}

ماريانا يامبولسكي: فوتوغرافيا المهمّشات والمنسيّات

أشرف الحسّاني 18 أغسطس 2026
فوتوغراف ماريانا يامبولسكي: فوتوغرافيا المهمّشات والمنسيّات
ماريانا يامبولسكي



تحتل الفنانة ماريانا يامبولسكي مكانة بارزة في تاريخ الفوتوغرافيا المكسيكية المعاصرة، ذلك أن تجربتها الفنية قوية البنيان، بما يجعلها من رواد فن التصوير في بلدها. فهي من الأسماء المضيئة التي أخرجت الفوتوغرافيا المكسيكية من بعدها الحديث صوب المعاصرة، لا باعتبارها مرحلة لاحقة وإنما كمفهوم مؤثر في بنية التصوير الفوتوغرافي. لذلك حرصت يامبولسكي منذ الستينيات على محاولة إعطاء أعمالها الفوتوغرافية بالأبيض والأسود مسحة تجديدية تتعامل مع الآلة الفوتوغرافية، بوصفها مختبرًا للتفكير وليس فقط وسيلة تقنية للقبض على حميمية الواقع وتبدّلاته اليوميّة. وقد استطاعت من خلال سلسلة أعمالها الفوتوغرافية المعروضة عبر العالم من بناء مشروع فوتوغرافي يستند على فلسفة اليومي وجعلها مادة للتفكير، للتأمل والاشتغال البصري. ويأتي هذا المنزع الجمالي في تجربة ماريانا يامبولسكي من خلال بداياتها المبكرة بفن الفوتوغرافيا بمدينة شيكاغو التي وُلدت فيها، قبل أنْ تقرر الذهاب إلى المكسيك للعيش فيها إلى الأبد، بعدما حصلت على الجنسية عام 1958.

هذا الافتتان بالعابر والزائر والمنسي والمهمّش في معرضها الجديد "موخير" (امرأة)، المنظم حاليًا في معهد ثيربانتس بمدينة الرباط، تمليه رغبة وجودية تلقائية تملّكت الفنانة، منذ صغرها، وخلال أسفارها ولقاءاتها لتصبح في مرحلة لاحقة، بمثابة شغف حقيقي يرُجّ جسدها ويدفعها إلى نسج علاقة حسّية مع الصورة الفوتوغرافية ومتخيلها.
نجحت ماريانا يامبولسكي في أن تكون الوجه النسوي الأكثر شهرة داخل المكسيك، بحكم الإمكانات الجمالية التي تتمتع بها وقدرتها على ابتكار شخصيات "متخيّلة" داخل عملها الفوتوغرافي. فهي وإنْ كانت تنطلق من الواقع ومفاهيمه ومن شخصيات حقيقية عاشت معها، فإن هذه الشخصيات ستمتلك داخل العمل الفوتوغرافي سيرة متخيلة تجعلها عبارة عن أعمال لا تنتمي للواقع. فأسلوبها الفني في التقاط الصور والتركيز على لحظات منسية في ديمومة الزمن، يمنح أغلب صورها نفسًا سحريًا يتحرّر معه العمل الفوتوغرافي من صنميته التي تميّزه عن الصورة الفنية (التشكيلية) ونظيرتها السينمائية.

من أعمال ماريانا يامبولسكي 


إن السر في إخفاء غلالة الواقع ورمزيته، جعل فوتوغرافيا ماريانا يامبولسكي تضرب بعمق في مدارات الخيال، لكنّه خبطٌ جمالي يبقى الواقع مدخله البلوري الآسر. إن الفوتوغرافيا في تجربة يامبولسكي، تشكل امتدادًا عميقًا للواقع المكسيكي في تلقائيته وفوضاه، فهي تحوّل العمل الفني إلى آلية للتفكير في المرأة داخل المجتمع وذلك بالتركيز على لحظات حميمة في علاقة المرأة بعناصر الوجود التي تحيط بها. لذلك تُطالعنا أعمال معرض "موخير" باعتبارها احتفاءً بالجسد الأنثوي وبقيمة المرأة ومركزيتها في خطابها الفوتوغرافي. لذلك فإن المتأمل لأعمالها الفنية، لا يمكن اعتبار أنها تدعي "النسوية" بل هي خطاب بصري أصيل يطرح الأسئلة الحارقة ويعيد للمرأة العابرة والمنسية والمهمشة مركزيتها داخل الخطاب الثقافي. وينبع هذا الدفاع عن صورة المرأة المكسيكية من انشغالها بالسياسة وجمعيات المجتمع المدني، حيث تعتبر أن الترافع حول المرأة يدخل ضمن مشروعها كفنانة ملتزمة تحاول أن تبلور عبر أعمالها الفوتوغرافية تصورًا مختلفة عن باقي الخطابات السياسية التقليدية داخل الممارسات المعاصرة.

