}
عروض

النقد الخرافة: تاريخ أورشليم والبحث عن دولة اليهود

في بحثه حول تاريخ فلسطين القديمة ومدينة أورشليم، يضعنا فراس السواح في مواجهة سؤال كبير: أية قيمة تاريخية يحملها القص التوراتي بشكل خاص والقص الديني بشكل عام؟ وهل يمكن اعتماد النص الديني نصاً تاريخياً؟ وإن كان كذلك فهل تمت البرهنة عليه وثائقياً وأركيولوجياً، في ظل التطور العلمي لوسائل البحث التاريخي وأدوات كشفه الحديثة؟

ينتقل صاحب "مغامرة العقل الأولى" في مشروعه الثقافي حافراً في العمق المعرفي لإنسان الشرق القديم محللاً الأسطورة على اعتبارها إرثاً ثقافياً موسعاً بذلك معرفتنا بإنسان الحضارات الشرقية، إلى نقد السرديات التاريخية، متخذاً من البحث العلمي التاريخي منهجاً في الدراسة، ويعتمد في ذلك على تحليل البيانات الأركيولوجية المباشرة ونتائج التنقيب الحديثة والبيانات النصية المكتوبة على الألواح واللقى والمسلات شرط "أن تنتمي هذه البيانات إلى زمن حدوث الواقعة التاريخية". وبذلك ننتقل من حيز التوقع أو الفرضية إلى مجال البحث العلمي المستند إلى الأركيولوجيا التي تظهر الواقع التاريخي كما هو، كما كان فعلاً دون تأويله أو شرحه أو تقويله. ذلك أن الأركيولوجيا حسب رأي مطاع صفدي "تظل أمينة دائماً لما تعنيه الوثيقة. إنها قارئة وثائق". ويتخذ، في بحثه، من أورشليم "نقطة بداية ونهاية ومحور يدور حوله البحث بكامله"، معلناً أن هدف البحث هو الإجابة عن أسئلة محددة: "من هم اليهود؟ ومتى تشكلت الإثنية اليهودية في فلسطين؟ متى نشأ الدين اليهودي وأين وكيف؟ هل كان لليهود كيان سياسي في فلسطين؟ وما هو المدى الزمني والجغرافي لهذا الكيان في حال وجوده؟ هل دانت فلسطين الكبرى باليهودية في يوم من الأيام؟ ومتى؟ ما هي العلاقة بين التاريخ اليهودي الذي ابتدأ في القرن الخامس قبل الميلاد وتاريخ مملكتي إسرائيل ويهوذا خصوصاً وتاريخ فلسطين الكبرى على وجه العموم؟".

الخرافة الواعية

في مجموعتها الشعرية "ذكر الورد" نجد هذا المقطع للشاعرة سنية صالح: "أيها التاريخ العفن، يحقنون كبدك بمصل الحياة، وأنت في باطن الأرض حيث الفضلات والذكريات، صفارات إنذارك أخرستها طبول القيصر". تبدو القضية الأكثر خطورة هي هذه: حقن التاريخ. هي إعادة إحياء الماضي وتدويره "للسيطرة عليه" من خلال إعادة سرد تاريخي مختَلَق وموجه لخدمة أيديولوجيا دينية أو قومية. إن عبارة كيث وايتلام التي يوردها الباحث تلخص القضية: "يتحول الصراع على الماضي إلى صراع على الحاضر من خلال ابتكارات خيالية لماضٍ يعاد بناؤه بشكل تعسفي". تلخص هذه العبارة الهدف الواعي لإحياء خرافة وجعلها حقيقة تاريخية ونعني الحدث التوراتي بما يتلاءم مع المعطى السياسي للحاضر. فهل يمكن اعتماد النص التوراتي رواية تاريخية موثوقة؟ سنلخص السردية التوراتية: خرجت القبائل العبرانية من مصر بقيادة موسى وبعد تجوال طويل في صحراء سيناء استولى على المناطق الواقعة شرق نهر الأردن، ورثه يشوع بن نون وعبر النهر واستولى في حروب صاعقة على معظم أراضي فلسطين وخلال قرنين من الزمن توحدت هذه القبائل تحت راية الملك شاؤل وخاض حروباً طويلة ضد الفلسطينيين (شعوب البحر) وقُتل مع أولاده الثلاثة وتم انتخاب داود ملكاً وكان أول عمل يقوم به هو استيلاؤه على أورشليم ووسع مملكته وحكم حوالي 40 سنة (1030 ق م – 1009 ق م) ثم ورثه ابنه سليمان الذي كان أعظم ملوك الشرق حسب الرواية التوراتية. بعد وفاته انقسمت مملكته إلى قسمين هما إسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة، ويهوذا في الجنوب وعاصمتها أورشليم. وحكمت سلالة داود حتى نهاية مملكة يهوذا ودمار أورشليم على يد نبوخذ نصر البابلي 587 ق م.

