}

سينما الشعر: أندريه تاركوفسكي مثالًا

جورج كعدي جورج كعدي 28 أغسطس 2026
سينما سينما الشعر: أندريه تاركوفسكي مثالًا
من فيلم "التضحية"

منذ بداية مشروعه السينمائيّ وجد المخرج الروسيّ المعلّم أندريه تاركوفسكي رابطًا بين الشعر والسينما، فالشعر بدا له ملائمًا تمامًا لإمكانات السينما بصفتها أكثر أشكال الفن صدقًا وشاعرية، بل إنّه يعدّ السينما، على سبيل المبالغة، "أكثر شاعرية" من الشعر المكتوب. والرابط الشعري بالسينما يعاكس "أي تطور منطقي للحبكة"، في تعبيره. أي أن الشعر مخالف لتقاليد الدراما التي تبنّاها صانعو الأفلام الروائية على نطاق واسع. توفّر الشعرية للسينما روابط على المستويين البصري والسمعي بين اللون والشكل والحركة والضوضاء والموسيقى والإيماءات، تستحضر الفروق الدقيقة والمعاني العميقة التي تتجاوز منطق الحبكة. فنمط التفكير في السينما ليس في مفهوم تاركوفسكي نظامًا ثابتًا من الأفكار والتصوّرات، إنّما هو شيء "يتطوّر" أو يتبدّل مع مرور الوقت. يقول في كتابه المشهور والمرجعيّ "النحت في الزمن": "إنّ التفكير الشعريّ أقرب إلى القوانين التي يتطوّر بموجبها الفكر، وبالتالي أقرب إلى الحياة نفسها، من منطق الدراما التقليدية". يقترب الشعر من الحقيقة بقدر ما يكشف عن الطبيعة الخفيّة للحياة. يعيد الشعر صوغ منطق الحياة، و"من خلال الروابط الشعرية تتعزّز المشاعر ويمسي المشاهد أكثر تفاعلًا"، يضيف تاركوفسكي. إن كشف الحياة يهب كلًا من صانع الفيلم ومشاهده أحاسيس ممتعة، من خلال ترابط السينما والشعر الذي ينتج تأثيرًا عاطفيًا وعقلانيًا على حد سواء.
نادرًا ما استغلّت السينما، في نظر تاركوفسكي، إمكاناتها الشعرية، فهي "تمتلك قوة داخلية تتركز في الصورة وتنتقل إلى الجمهور في صورة مشاعر، محدثةً توترًا كردّ فعل مباشر على منطق السرد لدى المؤلف". المتفرّج على الفيلم ليس سلبيًا أو مجرّد متلقٍّ، بل يستجيب لصانع الفيلم في بناء الأجزاء المنفصلة ضمن كلٍّ متكامل. الصورة الفنية هي كناية، وتستلزم المشاهَدةُ الصحيحة تنظيم عناصر الفيلم المتباينة، من خلال الاستشعار الذهنيّ والعاطفيّ والانفعاليّ لروابط بنائه الشعرية، وعبر استرشاد الاستعارة الأساسية للصور السينمائية. حتى أنّ "التوتر" الناجم عن هذا النشاط الفكري يولّد متعة عند إدراك الروابط تلك. ولا يتحدث تاركوفسكي عن الشعر كنوع أدبيّ، بل كإدراك للعالم، وكطريقة خاصة للتفاعل مع الواقع. يغدو "العالم" وما يدعوه "الحياة نفسها" مترادفين.

يُظهر مفهوم أندريه تاركوفسكي للشعر وعيًا عميقًا بالوجود وحركته غير الملموسة، أي الزمن، فالسينما هي الأداة الأنسب له لتجسيد هذا الزمن. تكمن ميزة السينما في أنها لا تحتاج إلى وصف العالم الذي يتجلّى مباشرة للكاميرا. وتحويل الزمن هو جوهر الفن السينمائي، يبطئه صانع الفيلم أو يسرّعه أو يجمّده. وقد استغلّ تاركوفسكي الحركة البطيئة كوسيلة للملاحظة الدقيقة لزمنية معقدة تتضمن بسلاسة المدة والذاكرة والأحلام. كان "النحت في الزمن" بالنسبة إليه هو الكشف عن حقيقة الزمن المعاش، وليس ابتكار هياكل زمنية جديدة على نحو إبداعي. ينبثق التصوّف لديه من زمنية كامنة.