يتأسس المشروع الفني عند ماريانا يامبولسكي على براديغم "اليومي"، إذ تحوّل مشاهدها ولقاءاتها وأحلامها وهواجسها إلى مادة فوتوغرافية بها تدين فداحة الواقع. بيد أن هذا التصادي الجمالي مع الواقع، لا يجعلها تنتج صورًا فوتوغرافية آلية وفق منطق ميكانيكي لا يفكر، بقدر ما تتعامل مع الواقع كمرآة تعكس أهوال المجتمع وتصدّعاته. وتحرص الفنانة في معرضها الجديد على استعادة ذاكرة المرأة المكسيكية والاحتفاء بالإنجازات التي حققتها في تاريخها. فالذاكرة تعتبر الخيط الناظم بين جميع الأعمال المعروضة وتأتي المرأة بوصفها الخطاب المركزي الذي يحرر الصورة من صنميتها ويجعلها تنفتح على مختلف الأسئلة القلقة. لذلك تحول ماريان الفوتوغرافيا إلى لحظة تأمّل بها تضيء ليل السؤال ومواجع النسيان. فهي فوتوغرافيا لا تظهر واقع المرأة بل تضيئه وتسعى جاهدة إلى تفكيكه وإبراز معالمه على شكل معالجات بصرية تختلف من صورة إلى أخرى.

غير أن استعادة تاريخ المرأة، لا يجعل الفنانة تسلك الطريق التي يسلكها المؤرخ في التأريخ للجسد الأنثوي وتحولاته داخل المجتمع المكسيكي، بقدر ما تركز على المهمشات والمنسيات والعابرات ممن لم ينتبه لهن التاريخ. يشغل الهامش ناصية كبيرة في منجزها الفوتوغرافي، إذ تعمل على تطويع عوالمه وتجعله مادة خصبة للتخييل الفوتوغرافي. إن الرهان على المنزع الهامشي في بناء شعرية الصورة الفوتوغرافية تحرّك أهواء فكريّة ـ سياسية أكثر من كونها جمالية، ذلك أن انخراطها السياسي يجعلها تراهن على الفضاءات اليباب والقضايا اللامفكر فيها داخل مركزية الاجتماع المكسيكي المعاصر.

وتحرص عبر هذا المفهوم (الهامش) على أن تقيم خطابًا بصريًا موازيًا للخطاب المركزي. فمن الهامش تأتي أفكارها وأحلامها وهواجسها على شكل مقاربة فنية انتقائية تدفعها إلى تهميش المركز وخطابه الكاذب، عبر المراهنة على كل ما هو عابر زائر.

من معرض الفنانة "امرأة" المقام في الرباط 


ليست ماريانا يامبولسكي، أول فنانة فوتوغرافية تعوّل على مفهوم الهامش، وتتخذ منه آلية لبناء جسر تجاه الواقع، بل نعثر في تاريخ الفن الغربي الحديث منه والمعاصر، على العديد من الوجوه والتجارب التي راهنت عليه وجعلت منه أفقًا للتخييل الفني. سيما وأن الهامش في بعض التجارب الفنية (التشكيلية على الخصوص) يحيل على مفهوم "القبيح" باعتباره مرادفًا لمفهوم "الجميل" كما بلوره المفكر الألماني كارل روسنكرانز، فقد درجت الجمالية الحديثة على إخفاء كل ما هو قبيح في الحياة والجسد الإنساني، تحت معايير لا يفرضها الذوق العام وإنما عناصر أخرى تجد امتدادها الفكري في الدين والأخلاق والأيديولوجيا. لذلك كان طرح مفهوم القبيح الذي ينضوي ضمن براديغم الهامش بمثابة ثورة جمالية في تاريخ الحركة الفنية، لأنه أتاح للفنانين، كما هو الأمر مع ماريانا يامبولسكي، إظهار الحقيقة الوجودية التي لا تظهر في الخطاب المركزي الذي ينتجه التاريخ، وإنما عبر الظواهر المأساوية التي تنبت على هوامش المجتمعات الكونية.

لا تتعامل الفنانة مع الهامش وفق مقاربة جمالية خالصة، لأن الهامش في أعمالها يُعدّ انحيازًا للمستضعفين والمنسيين. هكذا تبني ماريانا علاقتها فوتوغرافيًا مع العالم وفق منظور بصري يحيل على التصور الماركسي الطبقي. فعلى الرغم من النجاح الذي حققته الفنانة داخل الأوساط الفنية العالمية، فقد حرصت دائمًا على الاستمرار في شكلها التعبيري المُنتصر للفن الملتزم الذي يخدم القضايا الإنسانية ويدافع عن قيم الحق والعدالة الاجتماعية. لهذا ظلت ماريانا منعزلة وبعيدة عن مجتمع المؤسسات الأكاديمية والطريقة التي بها جعلوا من الفن خدمة لهواجسهم الداخلية وليس ما يفرضه الواقع من تحوّلات جذرية كانت ينبغي الاشتباك معها فنيًا، ذلك أن الحياة المخملية لم تستهوها ولم تدفعها إلى البحث عن شكل فني يحرّرها طبقيًا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.