}
قراءات

رواية "مريم/ مريام".. السجين الفلسطيني الذي كتب رواية مغايرة

فيصل درّاج

28 يونيو 2020
استلهم غسان كنفاني مسرحية الألماني برتولد بريشت "دائرة الطباشير القوقازية"، وحوّلها إلى رواية فلسطينية الأسئلة دعاها: "عائد إلى حيفا" عالجت عودة يقبل بها الحلم وأخرى مستحيلة. سرد الروائي وقائع لاجئ زار بلدته المحتلة، بعد حرب 1967، ودخل إلى بيت كان له وسأل عن "طفله" الذي نسيه في لحظة الخروج المرعب، معتقدًا أن ابنه لن ينكره وأن ما جاء منه عائد إليه. وصلت رواية غسان إلى ما كان عليها أن تصل إليه وأعلنت عن حقائق صالحة إلى اليوم، أولها: أن المدن تفتح من جهة واحدة وأن قضية الإنسان تساوي الكفاح الذي بذله لأجلها، وأن استعادة حق مغتصب يحتاج إلى معركة.

رحل غسان منذ خمسين عامًا، وتصرف الزمن بالفلسطينيين أكثر مما تصرفوا به، وظل ما قال به صحيحًا، ذلك أن إرادة الاحتلال الصهيونية ثابتة ظالمة لا ترى العرب بل إنها قادرة، وبجهد ميسور، أن تسفّه رأيًا فلسطينيًا يقول بالمساواة بين البشر، ويطمح إلى مواطنة سويّة في أرضه: فلسطين. عالج الموضوع القديم ـ الجديد، والذي سيتجدّد طويلًا، كميل أبو حنيش في روايته: مريم/مريام (دار الآداب، بيروت، 2020، 263 صفحة)، التي سردت مسارًا فلسطينيًا من عام النكبة إلى اليوم، متخذّة من أقدار "صفورية"، التي نزح بعض أهلها إلى "الناصرة"، موضوعًا، يتجاوز علاقة الأب والابن ويتشجر في علاقات تتضمن الأب والجد والحفيد وحوارًا بين عائلة مستوطنة وأخرى لاجئة ومصاهرة يكسوها حب شارد ويزجرها الغضب والكراهية.
في رواية كميل، التي بذل فيها جهدًا واضحًا، ما يثير احترام القارئ و"الناقد المفترض"، ذلك أن كميل يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من ثمانية عشر عامًا، وحصل على ماجستير في الشؤون الإسرائيلية. والمحصلة أنه وحّد بين قناعاته وممارساته الوطنية وانتهى إلى سجن طويل، وكتب عن الحقيقة الصهيونية من داخل سجن إسرائيلي، مبتعدًا عن اجتهادات "أكاديمية" تخفف وطأ الكلام ونبرته منتظرة، أو محافظة، على مكاسب قائمة. يبدو كميل، في الحالين، استتباعًا لمنظور غسان كنفاني وتعاليمه، وذلك في زمن فلسطيني يميل إلى البلاغة لا إلى الفعل السياسي. ويأتي الاحترام ثانية من "نص روائي إيديولوجي"، عثر على بنية فنية متماسكة متحررة من الإيديولوجيا. فالإيديولوجيا التي هي حكاية تربك الحكاية وتذيبها رواية كميل في متواليات من العلاقات الفنية.


أراد الروائي أن يسائل قضايا ليست روائية وأن يضيئها بإجابات من الرواية مثل: الوطن والمكان والهوية والانتماء، وأجاب عنها بأدوات فنية محافظًا، باجتهاد نوعي، على هاجس النص الإيديولوجي والتكامل الفني المحايث له. فقد حاول بعض كتّاب رواية فلسطين، في زمن سبق ولأسباب مشروعة، تقديم نص وطني مستقيم واضح الأسئلة معروف الإجابات.
كسر أبو حنيش القاعدة القديمة، مزاوجًا بين الوطني التحريضي والتباس الكتابة الأدبية. توسّل بنجاح لافت بنية روائية فنية، تربك وتسائل وتجيب وتعيّن الكتابة مرجعًا للأسئلة والأجوبة. عمد إلى تشجر الشخصيات الروائية، المختلفة السمات المتنوعة الأعمار والمصائر، وإلى الحكايات المفاجئة، التي تنتج الفرح والشجن معًا. محققًا الإضاءة الوطنية و"التشويق الفني"، إذ كل سؤال في حكاية وللحكايات جميعًا أزمنتها الفلسطينية المأسوية والتاريخية معًا. قصّر المسافة بين الشعر والرواية وامرأة فلسطينية عشقت عشقًا واسعًا قبل الاحتلال، لازمها في المنفى، ووزعت دفأه على الأخ والابن والحفيد، كما لو كانت "مَريم" مجازًا لأرض طيبة لا يجدر بها النسيان. واجه الشابة ـ العجوز، المنتمية إلى مكانها، يهودية من "زمن المحرقة"، تنظر إلى الفلسطينيين بشفقة وتصفق طويلًا للانتصار الصهيوني. حاذر كميل "النزعة العاطفية المجردة"، التي تساوي شاردة بين البشر جميعًا، مشوّهة معنى الحب والكراهية معًا، وقرأ الشخصيات بحسبان سياسي متحرر من الضباب، إذ الفلسطيني الحقيقي إنسان كريم يتمسك بحقوقه، وإذ الإسرائيلي، مهما تكن حججه، مغتصب قاتل لا يصالح ولا يعرف الغفران. انتهت الرواية إلى سؤال محدّد: هل الإسرائيلي مستعد للتصالح مع عدوه الفلسطيني؟ أو: هل المصالحة ممكنة مع دولة احترفت إعدام الزيتون الفلسطيني؟
جسّد الروائي المسافة بين "المريمييْن" بمواقف إنسانية تكشف عن الحدود الفاصلة بينهما: التقاء مريم الفلسطينية بأخيها بعد ثلاثين عامًا، الولد الذي يجلس مكان جدّه، تعبيرًا عن تناسل وطني لا ينقطع، وأهل صفورية اللاجئون الذين يسيرون إلى جبل كي "يتفرجّوا" على أرض كانت لهم، الشاب الفلسطيني المحتاج الذي يبني بيت الإسرائيلي الذي قتل أباه، و"أبو سريع" ـ عيسى ـ في بحثه التاريخي الدؤوب عن معنى المسيح والأسماء العربية المسروقة عبريًا، والذي يستشهد في مظاهرة، هدية الحفيد لجدته التي حكت له طويلًا عن "شجرة تين" رائقة خضراء قبل الاحتلال، شاحبة منسية بعده.