"المرآة" نموذجًا
فيلم "المرآة" (1975)، بما يستلهم من سيرته الذاتية، يجسّد نظريته عن الزمن السينمائي، وعن الرابط بين الشعر والسينما لديه.




ففي المشهد الافتتاحي يشغّل صبي في مرحلة ما قبل المراهقة جهاز تلفزيون أبيض وأسود، ونرى ما يراه، في لقطة بانورامية طويلة واحدة، طبيبة نفسية تنوّم شابًا يعاني من تلعثم شديد، تأمره بأن يقول "أستطيع الكلام"، فيكرر كلماتها بوضوح. ثم تتحرك الكاميرا ببطء متجاوزةً امرأة جالسة على سياج خشبيّ (أم الطفل، أم تاركوفسكي؟) تدخن وتنظر إلى منظر طبيعيّ أخضر وارف، نحو شخص بعيد يقترب ماشيًا. لكن هذا الشخص الذي يقترب ليس الأب، بل طبيب مغازل. إشارة صوتية خفية تعلن عن منظور الطفل الذي رأى هذا المشهد ذات مرة ويرويه الآن. ثم نسمع صوت صرير، وحين تستدير المرأة لتنظر إلى مصدر الصوت، تُظهر لقطة معاكسة، وللمرة الأولى، بطل الفيلم، ألكسي الصغير ذا السنوات الخمس متأرجحًا فوق أرجوحة. يبدو أنه استيقظ للتو ولا تزال أخته نائمة بجانبه. ثم تقلّد والدته صوت الصرير بالقفز قليلًا على سياج الأرجوحة. وبحسب الطبيب الوافد، تلك الحركة دعوة من المرأة المنتظرة عودة زوجها من الحرب، رغم لامبالاتها الواضحة إزاء نواياه الغزلية. يجلس بجانبها على السياج فيكسره ويقول ضاحكًا ومغازلًا: "أمر جميل أن تسقط مع امرأة جميلة"، وبينما يبتعد إلى الحقل، تهبّ عاصفة رياح مفاجئة. يربط مفهوم الشعر لدى أندريه تاركوفسكي بين زيارة الطبيب القصيرة، الغامضة والمهدِّدة من وجهة نظر الطفل حيال الرجل الغريب، وبين أول إلقاء لقصيدة من تأليف أرسيني تاركوفسكي، والد المخرج وهو شاعر روسيّ معروف. عنوان هذه القصيدة "اللقاءات الأولى"، وهي قصيدة حب تُدمج فيها خيالات المخرج المستلهمة من سيرته الذاتية مع ذكريات الفتى ألكسي المتخيّلة عن غياب والده. تُعبّر القصيدة، بصوت رجل (هو صوت أرسيني تاركوفسكي في الواقع)، عن وحدة شخصية الأم ماريا، والدة ألكسي. بالنسبة إلى تاركوفسكي، تَشْغُل شبكات الارتباط هذه عوالم شعرية لا تحليلية نفسية أو أوديبية. تحافظ القصيدة على استقلاليتها رغم ارتباطها بما نراه على الشاشة. يسعنا إدراك القصيدة على أنها ذاكرة الأم عن زوجها الشاعر. في نهاية القصيدة نراجع انطباعنا السابق: لا تتوق الأم إلى زوجها الغائب في الحرب بقدر ما تأسى لفقدان حبه العاطفي لها. تجسّد القصيدة رؤيتها الزمنية الخاصة، ويفعل الفيلم الأمر نفسه. بدلًا من الانتقال إلى نهاية القصيدة، يبقينا المخرج على صورة وجه الأم وهي تمسح دموعها، ثم تنظر إلى دفتر مدونات (يفترض أنه مخطوطة القصيدة) بينما نسمع صرخات من الخارج. نتبعها عبر المنزل الريفي، مرورًا بالطفلين اللذين ما زالا يتناولان طعامهما، نحو الضجة المثارة حول كوخ خشبيّ اشتعلت فيه النيران، تحت المطر المنهمر في الوقت نفسه، فتجتمع في المشهد العناصر الجوهرية لسينما تاركوفسكي: النار والهواء والماء والطين. لكن ماريا تبقى هادئة وتتجه صوب مرآة (المرايا كثيرة في جميع مشاهد الفيلم الداخلية) وترى نفسها في "نسخة" منها أكبر سنًا (تؤدي دورها والدة المخرج). وسط تلك السلسلة المعقدة من الروابط، يندمج منظور الطفل بحياة الراوي البالغ وذكرياته الغامضة، إذ عليه أن يسأل أمه متى غادرهم والده ومتى احترق الكوخ لكي يفهم حلمه، فتخبره الأم بأن كلا الأمرين حدثا عام 1935. ولا نرى الراوي كشخص بالغ في الفيلم إلا على فراش الموت، ولا نرى حتى سوى يديه وجذعه (تاركوفسكي نفسه يؤدي الدور بعدما أقنعه مدير تصويره بعدم إظهار وجهه في اللقطة).
حتى وإن كان ضمير المتكلم في الشعر موضوعًا عالميًا، فإنّ استخدامه في السينما بقي يمثّل معضلة جمالية دقيقة لتاركوفسكي، إذ سعى جاهدًا إلى تحديد تفاصيل السيرة الذاتية المسموح بها في التعبير عن هذا الضمير وإضفاء الصدقية عليه.

