}
عروض

"عاريًا أغادر هذا العالم".. في استذكار سير مبدعين عراقيين

علي لفتة سعيد

12 أكتوبر 2021

 

 

يضع الناقد العراقي محمد جبير لكتابه الجديد الصادر حديثًا عن مكتبة فضاءات الفن ببغداد عنوانًا قد يبدو طبيعيًا أو يحمل فبركة، كما هي في المجاميع الشعرية مثلًا، لكنه سرعان ما يتحوّل الى عنوانٍ مدهشٍ كونه اختار الحديث عن روائيين وكتّاب سردٍ رحلوا عن الدنيا، ليقول نيابةً عنهم: لقد خرجنا عراة إلّا من حروفنا التي ظلّت تغنّي ذاكرة الارتداء الجمالي.

كتاب جبير "عاريًا أغادر هذ العالم" والذي وضع له عنوانًا مجاورًا (استذكار ومراجعة الأثر) ويقع في 210 صفحات من القطع المتوسط، لا يناقش الموت بوصفه نتيجةً حتميةً، بل يناقش أثر رحيل أصدقائه والمبدعين عليه وعلى الساحة السردية العراقية، إذ عدّ موتهم مرحلة تراجع حياتي لا سيما في أيام الحجر جراء جائحة كورونا لتكون "أخبار الفقد مثل الصواعق، لا نكاد نصحو من صدمة رحيل عزيزٍ حتى نُصدَم بغياب عزيزٍ آخر في عزّ عطائه وعنفوانه الإبداعي.. خرّبت كورونا أيّامنا، وغيّرت سلوكنا وتفكيرنا وحركتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، وتلبّسنا الخوف من المجهول، ولم تعد التجمعات تضيف لنا الاطمئنان والشعور بالأمان، وإنّما صارت مصدر خوف وقلق من الإصابة بهذا الفيروس اللعين".

حتى إن جبير في مقدّمته يتحدّث عن الوباء كأنه يتحدّث عن وباء الحياة والتغيرات التي طرأت على العائلة والأدب والعلاقات ولم يبق غير مواقع التواصل الاجتماعي لتكون ملاذا.. ويطرح تساؤلا مفاده: "كيف سيكون شكل الحياة بعد كورونا؟" ويجيب عن السؤال بطريقة التحليل التأمّلي فيقول "لا يمكن لشخص ما أن يتصوّر شكل العالم بعد الجائحة إلّا السارد، فالحياة عبارة عن كذبةٍ كبيرةٍ نسعى ونوهم أنفسنا بتصديقها".

الكتاب يتناول حياة من هم أقرب إليه متنقّلًا بين حقبتين صارتا علامةً فارقةً في التاريخ العراقي؛ ما قبل عام 2003 وما بعده، وهو ما حتّم عليه في طريقة رسم الكتاب أن يترك لنفسه "الحرية في الاختيار لطريقة الكتابة ومن أين أبدأ؟ فهذا المشروع قد يراه المتلقّي أنّه لا يخضع إلى منهج أو سبيل أو طريقة محدّدة، وإنّما يقوم على تداخل الاستذكار السيري والأثر الأدبي"، ولهذا فإن الحبّ والعلاقات وربما أيضا العاطفة تدخّلت في رسم المنهجية أو طريقة التدوين في إنتاج هذا الكتاب، لأنه يريد بث "رسالة محبّة لكلّ من غادرنا من الأصدقاء الذين تجمعنا معهم مشتركات الذكرى الاجتماعية والثقافية، إذ انطلقنا من صورة الشخصي إلى الأثر الإبداعي، بغية أن ننتصر لأحبّتنا ممن رحلوا لتبقى ذكراهم خالدة في ذاكرة الأجيال القادمة من الباحثين والدارسين لمسيرة السرد العراقي".




