}

في مواجهة السرطان: سيكولوجيا المرض في فيلم "الحب العادي"

سعيف علي 4 أغسطس 2026
سينما في مواجهة السرطان: سيكولوجيا المرض في فيلم "الحب العادي"
ليام نيسان وليزلي مانفيل في لقطة من الفيلم

 

ثمة أفلام تتناول مرض السرطان بوصفه معركة تنتهي بانتصار أو هزيمة. وثمة أفلام أخرى تجعله ذريعة لتصعيد المأساة واستدرار التعاطف. يسلك فيلم "الحب العادي" (Ordinary Love) الذي أُنتج سنة 2019 وأخرجه ليزا باروس ديسا وغلين ليبورن، وكتب سيناريوه الكاتب المسرحي الأيرلندي أوين ماكافيرتي، وقام ببطولته ليام نيسان وليزلي مانفيل طريقًا مختلفًا. فقد استوحى ماكافيرتي السيناريو من تجربته الشخصية. خلال رحلة علاج زوجته من سرطان الثدي، وهو ما منح العمل صدقًا إنسانيًا واضحًا، وجعل تفاصيله اليومية أقرب إلى الحياة منها إلى البناء الدرامي التقليدي.

لا يقدم الفيلم السرطان بوصفه حدثًا طبيًا فحسب لكن بوصفه تجربة وجودية تعيد صياغة علاقة الإنسان بجسده، وبمن يحب، وبالمستقبل الذي كان يظنه مستقرًا. تلتقي هذه الزاوية مع سيكولوجيا المرض، التي تنظر إلى الإصابة باعتبارها أزمة تمس الهوية والذاكرة والروابط الإنسانية، ولا تقتصر على الأعراض البيولوجية وحدها. تتحول السينما هنا في Ordinary Love إلى مرآة دقيقة للحالة النفسية للمريض، ولمن يرافقه في رحلة العلاج، حيث يصبح الصمت أحيانًا أبلغ من الحوار، وتغدو التفاصيل اليومية أكثر قدرة على التعبير من المشاهد الميلودرامية.

عندما يصبح الجسد موضع مساءلة

يفتتح الفيلم حياة الزوجين توم وجوان بإيقاع هادئ. نزهات صباحية، ومزاح عابر، وروتين منزلي بسيط يمنح حياتهما إحساسًا بالاستقرار. لا يبدو في البداية ما ينذر بأن هذا العالم الهادئ سيتغير. لكن تشخيص جوان بسرطان الثدي يبدد هذا التوازن، ويحول الحياة اليومية إلى سلسلة من المواعيد الطبية، والانتظار، والقلق من نتائج الفحوصات.

غير أنّ التحوّل الأكبر لا يحدث خارج الجسد لكن داخله. فالجراحة والعلاج الكيميائي يغيران شكل الجسد. يغيران أيضًا الطريقة التي ترى بها جوان نفسها. تصبح المرآة مكانًا للمواجهة، ويتحول تساقط الشعر وأثر الاستئصال إلى أسئلة موجعة عن الهوية والأنوثة والشعور بالاكتمال. ينجح الفيلم في تصوير واحدة من أعقد قضايا سيكولوجيا المرض، وهي اضطراب صورة الجسد، حيث يشعر المريض أن الجسد الذي عاش فيه سنوات طويلة لم يعد الجسد نفسه، فينشأ نوع من الاغتراب بين الإنسان وصورته.

استوحى أوين ماكافيرتي السيناريو من تجربته الشخصية


لا تقف سيكولوجية مريض السرطان عند حدود الخوف من الموت، كما قد يتبادر إلى الذهن. إنها تمتد إلى شبكة معقدة من الانفعالات النفسية. فالمريض يعيش صدمة التشخيص، ثم يدخل مرحلة يسودها القلق وعدم اليقين، حيث يصبح كل فحص طبي حدثًا مشحونًا بالترقب. ومع تقدم العلاج، يواجه تحديًا آخر يتمثل في التكيف مع الجسد المتغير، والخوف من نظرة الآخرين، وتراجع الشعور بالسيطرة على الحياة. ولا يشرح الفيلم هذه المراحل بصورة مباشرة، بل يجعل المشاهد يعيشها من خلال نظرات جوان، وصمتها، وترددها أمام المرآة، وعلاقتها الجديدة بجسدها.

