}

الحكواتي بالجزائر: من ذاكرة الجماعة إلى حفظ التراث اللامادي

مسرح الحكواتي بالجزائر: من ذاكرة الجماعة إلى حفظ التراث اللامادي
الحكواتية فطيمة حشروف خلال عرض للأطفال

 

أطلقت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية "قافلة الحكواتيين" في مختلف ولايات الوطن من أجل صون التراث الثقافي اللامادي لدى الأجيال الناشئة، خلال الأسبوع الأول من شهر آب/ أغسطس الجاري، باعتبار الحكاية أحد أقدم أشكال نقل المعرفة وحفظ الذاكرة الجماعية في الجزائر، حيث لعب الحكواتي عبر التاريخ دورًا مهمًا في حفظ الحكايات الشعبية والسير البطولية والقيم الاجتماعية داخل الأسواق والقرى والفضاءات العامة.

وتأتي مبادرة وزارة الثقافة والفنون هذه كمحاولة لإعادة إدماج التراث الشفهي في الحياة الثقافية المعاصرة، من خلال جعل الحكايات ممارسة شعبية عفوية تحمي الذاكرة الجماعية وتعزّز الهوية الوطنية لدى الأطفال والأجيال الناشئة بشكل خاص، في ظل التحوّلات الرقمية والعولمة الثقافية.


"كان ياما كان"

"قافلة الحكواتيين"، التي حملت شعار "كان ياما كان" جابت 15 مدينة جزائرية، قدمت فيها العديد من العروض والحكايات في مختلف المؤسسات الثقافية والأماكن العامة، وتفاعل الحضور والأطفال مع ما حملته من حكايات الذاكرة الجزائرية والتراث الوطني الشفهي، لتؤكد القافلة أن "الحكواتي" في الجزائر لم يكن يومًا مُجرّد شخص يجلس ليروي قصة من أجل التسلية، بل كان جزءًا من نسيج الحياة الاجتماعية والثقافية، ووسيطًا شفهيًا تنتقل عبره الحكايات والسير والأمثال والقيم من جيل إلى آخر.

وفي زمن لم تكن فيه الكتابة والنشر متاحة للجميع، كانت الحكاية إحدى وسائل حفظ الذاكرة الجماعية وتفسير العالم ونقل تجارب المجتمع إلى الأجيال الناشئة وصناعة وعيها بقضايا الوطن، في الأسواق والساحات العامة والقرى.

ومن هذه الزاوية فإن "قافلة الحكواتيين" تتجاوز حدود النشاط الثقافي الظرفي، لأنها تطرح سؤالًا أعمق حول علاقتنا اليوم بتراثنا الشفهي: ماذا بقي من تلك الثقافة التي كانت تجعل الحكاية جزءًا من الحياة اليومية؟ وهل يمكن إعادة الحكواتي إلى فضاء الطفل الجزائري في زمن أصبحت فيه القصة تصل إليه عبر الهاتف والمنصة والشاشة؟


الحكواتي... مهنة قائمة بذاتها

كان الحكواتي في الذاكرة الشعبية الجزائرية صاحب مهنة تقوم على أكثر من مجرد سرد الأحداث. فقد كان يحتاج إلى معرفة بالحكايات والسير والأمثال، وإلى قدرة على الأداء واستمالة المستمعين وإبقاء انتباههم مشدودًا. وكان حضوره مرتبطًا بفضاءات الحياة الاجتماعية، من الأسواق والساحات إلى المقاهي والتجمعات الشعبية، حيث لم تكن الحكاية نشاطًا هامشيًا، وإنما جزءًا من المشهد اليومي.

ويقدم نموذج "الڤوال الوهراني" صورة ملموسة عن هذه الممارسة، فقد ارتبط هذا النوع من الرواة بالأسواق والفضاءات الشعبية في الغرب الجزائري، وكان الحكي بالنسبة إليه ممارسة لها جمهورها وأسلوبها ومقوماتها المهنية. فالحكواتي لم يكن يملك القصة فقط، بل كان يملك أيضًا طريقة تقديمها: الصوت، والحركة، والإيقاع، والتشويق، والقدرة على إشراك الجمهور. وبذلك كان يمارس ما يمكن وصفه بـ "فن التواصل الشعبي" قبل ظهور وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة.