يحاول جبير أن يبدأ من السببية، وكيف أثّر رحيل ثلاثة من الساردين العراقيين عليه في زمن الجائحة.. ثلاثة لهم مكانة عالية وهم محمد علوان جبر وحميد الربيعي وأسعد اللامي، حيث كان الثلاثة يشكلّون واقعًا سرديًا وعلاقاتيًا في الوسط الثقافي العراقي، ورحيلهم شكّل غصّة. وهو يعود الى ساردين آخرين لهم أثر كبير وكثير على السردية العراقية، ومنهم عبد الستار ناصر، فهد الأسدي، علاء مشذوب، عزيز السيد جاسم، حسن جودة، محمد شاكر السبع، منير عبد الأمير، نعمان مجيد، صباح علي الشاهر، كاظم الأحمدي، باسم شريف ومجيد جاسم العلي، لينشطر الكتاب إلى عملية استذكارات مع الراحلين في حياتهم وعلاقته بهم مبتدئًا بمن أسماهم في الفصل الذي يعد الأطول في الكتاب (ثلاثي نادي السرد) حيث كانوا هم دينامو الحركة السردية في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وقد عنون فصله (ما زال الشرطي الساكن عقلي يرعبني) كون هذا التاريخ قد شكّل "حدًّا فاصلًا بين نظامين سياسيين، ولم يكن من السهل استيعاب هذا التغيير أو التماهي معه، لا سيما أنّه لم يأت من الداخل، وإنّما  جاء بفعل عسكري خارجي، شكّل عدوانًا واحتلالًا باعتراف الأمم المتّحدة"، وهو يرى أن  المحذورات والممنوعات لم تزل تعيق وتضبط وتوقف أي شيء كي لا يتم تجاوز الخطوط الحمر وكأنه يقول "لقد كبر ذلك الشرطي، وتحرّر العقل منه وصار متشظيًا في أكثر من زاوية وجحر مظلم، توزّع على الأحزاب والمجاميع المسلّحة والكثير من منظمات المجتمع المدني الوهمية وغير الوهمية، حتى إنّ أصدقاء الأمس صاروا شرطة اليوم، يرموننا بدائهم وينسلّون، متوارين خلف واجهات ويافطات سياسية وثقافية".

 

اعتقال وتغييب وإبكار

الكتاب يتحدّث عن الفترة التي سبقت حقبة زمن العلامة الفارقة فيضع فصلًا عنونه بـ(اعتقال سارد) وتحدث فيه عن كيفية اعتقال الراحل عبد الستار ناصر بسبب قصة قصيرة ويفرد جبير قراءة نقدية لنتاجه الثر، وهو الأمر ذاته الذي فعله مع الراحل فهد الأسدي وعنون فصله بـ(مرثية نضالية) متحدثًا عن دور الأسدي في المشهدية السردية العراقية وموقفه النقدي من قصصه. ويضع جبير فصلًا عن الشهيد الدكتور علاء مشذوب بعنوان (اغتيال سارد) حيث عدّ خبر اغتياله "صادمًا ومؤلمًا للوسط الثقافي، فقد كان الاغتيال ينمّ عن إصرار وعمدية وتربّص بالكاتب وهو يستقلّ دراجته التي يستخدمها يوميًا في تنقّلاته داخل محافظته - كربلاء- حيث أطلق المجرمون القتلة 13 طلقة نارية بدم بارد على سارد أعزل لا يملك سوى قلم وبضعة أوراق، يدوّن فيها تاريخ مدينة".