مشهد من فيلم "نوستالجيا"


ووجد أنه من دون ظهور الراوي على الإطلاق (إلا جزئيًا في النهاية كما أسلفنا)، على الأقل بالمعنى المتعارف عليه في السينما التقليدية، يغدو ممكنًا تحقيق أمر بالغ الأهمية: التعبير عن شخصية البطل الفردية، وتصويرها، والكشف عن عالمه الداخلي، كما يحدث مع البطل الغنائيّ المتجسد في الأدب، وفي الشعر كذلك، فهو غائب عن الأنظار، لكن ما يفكر فيه يرسم صورة واضحة له. أضحى ذلك لاحقًا نقطة انطلاق فيلم "المرآة"، حيث تمسي الصدمة والموت والهجر والحريق نقاطًا محورية لتركيز الذاكرة.
يُبرز مفهوم الشعر لدى تاركوفسكي جوانب غريبة من خيال فتى "المرآة" (كما هي الحال في تفكير الراوي). وتلعب الموسيقى من تأليف إدوارد أرتيمييف دورًا محوريًا في تأكيد الحوادث الغريبة واضطراب الجو النفسي. يكشف استحضار صوت الشاعر ورمزية الاختيار الشعري عن المعنى الروحي لاستشهاد روسيا التاريخي بين عامي 1935 و1969، وهي الفترة الزمنية التي تدور فيها حوادث فيلم "المرآة".

"نوستالجيا" نموذجًا آخر
انسجامًا مع رؤيته الشعرية الفريدة للسينما، يبني تاركوفسكي فيلمه "نوستالجيا" (1983) من صمت وزمن وذاكرة، حيث كل صوت هو أثر، وكل إيماءة هي رمز، والمعنى ليس معلنًا بل مدفون في طيّات الصور والمشاهد والرموز والأصوات، سوى أن بطله شاعر روسي يدعى أندريه غورشاكوف يجوب إيطاليا، عالقًا بين واجباته تجاه وطنه وحياته الداخلية، فهو يبحث في إيطاليا عن أثر موسيقيّ روسي قديم عاش فيها ومات. وترافق الشاعر الروسيّ مترجمته الإيطالية يوجينيا. شخصيتان هما منطلق إلى فيلم ملغّز، شعريّ بامتياز، تجريديّ أيضًا، بل "دراسة" تأملية في الإرهاق الروحيّ، وحركة زمنية بطيئة عن الاغتراب والمنفى. يتطور الفيلم من خلال وضع الأجساد في فضاءات الأمكنة، وإطالة الزمن باعتناء. تعبّر إيماءات الفيلم الظاهرية عن حزن دفين لا يعبّر عنه تاركوفسكي علنًا. المعنى ليس ملكًا لنا، بل ينتمي إلى الحياة التي شكّلته، إلى ذاكرة وفَقْد. في هذا البناء البصريّ، ما لا يمكن التّعبير عنه يُنحت في الزمن. يدخل أندريه إلى مكان الرجل الغريب والمحبط دومينيكو، الذي يعيش في أطلال منزل تبدو غرفه كأنها تتسع أو تتقلص، والممرات تلتفّ على نفسها، والنوافذ تتيح دخول الضوء من غير أن تكشف العالم الخارجي.




