرأة، من خلال تحمّل المسؤولية.
"على الباب": خلفية اللوحة مدخل بيت قديم تستلقي عليه نبتة الياسمين، تقف الفتاة مستندة على الجدار، واقفة على رجل، فيما تثني الأخرى تسندها على الجدار، في إيحاء طول زمن الوقفة المحببة لها، فهي كأنها نسيت زمن الوقفة، فتغير شكل الوقفة في اللاوعي ثانية الرجل من أجل راحتها. أمّا الشاب، فيقف بدون استناد، حيث يكفيه لمس شعرها الذي صار جسرًا جماليًا بينهما، يمرّر عليه زهر الياسمين، فهو يقف بنوع من الامتنان والفرح، فتصير الزهرة بوحًا بالشعور. وانسجمت أريحية الشعور العاطفيّ مع الشكل المعماريّ الموحي بالأمان المرتبط بالحنين، ثم ليعمّق حضور القط هذا السلام، كون القطط لا تتواجد إلا في فضاء آمن.
"غَرْس": أما لوحة "غرس"، فإن مضمون "السند" قد تجلى في تشكيل رسمهما معًا في الفضاء الخارجي، حيث يرتبط الحبّ بالمسؤولية والتعاون.
ويبدو أن الفنانة لها أسلوب في تشكيل وقوف الرجل والمرأة، وهو لافت للنظر، من حيث زوايا الوقوف والنظر، فيما شكل الشعر والكوفية والقماش زخرفة حركية جمالية من ناحية التشكيل، وحيوية في مضمون دورها. ثمة انسجام مع الزرع، ومع الحياة نفسها، في شكل رسم الأيادي الدالة على البقاء معًا، ذلك البقاء الواقعي الوطني والجمالي من خلال الفأس والزهرة بين أيديهما، وهو ما يمنحهما مواجهة تحدي الحياة، التي لا تقف عند حد شروق الشمس كما في اللوحة، بل يعتري ذلك غيوم، وريح تعصف بهما كما في حركة الشال والكوفية، لكنهما يظلان ثابتين يثيران استحسان "القط" وشعوره بالأمان. وظهر البلاط كأرضية متخيلة بالرغم من تصويرهما خارج البيت.
يافا
ستّ نساء برتقاليات يتقدمن اللوحة، خلفيتها طقس قطف البرتقال، وما ينسجم معه من حياة اجتماعية، كان للتكوين الفني الحيوي، بما ظهر من تشكيل وقوف النساء وأزيائهن، حتى زوايا النظر، أثر سيمفوني، انسابت فيه جدائلهن السوداء مع أغطية الرأس البيضاء، فيما شكّل الأخضر والبرتقالي بروازًا إبداعيًا لتلك العناصر، عبّر فيها الشكل الإبداعيّ عن مضمون استعادة الحياة التي كانت هنا قبل الانتكاب.
تُجسّد لوحة يافا فكرة الثروة الفلسطينية المفقودة، من خلال مجموعة من الرموز البصريّة المرتبطة بمدينة يافا وتاريخها الاقتصاديّ والاجتماعيّ. وتمثل النساء المرتديات للثوب الأزرق مدينة يافا وزرقة البحر، بينما يشير القط الحامل لسمكة في فمه إلى الطابع الساحليّ للمدينة وارتباطها العميق بالبحر.
"عرس": ويستمر التداخل الاجتماعيّ الوطنيّ كما في هذه اللوحة؛ فثمة علاقة عضوية هنا بين العرس والفنون التي لا تعبّر عن العرس بقدر ما تصبح العرس نفسه، من عزف ورقص، في حين أكملت الفنانة الاحتفال بوضع "عرق تطريز الثوب الفلسطيني"، كأرضية للوحة.
وفي الطرف العلويّ الآخر من اللوحة، تحتفل ثلاث نساء بالعروس الجالسة في المنتصف، يرتدين أثوابًا مزينة بتطريز فلسطينيّ بسيط، وتعلوهن دالية عنب في إشارة إلى الزراعة والثمر الذي يستعد للقطاف.