الحكواتي صدّيق ماحي الذي يقدم مجموعة من الحكايات أهمها "حديدوان والغول" و"واش قالت ناس زمان"


ولم تكن وظيفة هذا الراوي محصورة في ملء أوقات الفراغ، فالحكاية كانت تحمل تصوّرات المجتمع عن الشجاعة والكرم والوفاء والعدل، وتقدم نماذج للسلوك المقبول والمرفوض، وتحفظ أسماء وشخصيات وأحداثًا ظلت متداولة عبر الأجيال. وتظهر أهمية هذه المهنة أيضًا في كون المعرفة كانت تُنتج وتُتداول جماعيًا. فالناس لم يكونوا يتلقون الحكاية منفردين، بل يجتمعون حول الراوي، يستمعون ويتفاعلون ويتذكرون. ومن هنا يصبح اختفاء الحكواتي أكثر من اختفاء مهنة قديمة؛ إنه تراجع لواحدة من آليات التواصل التي كانت تصل الفرد بجماعته وبماضيه.


لأن البشر يحبون الحكايات بالفطرة

لماذا نحبّ الحكايات؟ ربما لأن الإنسان لا يبحث في القصة عن المعلومة وحدها، وإنما عن معنى يستطيع أن يتخيله ويتذكره. ولذلك استطاعت الحكاية، قبل الكتاب والمدرسة ووسائل الإعلام الحديثة، أن تكون وسيلة فعالة لنقل التجارب والقيم. وفي الجزائر، أخذت الحكاية أشكالًا متعددة بتعدد البيئات والمناطق واللغات والتقاليد، فحملت في طياتها جانبًا من المخيال الشعبي، ومن تفاصيل الحياة التي لا تحفظها الوثائق الرسمية بالضرورة.

وتبرز هنا تجربة الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي باعتبارها نموذجًا معاصرًا لكيف يمكن إعادة صياغة الموروث من دون قطع صلته بأصله. فقد اشتغل ماحي على مجموعة من الحكايات الجزائرية، من بينها "واش قالت ناس زمان"، و"رميضة"، و"حديدوان والغولة"، و"مولى مولى". وأصدر كتابًا بعنوان "مولى مولى وحكايات أخرى" حافظ فيه على روح الحكواتي، مع إدخال الموروث في حوار مع قضايا الحاضر.

وتكتسب حكاية "مولى مولى" دلالة خاصة، إذ إنها انطلقت من واقعة مرتبطة بمنطقة الأهقار في الصحراء الجزائرية، ثم جمع الحكواتي ماحي عناصرها وأعاد بناءها حكائيًا، مستفيدًا من الموروث المحلي ومن الخيال. وتستحضر الحكاية في جانب منها ثقافة الطوارق ورموزًا مرتبطة بالحرية والمرأة والتضامن الاجتماعي.

هنا تحديدًا تظهر قيمة الحكواتي في حفظ التراث، فهو لا يحفظ القصة كما تُحفظ قطعة أثرية، وإنما يعيد منحها حياة جديدة. فالموروث الشفهي لا يبقى حيًا لأنه سُجّل في كتاب، بل لأنه يجد من يرويه، ومن يصغي إليه، ومن يستطيع أن يربطه بتجربة الإنسان المعاصر.

وهذا ما يجعل الحكاية جزءًا من الذاكرة الثقافية الجزائرية، فهي تحفظ اللغة والتعابير والصور الشعبية، ولكنها تحفظ أيضًا طريقة المجتمع في النظر إلى نفسه وإلى قيمه وتاريخه. لذلك فإن خسارة الحكاية ليست خسارة لقصة، بل خسارة لجزء من الطريقة التي كان المجتمع الجزائري يتذكر بها نفسه.


