ضمن عروض مهرجان سورية المسرحي 2026 الذي ستعقد دورته الأولى في حلب، وذلك بعد عملية "الفتح المبين" التي تقوم بتوطين العدالة الانتقالية في صرح المسرح وبقية الفنون، وعلى مسرح دار الثقافة في اللاذقية، عُرضت مسرحية "أسطورة السيِّد ميت" من تأليف وإخراج علي يونس، تعاون فني وإعداد ممثل عبد الناصر مرقبي، تمثيل: بسام سلكان بدور سيِّد الختم، عبد الوهاب عيان بدور السيِّد ميت، أحمد مشاعل بدور سيِّد المال، هادي سليمان بدور صاحب البوق والعصا، جعفر درويش بدور ذي العرف، ايفان جاموس بدور سيِّد القبعة العجوز، ميرنا شحادة الأم بدور سيِّد القبعة المجنون، مؤيد العلي بدور المُتَّهم مرافق السيِّد ميت، الياس شبطلي بدور المُتَّهم الراشي، وكل من نيلاس البوطي وحيدر قرقع بدور مواطن.
يضعنا المُخرج علي يونس في ثاني عرض مسرحي من إخراجه ومن تأليفه أمام تراجيديا مُؤسَّسة على نقد الاستبداد، ونقد الحاكم بواجهة "سيِّد الختم" الذي يحاول أن يؤبِّد نفسه على الكرسي حتى الموت. فالسيِّد "ميت"، أو ميِّت، هو طفلٌ وُلِدَ في جمهورية من جمهوريات الخوف والرعب العربي، ولأنَّ الحاكم يخاف من المواليد الجُدد- كما فرعون، فإنَّ أمَّه وضَعتْه بدون رخصة أو إذن مُسبق من الحاكم وقد يُقتل، فيتبرَّع الحاكم بعد أن كشف هذا الخرق لقراراته الجهنمية إذ تحمل امرأة من دون إذنه، فيشفق على الوليد ويمنحه شهادة/ صكَّ وفاة بدون أن يقتله- وهنا السخرية. المُخرج علي يونس ومن هذه "المصادمة" التي تكشف عن عقلٍ شيطاني لسيِّد الختم، يرينا مشَاهِد مُنفِّرة، متهكِّمة، ساخرة تذهب ما بين الكوميدي - الغروتسك- و"الفارْس" في صراعٍ يبدأ هادئًا، ناعمًا مع الناس الذين يمتلكون وعيًا فطريًا بحقهم للعيش بحريَّة وكرامة في وطنهم. فيما الطفل الذي وُلِد بدون شهادة ولادة يكبر، ويكبرُ معه إحساسه بالقهر والكبت على أيدي الحاكم ولصوصه: سيِّد الختم، سيِّد المال، صاحب البوق والعصا، ذو العرف. ويكبر معه الوعي النقدي نحو الثورة والانقلاب على الحاكم الذي يحتمي بجدار صلب من القوانين التي تُشرْعِن اغتصابه للسُلطة، ولثروات البلد وسرقتها محتميًا بدستور كتبه على "كَيْفِه".