توظيف البلاط باتجاه نقديّ
من يتأمل تجربة الفنانة العامودي، يجد دومًا أن هناك حيّزًا واضحًا لوجود لوحات تأخذ المعاني إلى مدى رحب، وهي تتميّز بالتفكير النقديّ، لذلك راحت تعكس نظرتها في نقد التنميط الاجتماعيّ من جهة، وخاصة ما له علاقة له بصورة المرأة، ونقد القيود المتنوعة من جهة أخرى.
ثنائية "قط وحرف" و"خيبات"
يتوسط القطّ كتل البلاط والحروف، واللوحتان مقسمتان الى مساحتين تفصلهما رسمة القطّ، حيث توازي الحروف المبعثرة البلاط التجريديّ المزخرف، كأنها أسيرة لهذا النمط، وهذا المعنى الذي يحتاج تأويلًا.
في اللوحة الأولى، "قط وحروف"، يظهر فيها قطّ يجلس في فضاء أرضي، على بلاط مزخرف لا يكاد يكون له نهاية ما، ومحاط بحروف وكلمات مبعثرة ومجردة بلا معنى محدد. ثمة إيحاء سحريّ فيه فقدان للمعنى وجدوى الحياة، كأنها محاولة البحث المستحيلة عنه داخل القوالب الثابتة المكررة، حيث يمثل القطّ الكيان الحيّ الذي يحاول النجاة بفرديته وسط صخب الأنماط وسلاسل العادات الجافة التي لا روح فيها.
في لوحة "خيبات" طوليًا، يتوسط قطّان اللوحة على أرضية غير مكتملة البلاط، أو كأن جزءًا منه تآكل واختفى، ثمة زهرة ملقاة كأنهما يتفحصانها. تنقسم "الخلفية ــ الأرضية" ما بين البلاط غير المكتمل، وعبارة شعرية لمحمود درويش: "إني أُحبكِ رغم أنف قبيلتي ومدينتي وسلاسل العاداتِ لكنني أخشى إذا بِعتُ الجميعَ... تبيعني فأعودُ بالخيبات".
يلتقي القطان من حارتين مختلفين وفقًا للفنانة، يتفحصان بحذر وفضول تلك الزهرة على البلاط الناقص، كأنها محاولة ولادة الحب، أو الأمل العابر للحدود (بين حارتين)، لكنّ وقوع الزهرة فوق الفراغ (البلاط المفقود) يعكس التوجس والهشاشة الكامنة في هذه المحاولة. لقد عمّقت خلفية اللوحة التي تحمل كلمات درويش تحول هذا اللقاء الحذر إلى تجسيد حي لخشية الخذلان والعودة بالخيبات بعد بيع الجميع.
تقدم هذه الثنائية نقدًا بصريًا وشعريًا للقيود، سواء كانت هندسية مكررة في بلاط المكان، أو اجتماعية متمثلة في سلاسل العادات والقبيلة والتوقعات المسبقة. وهي تضع الكائن الحيّ (القطط) في مواجهة تفكك المعنى تارة، وفي مواجهة الهشاشة العاطفية والتوجس من الخيبة تارة أخرى، لتترك المشاهد معلقًا بين حتمية المحاولة ورهبة الانكسار.
جموح: تجسد جدارية "جموح" مشهدًا تعبيريًا حركيًا يتألف من ستة خيول تركض بقوة، كأنها تطير في السماء. تحيط بها أسراب من الطيور البيضاء التي تعزّز الإحساس بالحركة والانطلاق. تبرز الخلفية ببناء هندسيّ متقن من البلاط المضلع والمرتب بدقة، والذي تندفع منه الخيول وتتجاوزه، معلنة خروجها خارج حدود الإطار البصريّ والمكانيّ المحدّد لها. وفي فضاء اللوحة، يرتفع طائر أسطوري برأس امرأة، ليكون نقطة الجذب.
"بدون اسم": طفلة تحمل دميتها، تقف على أرضية البلاط مكرر الشكل، فيما ينتصب ظلّ الفتاة مرسومًا. يشكل البلاط بنية "الظلّ"، إيحاء مستقبليّ للتنبؤ بأنه تنتظر الطفلة برمجة وهندسة لحياتها، في إشارة نقدية حادّة ربما لإعادة إنتاج تقليدية.


تحميل المقال التالي...