}
عروض

سيولة الذات والمكان في رواية "سقوط حر" لعبير إسبر

ضاهر عيطة

25 فبراير 2020
ترصد عبير إسبر في روايتها "سقوط حر" بنية المجتمع السوري، من خلال شخصية تتحكم في سلوكها نزعة إنسانية شفافة، تقابلها عدائية لذاتها ولأقرب الناس إليها. وقد تسلل هذا الميل لتعذيب الذات، وتدمير الآخرين، إلى روح (ياسمينا)، منذ أن تخلت الأم (مارلا) عنها وهي لما تبلغ بعد العاشرة من عمرها، حين أخذ الأب (خليل داغر) على عاتقه مهمة تسريح شعرها، والعناية بثيابها، وهو لا يكاد يكف على اللعنات والمسبات، تعبيرًا عن سأمه من هجر زوجته له، ما دفعه مع مرور الأيام لقص شعر (ياسمينا)، واستبدال أثوابها بالبناطيل. وبعد أعوام طويلة، تعود الأم (مارلا) إلى الأب فقط ليعالجها من مرض السرطان الذي استحكم فيها، وقد تزوجت من رجل آخر. أدركت ياسمينا أن والدها متيم بحب مارلا إلى حد الفجيعة، ما جعل طهرانيته تسقط في عينيها أمام فجور والدتها، وتتتقلص رجولته إلى حد الامحاء، وربما لهذا أقدمت في ما بعد على قتله.
سقوط حر للروائية السورية عبير إسبر