هذه السردية تفترض أن تأسيس المملكة على يد داود حدث في القرن العاشر قبل الميلاد!
في ختام مداخلته أمام مؤتمر جمعية علم الآثار التوراتي في سان فرانسيسكو 1997، والذي عقد تحت عنوان: أين القرن العاشر؟ يقول عالم الآثار الإسرائيلي أوسيشكين: "إنه لمن الصعب على روحي الرومانسية أن تقبل بهذه الوقائع. أرجو من الملك سليمان أن يسامحني".

ذلك أن نتائج المسح الأركيولوجي الذي قام به العالمان الإسرائيليان: إ. فنكلشتاين وأوسيشكين بينت أنه لا وجود لدولة موحَّدة (يهوذا والسامرة) في فلسطين في القرن العاشر قبل الميلاد كما تدعي التوراة، ولم تكن هناك أورشليم لكي يقهرها الملك داود، ولم تكن هناك هجرة من مصر لقبائل عبرانية بقيادة موسى. تاهوا في الصحراء أربعين سنة وأتوا ليشكلوا دولة موحدة. 
لقد كانت هذه النتائج هي ذات النتائج التي خرجت بها عالمة الآثار واللقى مارغريت شتاينر، وذلك في بحث منشور في مجلة علم الآثار التوراتي 1998، والذي كانت من أهم نتائجه: "إن أورشليم في أواخر القرن العاشر ومطلع القرن التاسع ق. م لم تكن أكثر من مقر إداري لسلطة سياسية متواضعة، وأننا أمام بدايات ولادة مدينة جديدة لم يكن لها وجود خلال بضعة قرون ماضية".


هيكل من ورق


إن أقدم نص للتوراة عثر عليه في مخطوطات البحر الميت يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد واحتوى على أجزاء غير كاملة من الأسفار عدا سفر أشعيا وجد كاملاً. وهذا ما يؤكده عالم الآثار غاريني الذي يعتبر من باحثي الاتجاه الراديكالي ذوي الموقف النقدي من الرواية التوراتية: "إن الأسفار المدعوة بالتاريخية في التوراة قد دونت في العصر الفارسي وأوائل العصر الهيلينستي". هذا يعني أن أحداث سفر التكوين بعيدة 1900 سنة عن تاريخ تدوينها. وقصة الخروج من مصر ودخول أرض كنعان بعيدة 1100 سنة عن تدوينها. وقصة مملكتي إسرائيل ويهوذا بعيدة 600 - 900 سنة عن تاريخ تدوينها. فمن أين أتى هؤلاء الملوك إذن موسى، يشوع بن نون، شاؤل، داود وسليمان؟.

للإجابة عن هذا السؤال يعرض فراس السواح عدة نظريات يدعوها: "نظريات الأصل المحلي":

- نظرية آلت في التسرب السلمي: في حدود 1250ق. م بدأت عشائر رعوية بالتسلل التدريجي عبر نهر الأردن.

- نظرية الانتفاضة الداخلية: لماندن هول، طورها غوتوالد وتقول إن هذه الجماعات التي تسربت لم تكن من أصل رعوي، وإنما هي شرائح فلاحية كنعانية لجأت إلى الثورة في وجه حكام المدن الطغاة.

- نظرية بوتقة الانصهار: يرى ميلر ماكسويل أن هذه القبائل أتت من مصادر داخلية متنوعة ولكلٍ منها عبادته الخاصة ونتيجة اندماجها وتوحدها خرجت إسرائيل كمفهوم إثني سياسي وديني لأول مرة في عصر القضاة.

- نظرية التطور الديني المحلي: نظرية فراس السواح، ترتكز على التمايز الديني لسكان المناطق الهضبية عن الوسط الكنعاني واستقلال المعتقد التوراتي عن المعتقد الكنعاني وتخرج هذه النظرية بنتيجة: "إن الشعب الذي أنتج الثقافة اليهودية هو فئة كنعانية لم تغادر أرض فلسطين قط".

- النظرية الأركيولوجية الحديثة: دلت نتائج الأبحاث التي قام بها عالم الآثار الإسرائيلي آدم زرتال 1990- 1980 أن القادمين الجدد وفدوا من مناطق رعوية شرق نهر الأردن. إلا أن وليام ديفر الأركيولوجي الأميركي، وفي مداخلة له في جامعة شيكاغو عام 2000، يطلق مصطلح "أشباه الإسرائيليين" قائلاً: "هذه الجماعات التي شكلت نواة الإسرائييلين في المناطق الهضبية لم تأت من مصر ولا من أي مكان خارج أرض كنعان وليس هناك ما يدل، آثارياً، على هجرتهم من مصر أو غيرها. إنهم كنعانيون فلسطينيون". وهذا ما أكده عالم الآثار الإسرائيلي إ. فنكلشتاين أيضاً: "إن أورشليم القرن العاشر ق. م كانت مقراً سكنياً متواضعاً جداً ولا يمكن وصفه إلا كقرية هضبية اعتيادية"، وذلك اعتماداً على الحفريات واللقى والكسرات الفخارية على مستوى القرن العاشر. وهذا ينفي ما تدعيه التوراة ويستبعد أن تكون هذه القرية الصغيرة مركزاً "لإمبراطورية طموحة معزوة لداود وسليمان" وأن الملوك الافتراضيين لم يكونوا "سوى أمراء محليين في أورشليم الناشئة".