يضيف الفيلم بعدًا آخر إلى هذه التجربة من خلال الإشارة إلى فقدان الزوجين لابنتهما قبل سنوات. فالمرض لا يدخل إلى حياة خالية من الذكريات، بل يعيد إيقاظ مخاوف قديمة، ويجعل كل احتمال للفقد امتدادًا لخسارة سابقة لم تندمل بالكامل.

اللغة السينمائية كأداة للتحليل النفسي

لا يكتفي Ordinary Love بسرد قصة عن المرض إذ يستخدم لغته السينمائية لتحويل الحالة النفسية إلى تجربة بصرية يعيشها المشاهد. لذلك تبدو الصورة جزءًا من التحليل النفسي، وليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث. تعتمد الكاميرا على اللقطات الثابتة والممتدة، فتمنح الزمن إيقاعًا بطيئًا يشبه الزمن النفسي للمريض بعد لحظة التشخيص. يشعر المشاهد أن الوقت توقف داخل الشخصيات، بينما يستمر العالم الخارجي في حركته المعتادة. ويصبح الانتظار نفسه جزءًا من التجربة، سواء في ممرات المستشفى أو داخل المنزل.

تعزّز الإضاءة الطبيعية الباردة هذا الشعور. فتجعل الفضاءات الطبية تبدو مجردة من الحميمية. تتحول غرف الانتظار والممرات إلى أماكن يشعر فيها المريض بالاغتراب، وكأن الجسد فقد خصوصيته ليصبح موضوعًا للفحص والعلاج. ولا يعود المكان مجرد خلفية للأحداث. يصبح انعكاسًا للحالة النفسية التي تعيشها الشخصيات.

يختار المخرجان أيضًا اقتصادًا واضحًا في استخدام الموسيقى، تاركين للصمت مساحة واسعة. هذا الصمت ليس فراغًا. إنه لغة قائمة بذاتها، تنقل ما تعجز الشخصيات عن قوله. ففي كثير من المشاهد، يبدو الصمت أكثر من الحوار، لأنه يعكس تلك اللحظة التي يعجز فيها الإنسان عن تسمية خوفه. لعلّ مشهد موت السمكة في الحوض وتخلص الزوج توم منها في بيت الاستحمام ودفعها في المجاري وهو يبكي تقترب جدًا من عمق أحاسيس الفقد أو التهديد به، وهي أحد المشاهد التي هزتني فعلًا.

وجهان لتجربة واحدة

إذا كان الفيلم يرصد التحولات النفسية التي تعيشها جوان، فإنه يمنح القدر نفسه من الاهتمام لتوم، الزوج الذي يجد نفسه فجأة في موقع مقدم الرعاية. هنا تتسع دائرة المرض، فلا تعود مقتصرة على المريض إذ تشمل كل من يشاركه حياته.

تعيش جوان اضطرابًا عميقًا في علاقتها بجسدها وهويتها. فالعلاج لا يغيّر ملامحها الخارجية فقط. هو يضعها أمام شعور بالعزلة الوجودية، حيث تدرك أن أحدًا، مهما بلغ حبه، لا يستطيع أن يعيش الألم الجسدي نيابة عنها. وتزداد هذه العزلة تعقيدًا حين يتسلل إليها شعور خفي بأنها أصبحت عبئًا على زوجها، وهو شعور يعرفه كثير من مرضى السرطان خلال مراحل العلاج الطويلة.

يقدم الفيلم صورة دقيقة للحالة النفسية لمقدم الرعاية. فتوم لا يبدو مريضًا، لكنه يحمل المرض في تفاصيل حياته اليومية. يخفي خوفه، ويكبت حزنه، ويحاول الظهور بمظهر المتماسك حتى لا يضاعف قلق زوجته. غير أن هذا التماسك الظاهري يخفي استنزافًا نفسيًا متراكمًا، حيث يعيش حالة من الإنهاك العاطفي والشعور بالعجز أمام مرض لا يستطيع مقاومته بنفسه.