هل أضعنا على أطفالنا عادات الحكاية؟

كثيرًا ما نسمع أن الأطفال اليوم ابتعدوا عن القراءة والحكاية، وأن الهاتف والشاشات أخذت مكان الكتاب والجلسة العائلية، لكن السؤال ربما يحتاج إلى إعادة صياغة: هل فقد الطفل فعلًا حبه للحكاية، أم أننا غيرنا الطريقة التي نقدمها إليه؟

فالطفل الذي يتابع قصة مصورة أو فيلمًا أو محتوى رقميًا لا يبدو بالضرورة فاقدًا للرغبة في السرد. وربما تكمن المشكلة في أننا فقدنا بعض العادات التي كانت تجعل الحكاية جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية: الجدة التي تستعيد قصة قديمة، والجد الذي يروي واقعة من الماضي، والأسرة التي تجتمع حول حكاية، والطفل الذي يتعلم الإصغاء قبل أن يتعلم القراءة.

وهذا التحول له بعد ثقافي مهم، فجلسة الحكاية القديمة لم تكن تقدم محتوى فقط، وإنما كانت تدرب الطفل على الإصغاء، وتفتح أمامه مساحة للخيال والتفكير، وتمنحه فرصة لطرح الأسئلة، وتجعله يتعرف على قيم مجتمعه من خلال الشخصيات والأحداث. ومع تراجع هذه الممارسات، لم نفقد وسيلة للترفيه فقط، وإنما فقدنا جزءًا من التواصل بين الأجيال.

وتوجد اليوم محاولات لإعادة الحكاية إلى الطفل بطريقة تتلاءم مع اهتماماته، ففي أيار/ مايو 2026 احتضنت قاعة الأطلس بباب الوادي بالجزائر العاصمة، عرض "رحلة من الماضي" للحكواتية فطيمة حشروف، التي قدّمت عرضًا يجمع التجربة بين الحكايات التراثية والألغاز التربوية والمسابقات والهدايا.

وتكشف هذه التجربة عن نقطة مهمة، وهي ألا نطلب من الطفل أن يعود إلى زمن أجداده، وإنما أن نعيد تقديم الحكاية الجزائرية بلغة وأساليب قادرة على مخاطبته، فالطفل يمكن أن يحب الحكاية، لكن علينا أن نمنحه سببًا للإصغاء إليها.

ومن هنا يصبح سؤالنا عن "حب الحكاية" أكثر وضوحًا، فإذا لم يحب الطفل الحكاية، فقد يعود إلى أن البيئة الثقافية المحيطة به تغيّرت ولم تعلّمه هذا الحب. وإذا أردنا إعادة بناء علاقته بها، فقد يكون من المفيد أن نعيد أولًا بناء علاقته بالحكواتي، لأن الحكاية كانت دائمًا واحدة من أكثر الطرق الطبيعية التي تقود الإنسان إلى حب المعرفة.

في هذا السياق، يمكن أن تتحول الأنشطة المماثلة لـ "قافلة الحكواتيين"، التي أطلقتها وزارة الثقافة والفنون، إلى خطوة في طريق بناء هذا الحب، وإدماج التراث الشفهي في الحياة الثقافية المعاصرة، خاصة وأنها تضع الحكواتي أمام جمهور جديد، خصوصًا الأطفال، وتمنح الحكاية فضاءً مؤسساتيًا بعد أن كانت في الأصل تعتمد على التداول الشعبي والعفوي.

وتتأكد أهمية هذا التوجه إذا ما أدركنا أن التراث اللامادي لا يكفي أن يُحفظ في الأرشيف، فالحكاية الشفهية لا تعيش إلا عندما تُروى وتُسمع وتُعاد صياغتها، لذلك فإن حماية الحكواتي تعني في جانب منها حماية البيئة التي تسمح للذاكرة بأن تستمر وهذه الأخيرة تستمر عندما تنتقل إلى الأطفال؛ فربما لا يحتاج أطفالنا إلى أن نعيدهم إلى زمن الحكواتي القديم، بقدر ما يحتاجون إلى أن نمنحهم فرصة لاكتشاف أن في قصص أجدادهم ما يستحق أن يُروى من جديد.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.