ارتكن كميل إلى لغة أدبية متكاملة، كاشفًا عن الفرق بين "لغة التحريض الصحافية"، ولغة الأدب المشتقة من صورة ومجازات وشقاء المعاناة والانتظار، كما لو كان يقول: إن لغة المأساة الجليلة تصدر عن موضوعها، تستنكر الإنشاء الجاهز وتحتفي بنثر تمليه روح لاجئة. نقرأ على لسان الحفيد كلام جدته مريم التي أهداها شيئًا من تين فلسطين: "قالت لي إنها كانت قبل النكبة تطلّ من صفورية على الناصرة، وبعدها انقلبت الآية، فأخذت تطل من الناصرة صوب صفورية. ص: 21"، "أخذت مريم تتلمسْ أغصان وأوراق الشجر بحفاوة، وتمسدّها بقداسة، وتحدث الشجرة وتستنطقها بنحيب يوقظ الأفئدة". تصف اللغة عجوزًا فلسطينية مرّت للحظات بأشجار كانت تعايشها قبل الرحيل. تصف اللغة السارد روح اللاجئ، وتُنطق الحنين بكلمات متأسية، لتقول في النهاية: وعودتنا قد تحتاج إلى حرب. ص:108"، مستعيدة ما قال به بطل غسان الذي انتظر عدوًا يعترف به، وخلص إلى أن العدو المنتصر لا يعترف إلا بانتصاره.



كان الراحل إميل حبيبي في روايته "إخطية" قد وسّد فلسطين المنقضية في سرير الذكريات. احتج عليه كميل أبو حنيش لا لأنه أكثر موهبة، وهو كلام مبتور المعنى، بل لأنه لم يحذف الفرق بين الروائي، الذي يودّع الماضي باكيًا، والمثقف ـ الروائي المدافع عن "حقيقة" لا تطردها الأزمنة. ولعل وحدة الروائي والمثقف هي التي دفعت كميل إلى جهد يستثير الفضول أعاده إلى التاريخ البعيد، وحاجج "البراهين الصهيونية"، وقرأ اليهودية معتقدًا وتاريخًا وإشارات. ربما يكون في مساءلة التاريخ، وقد أخذ شكل الوثيقة، ما يفصح عن دلالة الكتابة عند كميل، إذ هي معرفة ولغة أدبية ووعي سياسي مؤمنًا، على طريقته، أن الكتابة الصحيحة تستلزم منظورًا سياسيًا صحيحًا، لا يهادن في "قضايا الإنسان الكبرى".


قرأ كميل التاريخي بالسياسي، ورأى ما يشبه الحرب، وقرأ التاريخي ـ السياسي بالإنساني متحدثًا، بإسهاب، عن تساوي البشر بمعزل عن الأديان والألوان، مؤكدًا أن حلًا عادلًا للمأساة الفلسطينية لا يستقيم إلا بغروب المنظور الصهيوني العنصري الذي يقسم البشر إلى أعلى وأخفض، وأقوى وأضعف، مساويًا في النهاية بين جوهر الإنسان وجوهر القوة المسلحة. وصلت رواية كميل إلى سؤال صعب مؤجل الإجابة: هل عودة الفلسطينيين إلى حقوقهم "تقوم" على حرب محتملة أم على تغيير "إنساني" في المنظور الصهيوني؟ وما هو شكل الحرب الذي يوائم الفلسطينيين؟ ترك السؤال طليقًا، وعطف "الحق المنتظر" على أدوات سلمية مثل: الهوية التي لا تنفصل عن المكان، ووعي الانتماء الذي يحيل على اللجوء ومعرفة التاريخ، والذاكرة اليقظة الموحّدة بين ما كان وما صار وتدرك السبب.
كان الراحل أنيس صايغ يقول: "طبريا أم عواصم الدنيا"، وكان جبرا ابراهيم جبرا يردّد "القدس أجمل مدينة في الدنيا"، وتناجي مريم كميل ذاتها بصوت واضح: "صفوريّة هي أجمل مكان في العالم". يستمر جمال فلسطين في ذاكرة الذين لا ينسونها، يعرفون كيف كانت و"يشرحون" كيف تعود إلى أهلها، وهو ما كتب عنه أبو حنيش رواية واسعة الإيماء والشهود، كأنها وثيقة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.