يأتي الاحتفال باليوم العالمي للتصوير، في أغسطس/ آب من كل عام، فرصة لاستعادة تاريخ طويل لم تحفظه الكتب والوثائق وحدها، وإنما أسهمت عدسة الكاميرا في توثيقه وحفظ تفاصيله، وهو ما حاولت احتفالية "مصر بعيون مصوريها: تاريخ يُحكى وصورةٌ تُبنى" أن تفعله هذا العام، في أول تعاون من نوعه بين نقابة الصحافيين والاتحاد العربي للمصورين، بالتعاون مع شعبة المصورين الصحافيين، عبر يومين استعاد خلالهما المعرض صورًا ومقتنيات من ذاكرة التصوير الصحافي المصري، بالتوازي مع نقاشات تتوقف عند حاضر الصورة ومستقبلها.
حملت الدورة اسم رائد التصوير الصحافي المصري محمد يوسف، الذي تنقلت كاميرته تلتقط من الحياة اليومية في مصر إلى الأحداث التي شكلت تاريخ المنطقة والعالم في منتصف القرن العشرين. وبفضل رحلاته مع الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، ولا سيما خلال عمله في جريدة "آخر ساعة"، نجح يوسف في توثيق وتتبع الأحداث والتحولات السياسية في عدد من الدول، من بينها، فلسطين وسورية وإيران والجزائر واليونان، إلى جانب مشاركته في تغطية اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، وهي صور لم تعد قيمتها مرتبطة باللحظة الصحافية التي التُقطت فيها فحسب، وإنما أصبحت مع مرور الوقت جزءًا من الأرشيف البصري لحقبة كاملة.
كما رافق الرئيس أنور السادات في رحلتيه إلى إسرائيل ومفاوضات كامب ديفيد، ليسجل بالكاميرا لحظات سياسية نادرة تحولت لاحقًا إلى وثائق بصرية. في المقابل، نجد أن علاقته بالكاميرا لم تقتصر على الأحداث السياسية، متجاوزة إياها لالتقاط الجانب الخفي أو الإنساني لهؤلاء السياسيين، حيث أتاحت له مكانته المهنية الاقتراب من عدد كبير من ملوك ورؤساء وزعماء العالم، من جوزيف تيتو إلى جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومن الملك عبد العزيز آل سعود إلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وفيدل كاسترو وأنديرا غاندي.
ولد محمد يوسف، الملقب بعميد المصورين الصحافيين، في التاسع والعشرين من فبراير/ شباط سنة 1916، اخترق عالم التصوير الصحافي في الوقت الذي لم يكن باستطاعة أي مصري أن يحمل كاميرا ويطرق بابًا لجريدة أو مجلة؛ حيث كان التصوير الصحافي حينها حكرًا على الأجانب والأرمن، ما أهله لاحقًا لتأسيس أول مدرسة مصرية في التصوير الصحافي، احتفى بمفهوم الصورة وزاحم بها النصوص والمقالات المكتوبة، حتى اشتهر عنه بـ"أن صورة واحدة من عدسة محمد يوسف كانت تغني عن مقال كامل".
برنامج موازٍ
ويحضر المعرض المصاحب للفعاليات كأبرز أقسام البرنامج التي حظيت بإقبال وتفاعل جماهيري، بما يضم من مقتنيات وصور تاريخية نادرة، تُعرض للمرة الأولى، والتي وثقت محطات مختلفة في تاريخ مصر الحديث، إلى جانب مجموعة من الكاميرات التاريخية والأجهزة التراثية التي استخدمها رواد التصوير الصحافي على مدار العقود الماضية، فضلًا عن عروض لأحدث تقنيات التصوير الرقمي المُستخدمة في المجال الصحافي حاليًا، بهدف خلق حالة من الحوار البصري بين أصالة الموروث التاريخي وحداثة الحاضر.
فيما تزامنت مع الاحتفالية مجموعة من الفعاليات الموازية أقيمت في أربع محافظات، الإسكندرية والمنصورة ودمياط وبور سعيد، تضمنت جولات حرة للتصوير الحي من خلال توثيق حياة الشارع، وورشة تصوير معالم حي كوم الدكة بالإسكندرية، أحد أقدم الأحياء التاريخية، وذلك ضمن جولة تصويرية تهدف إلى توثيق حياة الشارع وتفاصيلها من خلال الصورة. تميزت الجولات بحضور متباين من مختلف الأعمار والأجيال، إلى جانب جمعها أيضًا بين المحترفين والهواة، فيما تسابق المارة والأهالي في الشوارع والأحياء خلال الجولات لتصدر الكاميرا ولتسجيل اللحظة ليس إلا، فكثير منهم قد لا يرى صورته بعد ذلك.