المُخرج علي يونس وعلى مدى 65 دقيقة كان يُنكِّل بالمستبد المتشبث بالكرسي، فيذهب من الجد إلى الهزل. فتارة يخرج من الواقع، ثمَّ ما يفتأ يعود إليه بعمقٍ أكثر، وبفعلٍ تمثيلي نَزَعَ فيه المَظْهَر/ الشكل الملوَّن للحاكم، وأرانا مضمونه الفارغ بدون مُبالغة- لم يذهب إلى الكاريكاتير، فيما كُنَّا نرى الناس الذين يُمثلهم "السيِّد ميت" وهم يتسامون مدافعين عن الخير والحق والجمال، في تحديهم الشرَّ والزيف والقُبح. المُخرج لم يقم بمعاقبة سيِّد الختم وزبانيته بالموت وإلاَّ انتهت المسرحية؛ بل قام بفضحهم وتعريتهم، فشاهدنا واقعًا حيًّا وإن كان محض تمثيل، قام بتهشيمه وتحطيمه في شيء من التطهير؛ ثمَّة أعلى وأدنى، وأقوى وأضعف، ومُقدَّسٍ ومُدنَّس. فسيِّد الختم أدَّى دوره الممثِّل بسام سلكان وكيل الاستبداد، وعلى طول الزمن المسرحي لم يشعر بالإثم أو الذنب، ولم يكن مُثقلًا بالعذاب- كان يتشفَّى من الناس/ الشعب بحسٍّ انتقامي، ما دفعَ المُعارضة السياسية والاجتماعية - وليس الدينية، وعلى رأسها السيِّد ميت لأن تقاومه. فشاهدنا بطلًا سلبيًا؛ إذ أخذ بالحوار مبدأً لإسقاط الحاكم، فإذا به يتحوَّل خطوةً خطوة إلى بطلٍ إيجابي، فينتزعُ الختمَ منه ويُسقطه، لتبدأ العملية الديمقراطية- ليس الانتقالية، بانتخاب حاكم؛ وهي شروط فرضها سيِّد الختم الساقط - في الثورات والانقلابات يُفترض التخلُّص من الحاكم وعصابته، بأن يحكم الرئيس المُنتخب مدَّة لا تزيد على أربع سنوات، يُجبَرُ بعدها على اختيار: الموت قتلًا، أو النفي خارج أراضي الدولة، إلى أن تؤول الرئاسة وبالديمقراطية الثورية إلى "السيِّد ميت" الذي يبدأ عهده بإصلاحات جذرية كما لو أنَّه "بروميثيوس" البطل الإغريقي الإسخيلوسي- نسبة إلى إسخيلوس (525 ق.م - 456 ق.م)، وهو كاتب مسرحي تراجيدي يوناني، وهو البطل الثائر ضد الآلهة والمتعطِّش للعدالة. فيقوم السيِّد ميت بنقل الأموال (الذهب) إلى تلك الصحراء المتاخمة للبلد ليبني فيها دولة العدل- ليست الدولة الفاضلة، ولكنَّها الدولة التي: هَرِمْنا وتَعِبنا، وكمْ دفعنا أثمانًا باهظة لتسود العدالة، وأنَّ المسرح هو هذه المدينة التي يتحدُّ فيها المتفرِّج مع الممثلين.
| |
| المُخرج علي يونس وَضَعَنا داخل عقول شخصياته كما لو أنَّها مُصابة بأمراض "سيكوباتية" مجرَّدة من الضمير |
المُخرج علي يونس في مسرحيته "أسطورة السيِّد ميت" التي وصلت إلى قائمة العشرين في مسابقة الهيئة العربية للمسرح في الشارقة 2021، وَضَعَنا داخل عقول شخصيات كانت شريرة مثلما أرانا إيَّاها كما لو أنَّها مُصابة بأمراض "سيكوباتية" مجرَّدة من الضمير، أو خيِّرة تعاني وتقاوم مشاعر التهديد وفقدان الهوية وعدم الأمان. وسلَّط عليها إضاءة ذات ألوان فوسفورية من مربَّعين؛ مربَّع الشطرنج، ومربَّع اللوحات التعبيرية التي عكست الموقفين النفسي والاجتماعي للضحايا/ الناس/ الشعب. إذ كان الممثلون يُروننا أجسادًا- جسدًا مُستلبًا يحبسُ نداءات وصرخات، يحبس آلامًا. فلا أحد؛ كان ملكًا أو رئيسًا أو مديرًا يُشبِّح علينا. فكانت أجسادهم في تبدلات حركاتها ترسمُ تشكيلاتٍ يقطرُ منها التحدي والسخرية من الحاكم سيِّد الختم، وكانت هذه الحركات إرادية وواعية تنبعث من تفكير وإحساس بالدور، في تصعيد للدراما النفسية لاستثارة المتفرِّج، لما تنشر من فزعٍ ورعب ليس طلبًا للإغاثة أو النجدة البطولية، فكانت ترسل شظاياها إلى المتفرجين، لم تكن صدى، بل كانت صوت الضمير عندما يفقد وعيه، فيما رقعة الشطرنج المحاطة بمربع ضوئي فوسفوري - وليس أمني، كانت تمثِّل دائرة الحدث/ الصراع، كما لو أنَّها حلبة مصارعة. لقد رأينا رجفات وارتعاشات، ثمَّ حركة وقفلة غاضبة. ثم ليُفاجئنا بنقطة ضوئية إنَّما كانت نقطة حيَّة أثارت الشعور بالصدمة والإحساس بالإثارة، فيمرِّر مشهد "البرغش" أو البعوض في هيجانه ليخلق حالة مزاجية مؤقَّتة، فيختلط صوت طنينه وأزيزه كما لو أنَّ طائرة ستحطُّ في آذاننا، أو في أعيننا، مشهدٌ نُفِّذَ بقدر كبيرٍ من القوَّة الانفعالية والإشباع الجمالي.