يبدو أن تناول إسبر لحياة آل داغر ما هي إلا محاكاة المجتمع السوري بشكل عام، وما آلت إليه أحوال البلد مع انطلاق الثورة، فالفضاء المكاني الذي نشأت فيه ياسمينا يحاكي فضاء الجغرافية السورية، وقد استحالت إلى مقابر، فها هو فبيت آل داغر الواقع في حي باب توما، قائمًا وسط مقبرة تحوي رفاة أفراد العائلة. وتعلن ياسمينا في مطلع الرواية عن قتلها لوالدها العجوز خليل داغر طبيب التجميل، بعد أن مد يده نحوها، غير أنها تعمدت تركته يقبض على الهواء ليسقط عن الأدراج ميتًا. وإذا ما أشارت ياسمينا إلى الأجواء التي استدعت ارتكابها لجريمة كهذه، فهي لا تتقصد البحث عما يبرر جريمتها، إنما تفعل ذلك لتصوير المشهد العام في سنة 2012، حيث كل ما في دمشق يحرض على القتل، شهر آب الحار، ومسبات عناصر الحواجز الأمنية، والقذائف، وحركة المرور، وصوت سيارات الإسعاف، كل هذا دفعها إلى قتل والدها، عساها توقف الطنين العالق في رأسها، ولتتطهر من الأحقاد المعشعشة في أعماقها تجاه
هذا الأب الذي كان قد منح زوجته مارلا حرية غير مشروطة.
لا تنسى ياسمينا رنين حروف هذه الكلمة وهي تخرج عن شفاه الأم، حين همست لها في طفولتها "ما أجمل أن تكوني حرة"، لتصحو الطفلة بعد يوم فتجد أمها قد هجرتها، وسافرت مع ابن خالها لترتبط برجل آخر غير والدها. إثر ذلك، تغدو الحرية عندها كلعنة حلت عليها، وعلى أسرتها، وهذا ما جعلها ترتعد من صيحات الثوار المطالبة بالحرية، فأجواء الغدر والخيانة التي كللت حياة أسرة آل داغر، واستيلاء العم كريم داغر على بيت ياسمينا الذي ورثته عن والدها، راح ينمي في أعماقها فطرة الغدر والخيانة على نحو مريب، حتى أنها، وقبل أن تقدم على قتل والدها، كانت قد صوبت سهام الغدر إلى حبيبها أسامة، حينما تم اعتقالهما أيام الدراسة الجامعية، لمجرد تصويرهما للعلم الأميركي عند بناء السفارة، فأقدمت على الوشاية بأسامة، كثمن لخروجها من المعتقل، ليبقى هو هناك ثلاثة أشهر، كلفته سنة دراسية في المعهد الموسيقي، وفوتت عليه فرصة السفر إلى فيينا، ومع انطلاق الثورة السورية، وتعاظم الاعتقالات والانفجارات في محيط دمشق، تعود وحبيبها أسامة إلى مشاعرهما السابقة، حتى أن أسامة يناديها "حبيبتي"، غافرًا لها خيانتها له. ولكن ما إن يطلب منها المساعدة كي تؤمن له جواز سفر لينجو من الاعتقال، نظرًا لمساهمته في الثورة، فتعهدت له بذلك، لكن حينما يتصل أسامة بها في الموعد المحدد تكون قد رمت جوالها في زوايا غرفتها،
ومضت في طريقها إلى بيروت، لتخونه مرة ثانية، تاركة إياه لمصير مجهول. وكما هي تغدر وتطعن بالأهل والأحبة والأصدقاء، كذلك تفعل مع الأمكنة، فحين تهجر مدينتها دمشق، تهجرها من دون أي ندم، سيما أن كل ما فيها من أبنية قديمة كان قد تم تشويهها، والحديثة منها بنيت بهاجس أمني، إلى حد أن مراكزها الثقافية لا تحيل إلا إلى الرعب والخواء.
وهكذا أضحت ياسمينا فتاة لا تنتمي إلى الأمكنة، تغادر مدينة لتحل بغيرها، وكأنها تهرب من أناها، ومن جرمها، ومما أحاط طفولتها، تغادر الأمكنة بحجة أن روايتها الكاذبة تطلب منها ذلك، وتلح عليها بتغيير الأمكنة لاكتساب الخبرات والمعارف. وها هي تحل في بيروت لتكتشف أن هذه المدينة لم تعد مسرحًا للحكايات، بل صارت هي حكاية الوجع. ومن عادة المدن المرهقة أن تلفظ المرهقين، مثلها كطعم مر، وهذا هو حال بيروت معها ومع اللاجئيين السوريين، فهم وجعها وصورتها التي تمقت رؤيتها، ولذلك تتركها وتتجه إلى دبي، بعد أن رتب لها عمها كريم داغر موعدًا مع إحدى المحطات الإعلامية لإنتاج مسلسل تاريخي "أبحر ما استطعت في جراح الماضي، ولكن حذار من الاقتراب من الجرح السوري"، ولم تكن استعارتها لدبي كفضاء يشير إلى التجارة العالمية وناطحات السحب، إلا للتأكيد على إشاحة عيون الكون عن الحكاية السورية المدماة بالجراح، فدبي صممت على نحو يحفز على العلاقات العابرة
والسريعة، ما يدفع ياسمينا لإقامة علاقة من هذا النوع مع جنيفر، خادمة الفندق الفيلبينية "لم تكن لديّ ميول مثليّة، ولم أحبّ النساء بما يكفي، ولم أحبّ الرجال أيضاً، كنت أحبّ الفوضى، أحبّ أن أخرّب عقول وأجساد من أقابلهم، أحبّ الرضوض التي أتركها فوق قلوبهم، وفي وجدانهم". في المقابل، فإن جنيفر تصدق اللعبة، ما يجعل ياسمينا تستمتع وهي تراى قلبها يتمزق ولهًا بها، حتى إذا ما وقعت جينيفر في مازق، واتصلت بها كي تؤمن لها محامي، لئلا يتم ترحيلها من دبي، تعدها ياسمينا بأن تفعل ذلك، لكنها عمليًا لا تفعل إلا ان تمحو رقمها من جوالها، وتمضي في طريقها، كما سبق لها أن فعلت مع حبيبها أسامة. وما استمتاع ياسمينا بترك الآخرين في أشد لحظات احتياجهم إليها إلا ردة فعل عن ترك الأم لها في أشد لحظات احتياجها إليها، وما كان تخليها عن الأمكنة إلا تعبيرًا عن رغبتها في التحرر من وطأة المقابر التي أرهقت أعماقها، ولذلك تهرب بعيدًا جدًا عن سورية، لتغدو لاجئة في مونتريال، وهناك تنهشها الوحدة والغربة، وبرودة الطقس والعواطف، وكذلك لعنة الحنين إلى بلد "أكتفي بكل ما هو قليل، القليل من الحياة، من الحب، من الكرامة، ولم تعش الحدود الكاملة إلا في الحرب، في الحرب تفجرت حياة أبنائها بلا حياء، خصوصًا حينما صاروا لاجئين، وأفصحوا عن عنفهم، وعن طائفيتهم وكراهيتهم للأصدقاء، فانقسموا على دمائهم وحكاياتهم". ومع عودة ياسمينا إلى دمشق، لا تجد إلا أن تنهي حياتها على الأدراج التي سبق وأن تركت والدها يسقط عنها.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.