يهوذا والسامرة

نعثر على أول تقاطع أركيولوجي تاريخي بين التوراة والوثائق التاريخية في شخصية عمري باني مؤسس السامرة قرب نابلس، بينما يظهر أول تقاطع في ما يخص يهوذا وعاصمتها أورشليم في السجلات الآشورية عام 750 ق. م من ضمن الممالك التي دفعت الجزية ويظهر أول اسم ملك لأورشليم وهو آحاز 735 ق. م. بينما تروي التوراة سيرة 11 ملكاً قبله. لكن، هل كانت السامرة ويهوذا يهوديتين؟

يؤكد الباحث أن ديانة المملكتين كانت استمراراً طبيعياً لديانة كنعان، "وما يهوه إلا واحداً من مجمع آلهة كنعانية تم اختياره لاحقاً من قبل التوراتيين دون بقية آلهة كنعان وكان متزوجاً من عشيرة الإلهة الكنعانية المشهورة". أي أن، والقول للسواح أيضاً "النص التوراتي هو الذي ابتكر اليهود واليهودية وليس العكس".


السبي الافتراضي والسبي الحقيقي


لا ينكر صاحب "آرام دمشق وإسرائيل" تاريخية السبي إلا أن هذا الإجراء لم يكن مقتصراً على مملكتي يهوذا والسامرة. بل كان إجراء تقوم به الإمبراطوريات عندما تقوم بإخضاع المناطق الخارجة على السيطرة. لكن الاختلاف يكمن في عدد المسبيين. وبعد سقوط آشور وسيطرة قورش الفارسي على بابل أمر بعودة المسبيين والمهجرين إلى مناطقهم وإدارة حياتهم ذاتياً طالما هم يدفعون الجزية ونال بذلك لقب: مسيح الرب من محرر سفر إشعيا. أما عن العدد الكبير العائد من السبي فيفترض فراس السواح "أنهم من الشعوب المختلفة وليسوا فقط من مسبيي يهوذا"، مستدلاً بذلك من نص توراتي في سفر نحميا "الذين ختموا هم باقي الشعب وكل الذين انفصلوا عن شعوب الأرض إلى شريعة الرب".
 

أورشليم في العصور اللاحقة


يقدم الكتاب تفصيلات عن أورشليم وتطورها بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر المقدوني وورثته، ويعرض التطور الكبير في عهد هيرود العربي (الكبير) موضحاً أن حائط المبكى هو جزء من السور الغربي الذي بناه هيرود. دُمرت المدينة سنة 70 م، إثر هجوم الرومان عليها وأدى تدمير الهيكل إلى زوال مركز العبادة في أورشليم وزوال الفرق اليهودية التي تشعبت في القرن الأول الميلادي وما تلا ذلك من ظهور للربانيين وانعقاد أول مجمع في نيمينا على الساحل الفلسطيني وولادة اليهودية التلمودية.

سنة 130-131 م، قام الإمبراطور هاروديان بهجوم كاسح على المدينة وسواها بالأرض وبنى مكانها مدينة جديدة أخذت اسم: إيليا كابيتولينا. وبعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية قامت هيلينا أم الإمبراطور ببناء كنيسة في الموضع الذي تواترت الأخبار عن صلب المسيح فيه وتحولت إيلينا إلى مدينة مقدسة.

استسلمت للمسلمين دون قتال سنة 638 م. وعند دخول عمر بن الخطاب صلى في الزاوية الجنوبية الغربية من مصطبة هيرود وبنى مسجداً متواضعاً. قام الخليفة عبد الملك بن مروان ببناء قبة الصخرة فوق الصخرة التي يقال إن الرسول عرج منها إلى السماء. دعى العرب إيليا بالقدس والتي أصبحت مدينة مسيحية إسلامية مع أقلية يهودية.

إن ما طمح إليه الباحث فراس السواح في كتابه هو ربط الوقائع التاريخية بأسبابها وعوامل حدوثها معتمداً على الأركيولوجيا كمنهج بحث محاولاً "تجريد التاريخ من قدسيته" لحساب مصداقية الحدث وتاريخيته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.