تبلغ هذه الفكرة ذروتها في المشاهد التي تبدو عادية. انتظار صامت في ممر مستشفى، أو مساعدة جوان على ارتداء معطفها، أو جلوس الزوجين داخل سيارة بعد جلسة علاج كيميائي طويلة. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أن الحب لا يتجلى في المواقف البطولية، لكن في القدرة على اقتسام الخوف، وعلى البقاء إلى جانب الآخر عندما تصبح الكلمات غير قادرة على مواساته.

في كثير من المشاهد، يبدو الصمت أكثر من الحوار


ينتمي "Ordinary Love" إلى مجموعة من الأفلام التي جعلت المرض مدخلًا لفهم النفس البشرية. ففي فيلم "Still Alice" يصبح المرض تهديدًا للذاكرة والهوية، بينما يقدم "Amour" تأملًا عميقًا في الحب وهو يواجه الشيخوخة والتدهور الجسدي. ويكشف "Wit" المسافة التي قد تفصل بين العلاج الطبي والاحتواء الإنساني، في حين يستخدم "Cries and Whispers" المرض لتعريه العلاقات العائلية أمام اقتراب الموت. أما "50/50" فيقترح الفكاهة وسيلة لمقاومة الخوف الذي يرافق تشخيص السرطان.

ورغم أهمية هذه الأعمال، يحتفظ في رأيي "Ordinary Love" بخصوصيته، لأنه يبتعد عن الحالات الاستثنائية، ويركز على ما يعيشه معظم المرضى وأسرهم. إنه لا يقدم بطولات، ولا يصنع مآسي كبرى. هو يراقب كيف يعيد المرض تشكيل أبسط تفاصيل الحياة، وكيف يصبح الحب اليومي شكلًا من أشكال المقاومة النفسية.

السينما العربية وتجربة المرض

رغم حضور المرض في عدد من الأفلام العربية، فإن السرطان لم يحظ حتى اليوم بمعالجة نفسية ووجودية بالعمق الذي نجده في بعض الأعمال العالمية. فقد استخدم المرض في كثير من الأحيان كوسيلة درامية لتحريك الأحداث، بينما بقيت التجربة الداخلية للمريض وعائلته أقل حضورًا.

مع ذلك قدمت السينما العربية محاولات مهمة للاقتراب من البعد الإنساني للمرض. ففي فيلم "أسماء" للمخرج عمرو سلامة وبطولة هند صبري، تظهر معاناة المريضة في مواجهة الخوف والوصمة الاجتماعية والعزلة. كما يقدم فيلم "بيك نعيش" للمخرج مهدي البرصاوي قراءة مؤثرة لأثر المرض على الأسرة، وكيف يمكن لأزمة صحية أن تعيد صياغة العلاقات داخلها. وتؤكد مثل هذه التجارب أن السينما العربية تمتلك القدرة على تناول المرض من زاوية نفسية، لكنها ما تزال بحاجة إلى أعمال تجعل السرطان موضوعًا للتأمل الإنساني، لا مجرد حدث درامي.

يكشف "Ordinary Love" أن السرطان لا يغير الجسد وحده. فهو يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله. ومن خلال قصة بسيطة ولغة سينمائية شديدة الرهافة، يجعل الفيلم المشاهد يقترب من العالم الداخلي للمريض، ومن الخوف الذي يحمله الشريك، ومن الصمت الذي يرافقهما في رحلة العلاج.

تكمن القيمة الحقيقية لهذا العمل في أنه لا يقدم درسًا طبيًا عن السرطان، ولا يبحث عن بطولة استثنائية. لكنه يمنح وجهًا إنسانيًا لتجربة يعيشها ملايين الناس. وهنا تحقق السينما واحدة من أرقى وظائفها، حين تجعلنا لا نفهم معاناة الآخرين فقط لكن نشعر بها، وندرك أن أقوى أشكال الدعم قد تكون في صمت مشترك، أو يد تمسك بيد أخرى، أو حب يواصل مقاومة المرض يومًا بعد يوم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.