اهتمت أيضًا الفعالية بتكريم عدد من رواد التصوير الصحافي وأبنائهم، تقديرًا لإسهاماتهم في إثراء الذاكرة البصرية، وما تركته أجيال المصورين الصحافيين من إرث مهني وتاريخي ممتد، شمل التكريم الفنان الراحل فتحي حسين ونجله حسين فتحي من جريدة "الأهرام"، إلى جانب الفنان عادل مبارز ونجله أحمد مبارز، والفنان الراحل حسن دياب ونجله حسام دياب، بالإضافة إلى الفنان الراحل فاروق إبراهيم ونجله كريم فاروق من جريدة "أخبار اليوم".
يعد فاروق إبراهيم واحدًا من أبرز رواد التصوير الصحافي في مصر والعالم العربي، وُلد في القاهرة عام 1939، وامتدت مسيرته المهنية لأكثر من خمسة عقود، وثق خلالها جانبًا واسعًا من الحياة السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية في مصر والمنطقة العربية. من أشهر تجاربه التقاطه لعشرات الصور لأم كلثوم وجمهور حفلاتها وعبد الحليم وللرئيس جمال عبد الناصر. بدأ فاروق رحلته مع التصوير على يد المصور الأرمني الشهير زخاري، الذي أسهم في صقل موهبته وترسيخ أسس العمل الصحافي لديه، وعلى مدار سنوات عمله، التقط آلاف الصور التي أصبحت فيما بعد جزءًا من الذاكرة البصرية المصرية.
صورة وكتابة
كذلك تضمن برنامج الاحتفالية محورًا فكريًا تطرقت موضوعاته إلى عدة جوانب من العملية التصويرية، سواء باستدعاء الماضي أو من خلال طرح التحديات الجديدة، بدءًا من "قصة التطور الذي أعاد تشكيل الصورة" للفنان محمد اليموني، الذي تتبع في محاضرته رحلة تاريخ الفيلم الخام وتطوره عبر السنين وصولًا إلى عصر البيكسل الرقمي، إلى جانب جلسة تناولت أهم الأعمال المفاهيمية لمناقشة التصوير المفاهيمي لكل من: أيمن لطفي، كريم نبيل، حنان المأمون.
وقد ظهر استخدام الفن المفاهيمي مع أواخر الستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث اتجه التصوير الفوتوغرافي إلى توثيق العروض أو الفعاليات الفنية بمنهجية مُعدة مسبقًا، الأمر الذي يُستخدم بكثرة في الإعلانات والرسوم التوضيحية، كما ساهمت برامج تحرير الصور لاحقًا في إتاحة إمكانيات أكبر لمعالجة الصورة، سواء من خلال دمج العناصر أو التحكم الكامل فيها؛ هذا التكامل الجذري، الذي تقول عنه فنانة الفوتوغرافية الفرنسية صوفي كالي: "يكمن الاختلاف في العديد من أعمالي في أنها جزء من حياتي".
من أكثر النقاشات اتصالًا بمستقبل الصورة، تحضر ندوة "مستقبل التصوير في عصر الذكاء الاصطناعي" للدكتور هشام جمال، أستاذ التصوير بمعهد السينما ونائب رئيس أكاديمية الفنون الأسبق، والتي تجاوزت الحديث المعتاد عن تطور الأدوات لتطرح سؤالًا أكثر جوهرية حول من سيكون صانع الصورة في المستقبل، هل هو المصور القادر على التعامل مع الكاميرا، أم الشخص الذي يمتلك القدرة على توصيف ما يريد بدقة عبر اللغة؟ حيث ينطلق جمال من التحولات التي مرت بها عملية التصوير نفسها؛ من إسقاط الصورة بصريًا وتسجيلها بالضوء، إلى تحولها لاحقًا إلى بيانات رقمية، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على توجيه الصورة وتوليدها من داخل الأنظمة والخوارزميات، عبر أوامر نصية بدلًا من التقاطها بالكاميرا؛ وهو ما يفتح المجال أمام سؤال ربما لن يطول الوقت قبل أن يصبح عمليًا: إذا كان بالإمكان إنتاج الصورة من الكلمات، فأين تنتهي مهمة المصور وأين تبدأ مهمة الكاتب؟


تحميل المقال التالي...