}

أوبرا "التفاحة الذهبية": عرضٌ مبهر في حلّةٍ عصريّة

سمير رمان سمير رمان 24 أغسطس 2026
موسيقى أوبرا "التفاحة الذهبية": عرضٌ مبهر في حلّةٍ عصريّة
من عرض أوبرا "التفاحة الذهبية"

تقول الأسطورة اليونانية إنّ الآلهة اليونانية قد دعيت جميعها إلى حفل زفاف، باستثناء إلهة الشقاق والفرقة، إيريس. أثار تصرف الآلهة غضب إيريس، فقررت الانتقام منهم. ألقت الإلهة الحانقة وسط حشد الآلهة تفاحة ذهبية كُتب عليها "للأجمل"، ليستعر التنافس للحصول على التفاحة بين كلّ من: هيرا، أثينا، وأفروديت. ولحلّ الخلاف تقرر انتقاء أحد البشر الفانين ليحكم بين الآلهة المتنافسة على التفاحة. في نهاية المطاف، وقع الاختيار على بارس،  أمير طروادة، الذي راحت المتنافسات يحاولن رشوته: وعدته هيرا بالسلطة، ووعدته أثينا بالحكمة والنصر، أمّا أفروديت فبالحبّ وبقلب أجمل نساء الأرض، هيلين ملكة إسبارطة. وقع اختيار بارس على "الحب"، فمنح التفاحة لأفروديت، فكانت هيلين مكافأته، وهرب معها إلى مدينته طروادة، مشعلًا حروبًا استمرت عشر سنوات بين اليونان والطرواديين.
على مرّ العصور، تحوّلت التفاحة الذهبيّة إلى مصدر إلهام في عالم الأدب والفنّ والموسيقى. في إيطاليا، ألّف الموسيقي الشهير أنطونيو تشيستي من القرن السابع عشر أوبرا عظيمة بعنوان "التفاحة الذهبيّة/ Il Pomo d Oro"، أصبحت الأكثر شهرةً، والأكثر تعقيدًا وضخامة من حيث التنفيذ في عصرها: 7 ساعاتٍ من الموسيقى، وأمسيتا عرضٍ كاملتان. كما يشارك في هذه الأوبرا 47 شخصيّة، وتمزج حبكتها المعقّدة بين الخلفية الأُسطورية لحرب طروادة وبين السياسة الأوروبية الفعلية في فترة ستينيات القرن السابع عشر.
في هذا العام، يحتفل "مهرجان إنسبروك للموسيقى القديمة"، وهو أحد أبرز الفعاليات العالمية من نوعه، بمرور خمسين عامًا على تأسيسه في مدينة إنسبروك النمساوية الجميلة. وقررت إدارة المهرجان الاحتفاء بهذه المناسبة، عبر إطلاقها مشروعًا طموحًا للغاية، يتمثّل في تقديم عرض أوبرا "التفاحة الذهبيّة".
في العصر الباروكي، شهد عام 1666 زواج الأميرة الإسبانية الشابّة مارغريتا تيريزا من الإمبراطور ليوبولد الأوّل. كان الزواج نسخةً نموذجيّة عن التقاليد المتّبعة في أسرة هابسبورغ التي حكمت النمسا ستة عقود متتالية: العروس ابنة عمّ العريس وابنة أخته في الوقت نفسه. العرس تضمّن سلسلة احتفالات وعروض مبهرة، استمرّت شهورًا، أراد آل هابسبورغ أن تكون هذه المراسم أجمل من أيّ احتفالٍ أقامه ملكٌ من ملوك أوروبا كلّها، ولتكون برهانًا دامغًا على أهليّة أسرة هابسبورغ، وحدهم، للهيمنة على القارّة برمتّها.