تطفو الكاميرا في المكان بدلًا من أن تراقب، كأنها ترفض تقديم خريطة نهائية. والزمن هنا ليس تسلسليًا أيضًا، بل هو متراكب ومثقل بآثار صوتية: قطرات الماء الخافتة، صرير المعدن، نبض الهواء الخفي، المتحرّك عبر مساحات غير مرئية. رموز صوتية تدلّ على تحوّلات بين طبقات الذاكرة. يجرّد لقاء أندريه بدومينيكو من أي عنصر سرديّ. لا يُحسم أي خلاف، ولا يُكشف أي سرّ. يطيل تاركوفسكي اللقطة حتى يغدو السكون هو الموضوع بحد ذاته. ينطق دومينيكو بكلمات متقطعة مثل رسول من ماضٍ لا يستطيع تفسيره. يتحرّك بتأنٍّ بين الأشياء في الغرفة (شمعة على رف، زجاجة، مرآة). النحت في الزمن ليس خيارًا جماليًا محايدًا، إنما هو وسيلة للحفاظ على الذاكرة الشخصية كاملةً، من غير إخضاعها للتفسير.
"نوستالجيا" فيلم عن الاغتراب والنزوح الثقافي، نقطة التقاء بين الذاكرة الشخصية والتضحية العامة. هو يشكّل مع "المرآة" و"التضحية" (1986)، آخر أفلامه الذي صوّره في السويد بمشاركة طاقم عمل المعلّم إنغمار برغمان المعتاد، ثلاثية الروح، علمًا أن كل فيلم قائم بذاته، لكن الأفلام الثلاثة معًا تشكل سلسلة روحية متصلة. الغرفة في "نوستالجيا" ليست مجرّد مكان للعيش، بل هي عتبة الروح وحجرة الرواسب النفسية ووعاء الحزن. كل مكان رئيسيّ في الفيلم يحتضن جانبًا مختلفًا من حزن أندريه (المخرج والشخصية) ويجسّد كلٌّ منها جانبًا مختلفًا من اعتراف تاركوفسكي الخاص. مساحات هي بمثابة حاويات روحية، غرف ذاكرة تُزار مرارًا وتكرارًا.
كان تاركوفسكي يحلم بصنع فيلم بلا موسيقى، فالسينما فنّ مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى عنصر فني داعم آخر. لكنه لم يفلح في الاستغناء الكلّي عن الموسيقى، بل خفّف من حضورها لمصلحة الصورة والصوت. كانت الموسيقى تشكّل بالنسبة إليه كسينمائي إغراءً خطيرًا يهدّد بالتلاعب والمبالغة. ما حافظ عليه في أفلامه هو "النقش" الصوتي، وموسيقى الذاكرة مثل أغنية "كوموشكي" الفولكلورية الروسية، التي تنبع من ذاكرة والدة تاركوفسكي: "يا صديقاتي، كنّ لطيفات... ستذهبن إلى الحديقة الخضراء، خذنني معكنّ... ستطفو أكاليلكنّ على الماء، أما إكليلي فسيغرق في القاع.... عاد أحباؤكنّ من الحرب، أما حبيبي فلم يعد". تتحدث هذه الأغنية عن الفَقْد والبُعد والشوق. ثم تتلاشى أغنية "كوموشكي" تدريجيًا ليحلّ مكانها بهدوء "قداس" فيردي الجنائزي. وفي مشهد بيت الأب تعزف مقطوعة من سمفونية بيتهوفن التاسعة في الخلفية، بطيئة، حزينة، غير مكتملة. ينساب اللحن عبر فضاء مدمّر مليء بالتماثيل والغبار. "هل سمعت ذلك؟ بيتهوفن!" يقول دومينيكو وسط الظلام. يتبادل أندريه ودومينيكو كلامًا، لكنهما لا يقولان إلّا القليل. كما لو أن شيئًا مقدّسًا مرّ بينهما بالفعل، وليس الصوت إلا صدى له.

مشهد من فيلم "المرآة"


أوضح تاركوفسكي ذات مرة أن المشهد الأخير في "نوستالجيا" يمثل عالمين، فالمنزل الريفي هو روسيا، والكاتدرائية هي إيطاليا. لكن النهاية لا تحدث في أيّ منهما، بل في الفضاء المستحيل بينهما. إنها رؤية شعرية لروح منقسمة، لرجل روسي يجلس بين أطلال أوروبية، متشبّثًا بذكريات ماضية. لا يستطيع العودة لكنه يستطيع التذكر ونحت الزمن الذي سكنه ذات يوم، ليس في موسكو ولا في روما، بل في الفيلم نفسه، في الصمت. لا ينهي الفيلم الأمر، بل يطيل أمده. تتلاشى الشاشة، لكنّ شيئًا يستمرّ. إنه أثر الحزن غير المنتهي، الدائم، يتردّد في أعماقنا، صورةً وشعرًا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.