ويتناول الكاتب حياة أكثر الساردين الذين تعرّضوا الى التغييب في زمن ما قبل عام 2003 تحت عنوان (تغييب مفكر سارد) وكان خاصًا بالكاتب عزيز السيد جاسم كونه شكّل رمزيةً فكريةً وسياسيةً وثقافيةً وحتى فلسفيةً وهو، برأيه، "موسوعة ثقافية فكرية لا يمكن تجاوزها أو نسيانها على مرّ العصور، ويكفيه فخرًا أنّه كان حاضرًا في ميادين الفكر والثقافة المتنوّعة، وهو حضور نوعي وفاعل ومثير للجدل في كلّ ما يقدّمه من طروحات فكرية على مستوى الفكر اليساري أو القومي، كما مارس الحفريات الثقافية في التاريخ الإسلامي ليرمّم ما هشّمه كُتّاب النظرة الأحادية العصابيون الذين تناولوا مرحلة الخلافة الراشدية التي تُعَدّ من أهمّ وأخطر المراحل التي ثبّتت أركان الفكر والدولة الإسلامية".

وتكلم أيضًا عن الموت المبكر للسارد حسن جودة وعنون فصله بـ(موت مفاجئ) حيث مات غرقًا وكان "في عزّ عطائه وفي ريعان شبابه وأوج عنفوان شبابه، وهو مشروع سارد طموح لو امتدّ به العمر لقدّم الكثير من الإنجازات السردية".

ولم ينس الكاتب واحدًا من أشهر الساردين العراقيين وهو محمد شاكر السبع وكان فصله بعنوان (السبع يفارق مخلوقاته العجيبة) ويعطيه فصلا آخر بعنوان (خدعة سارد الحكايات) وكذلك فصلا ثالثا بعنوان (وطن بلا شتاءات)، ويقول عنه "رحل الكاتب الذي عاش غربةً ولوعةً وألم الداخل منذ أن تخرّج في كلية الآداب في أواخر الستينيات من القرن الماضي، ليعود إلى مدينته العمارة موظّفا فيها، وليبدأ في مطلع السبعينيات رحلة الانفصال عن مدينته حين تمّ نقله من العمارة إلى بغداد ليعمل محرّرًا في مجلة ’ألف باء’".

وخصّص فصل (وجودية السارد المنسي) للقاص والروائي والمترجم منير عبد الأمير الذي كان "في حياته يشعر بالغبن الثقافي على الرغم من علاقاته الواسعة بالمجتمع الثقافي بمختلف أطيافه واحترامهم الشخصي له".

ويمضي جبير في كتابه الى فصل بعنوان (ما قبل التغيير- اعتقال وإعدام وتهجير) وهو فصل يتحدّث عن ثلاثة شبان يأتون من محافظة واسط جنوب بغداد متناولًا إبداعاتهم بطريقة النقد الأدبي. ثم يتحدث عن رحيل القاص كاظم الأحمدي في فصل (الثلاثية السردية أنتجت ثنائية) ويقول "شكّل ذلك الإرث جزءًا مهمًّا من تاريخ السردية العراقية وتحوّلاتها الفنية، لكن تلك الإبداعات والإضافات النصّية كان يشار لها من حيث التجاوز همسًا، لأن المجتمع الثقافي كان منقسمًا على نفسه ولا يرضى بالإبداع إلّا من أطراف سياسية محدّدة". ويتضمّن الكتاب فصلًا عن السارد البصري باسم الشريف وحمل عنوان (الرحيل قبل اكتمال النصّ)، إذ كان شريف مسكونا بالتأمل والانتظارات وكانت عوالمه "تتحدّث عن الحلم المنشود، والمرأة المنتظرة وويلات الحروب وانكسارات الإنسان العاشق لوطنه".

ويختتم كتابه بفصل عن رحيل قاص بصري آخر وهو مجيد جاسم العلي (رحلة حرف ومسيرة عناء) إذ يقول عنه "بعد رحيل النظام عاش العذاب في ظلّه، وقد يكون في ذلك شيء من العزاء للكاتب يخفّف عنه عذاب السنين في المعتقل إثر وشاية كيدية، وهو الإنسان الملتزم الذي كان يزرع حروف المحبّة في عقول تلاميذه الصغار، ويخطّ بقلمه الكثير من الصور الواقعية في تشكيل سردي قصصي يرى فيه توثيقًا إبداعيًا عن حياة أهله في الفاو أولًا".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.