غير أنّ الحدث الأبرز في العرس الملكي كان عرض أوبرا "التفاحة الذهبيّة" المكونة من خمسة فصول، بالإضافة إلى المقدّمة. تأجّل عرض الأوبرا في فيينا حتى يوليو/ تموز عام 1668، ليتزامن مع مناسبة العيد السابع عشر للإمبراطورة مارغريتا تيريزا. بحلول ذلك الوقت، كانت الإمبراطورة المراهقة قد أنجبت ابنًا من الرجل، الذي كانت تقول عنه لصديقاتها بكلّ حبّ ومودة "عمّي الحبيب". غير أنّ الأرشيدوق (الطفل المولود) توفي بعد أشهرٍ قليلة من مولده فقط. وبعد خمس سنواتٍ، ووري جثمان الإمبراطورة نفسها الثرى في سرداب كنيسة "الكبوتسين" في فيينا. ومع ذلك، فقد خلّد التاريخ أوبرا "التفاحة الذهبية"، بحيث لم يخلُ أيّ حديث شامل عن تطور فنّ الأوبرا، على مدى مائة عامٍ من ظهور هذا الفنّ، من الإشادة بعمل الموسيقار تشيستي.
يكمن التحدي في عصرنا في العثورعلى مخرجٍ مستعدٍ لخوض غمار هذا العمل الملحمي الضخم، الذي يعود إلى عصر الباروك. تعود صعوبة التصدي لمثل هكذا عمل إلى عوامل مادية أولًا، وإلى تحديات تقنيّة وفنيّة عدّة. بالإضافة إلى التكلفة الماديّة المرتفعة للغاية، فإنّ تقديم عملٍ من هذا القبيل ليس بالأمر الهيّن: فحتى مع قيام مغنٍّ واحد بأداء دورين، أو حتى ثلاثة أدوار من الأدوار السبعة والأربعين التي تتضمنها نوتة العمل الموسيقية (الأمر الذي تبناه القائمون على المهرجان)، فإنّ طاقم المغنين المنفردين سيظلّ بحدود العشرين فنانًا، من بينهم نجوم مرموقون في مجال موسيقى الباروك، والموسيقى القديمة. كلّف مغني "الكونتر تينور" (الطبقة الذكورية الصوتية العالية) فيليبو مينيتشيا، القيام بأدوار ثلاثة شخصيات: "هايمن"، و"أبولو"، وكذلك القائد الأثيني "أدراستوس". في حين تولّت مغنية طبقة "الكونترالتو" مارغريتا ماريا سالا، القيام بتأدية أدوار كلٍّ من "ميركوري" و"الملكة ألكيستيس"، بالإضافة إلى دورٍ ثانويّ رمزي (أليغوري) أريد له أن يمثّل "إيطاليا".
على الرغم من كلّ هذه الصعوبات، قبل فابيو تشيريسا، المخرج الإيطالي الكفؤ، التصدي لهذه المهمّة: حيث قدّم هو وفريقه المكوّن من: مصمّم الديكور نيكولاوس فيبرن، ومصمم الأزياء جوزيبي باليلا، عرضًا ممتعًا ومتقنًا من الناحية الفنيّة.
يقوم العرض على فكرة الصدام بين عالمين. العالم الأوّل: عالم الآلهة الأولمبية المفعم بالمبالغة والزينة المسرحية (الترتر، الأثواب اليونانية القديمة، الكيتون، والشعر المستعار)، والذي تعمّه الفوضى بسبب التنافس الشرس بين الآلهة. أمّا العالم الآخر، فهو عالمنا المعاصر، الذي تعيش فيه شخصيات بشرية فانية،  مثل "بارس"، الذي يؤدي دوره الباريتون ماريو بورجيوني، وهو أبرز الأصوات في الطاقم الغنائيّ كلّه، والذي أغوته الإلهة أفروديت. كما تعيش في هذا العالم البشري خطيبة بارس "أوينوني" (التي تؤدي دورها الممثلة ماتيلدا أورتشايدت)، التي كانت ضحيّة تخلّي زوجها بارس عنها في سبيل الفوز بالجميلة هيلين، ضاربًا بمفاهيم الوفاء والإخلاص عرض الحائط.
خلال العرض، يستمتع الجمهور بتلميحاتٍ عابرة إلى واقعٍ بعيد كلّ البعد عن عصر الباروك: فعلى سبيل المثال، يظهر "أبولو"، إله الرياح والعواصف، بملامح تشبه إلى حدٍّ مريب ملامح الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في المشهد الختامي لأوبرا "التفاحة الذهبيّة"، يضع إله البحر، بمهابةٍ ووقار، حدًّا لتلك المناوشات، مانحًا التفاحة المشؤومة لـ"البطلة الأجمل"، التي كانت تمثّل في واقع الأمر الإمبراطورة مارغريتا تيريزا نفسها. تكمن المفاجأة في أنّ هذه الأوبرا الأسطوريّة قد أثبتت أنّها أكثر تعقيدًا وإثارةً للاهتمام بكثيرٍ مما قد توحي به تلك اللفتة المليئة بالإطراء: فعلى الرغم من طابعها الفخم، وعلى الرغم من البذخ البصريّ، فقد كان العمل، منذ بداياته، عملًا ساخرًا يزخر بالتهكّم، فالآلهة تبدو في هذا العمل كيانات تافهة متغطرسة، بينما يظهر البشر بيادق ثرثارة لا أكثر.
في نهاية المطاف، يتبيّن أنّ المحرّك الأساسي لأوبرا "التفاحة الذهبية" هو الأداء الهزليّ للمربيّة الضخمة "فيلافرا" (يؤدي الدور التينور ألبرتو أليغريتزا)، وكذلك في التعليقات الساخرة لمهرّج الآلهة "موموس" (يؤدي الدور ألباس روكو كافالوزي). ومن ثمّ، فإنّ المبادرة التي قادها المايسترو، أوتافيو دانتوني، الذي أخرج الأوبرا بالتعاون مع فرقته "أكاديميا بيزانتينا/ Accademia Bizantina" وتولّى إعادة بناء الفصلين الثالث والخامس المفقودين من النوتة الأصليّة، تتجاوز بكثير كونها مجرد تجربةٍ أكاديميّة، فهذه المبادرة المقترنة بأصوات أوركسترالية تتسم بثراءٍ ورقيّ لافت بالنسبة إلى حقبة ستينيات القرن السابع عشر، وتعدّ تذكيرًا قويًّا بأنّ فنّ الأوبرا لطالما ازدهر بفضل عناصر وعوامل تتجاوز بكثير مجرّد الالتزام بالأصول الأكاديمية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.