في الأداء؛ كان الممثل بسام سلكان متميِّزًا في انحناءة رقبته مع مقدمة جذعه ويداه إلى الخلف، كان يصوِّر في دوره سيِّد الختم حاكمًا عجوزًا داهية- هذا كان في مخيلته فننفعل معه، كان يرينا أنَّه بريء ظاهريًا، وكان المكر يسيل من حركات جسده ونبرات صوته المتقلبة المتبدلة مع "خنَّة" رقيقة من أنفه. فكان يلعب بجسده على أنَّه جسدُ غيره؛ جسدُ المستبدِّ المُخاتل، فكان يشتغل؛ يلوِّن في أدائه؛ فنرى مرةً القسوة وتارةً الخِسَّة، ومرةً داهيةً، ومرة غولًا، ومرةً زرافةً، ثمَّ نمرًا، ثم يتحوَّل إلى قطٍّ. فيما كان عدوه "السيِّد ميت" أدَّى دوره الممثل عبد الوهاب عيان، وإن بدأ حركته من يسار الصالة فالخشبة واقفًا بجسد طولاني ينفض عنه البؤس والقمع والخضوع، لكن بحركاتٍ ثابتة، لا تلوين فيها ولا مفاجآت، جسدٌ قوي لكنَّه غير نشط- لا انكماش ولا تمدد. فيما كانت بقية أجساد الممثلين في حالة تمدد ورشاقة واستدارة، وقسوة وليونة، مثل: أحمد مشاعل، هادي سليمان، جعفر درويش، ايفان جاموس، ميرنا شحادة، مؤيد العلي، الياس شبطلي، نيلاس البودي، حيدر قرقع. وأغلبهم طلبة جامعيون- ولكن من هواة المسرح، فكانوا يُعانون صراعًا مع أدوارهم، وترى ذلك عند معظمهم في محاولتهم المواءمة ما بين جسدهم الشخصي وجسدهم الآخر الذي دخَلَ جسدهم، وهو مُثقلٌ بالخوف في تمثيل شخصٍ مأساوي أو هزلي- كان واضحًا الجهد الذي بذله الفنان عبد الناصر مرقبي في تدريب الممثلين. وهنا سيستوقفنا المكياج من تصميم وتنفيذ الممثلة أليسار كوسا التي حوَّلته من زينة للإغراء إلى ألوانٍ تُعبِّر عن فرح أو خوف الشخصية، فكانت تلوِّن لتجذب الأنظار إلى الوجه كونه جسدَ كائنٍ اجتماعي، وقد نَزَعَت عنه الشبقية؛ فجسد الممثل ووجهه قد يتحوَّل إلى أسطورة ثقافية. فالمكياج/ الألوان تقوي من التحام المتفرِّج مع الممثل، وكذلك تلعب الثياب ذات الدور، وذلك لقراءة الدلالات والإشارات المستمرة والمتقطِّعة، ومن ثم المتنامية، وإنَّ الجسد في هذا العرض هو جسدٌ سياسي ذو حدَّين؛ جسد السلطة التي تحكم، وجسدُ الناس الذين يقاومون ظلم ووحشية الحاكم.


تحميل المقال التالي...