}
عروض

"الفضاءات العامة في مدينة عمّان".. تحديات المناطق الحضرية وتحولاتها

ضفة ثالثة

28 مايو 2021




صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب ضرغام شتية "الفضاءات العامة في مدينة عمّان: بين التنوع الحضري والتباين الاجتماعي" يوضح فيه التحدّيات والتحوّلات التي تواجه المناطق الحضرية، كالهجرات المتزايدة إليها، وزيادة عدد سكانها والتغير في أنماط حياتهم وسلوكهم؛ إذ أسهمت هذه الزيادة المطردة والتحولات المختلفة في ظهور أحياء عشوائية للفقراء وأخرى حديثة ومتطورة للطبقات الغنية، الأمر الذي أنتج عدم المساواة والتباين بين أحياء المدينة والإقصاء الاجتماعي.

يبحث شتية في تأثير ظهور الفضاءات الحديثة في مدينة عمّان، ومدى تناقضها واختلافها مع الفضاءات القديمة، خاصةً في مركز المدينة القديم (البلد)، وإسهامها في نشوء التباين والاستقطاب الاجتماعي بين أحياء المدينة، وذلك من خلال دراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمكانية في الفضاءات العامة وتحليلها في العبدلي الجديد ومركز البلد القديم.

يستند شتية في دراسته إلى مناقشة فكر هنري لوفيفر في الفضاءات العامة وتحليله، ومناقشة أثر العولمة وما ترتب عليها من سياسات الليبرالية الجديدة، وأهم أدواتها الخصخصة، في خلق التناقض والتباين والتنافس بين الفضاءات العامة، ولا سيما الفضاءات القديمة، والفضاءات الحديثة التي صُمِّمت على أسس ومعايير عالمية موحدة.

يتألف الكتاب (320 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من سبعة فصول، يضم كل فصل مجموعة من المحاور. يتضمّن الفصل الأول بعنوان "الإطار العام للدراسة"، مشكلة الدراسة وأهدافها ومنهجيتها وإطارها النظري والدراسات السابقة.
 

مفهوم الفضاء العام وتطوره

في الفصل الثاني وعنوانه "مفهوم الفضاء العام وتطوره التاريخي"، يناقش شتية مفهوم الفضاء العام من وجهات نظر متعددة، وكذلك الفرق بين الفضاء والمكان، والفرق بين الفضاء العام والفضاء الخاص والعلاقة بينهما، وأهم أنواع الأنشطة التي تتم في الفضاء الحضري العام، كما تتبّع باختصار التطور التاريخي للفضاء العام من المدينة الإغريقية القديمة حتى مدينة ما بعد الصناعة.

يقول شتية: "ركّز تخطيط المدن على الخدمات وخلق فضاءات مميزة وجاذبة، حيث أصبح هذا الاتجاه من مميزات المدينة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء؛ لكن المدينة في الدول النامية تختلف عن نظيرتها في الدول المتقدمة بأنها ليست نتاج تطور في علاقات الإنتاج وأساليبه، بل هي نتيجة تطور الظروف السياسية الجغرافية، أو نتيجة نشاط الوسطاء التجاريين، على عكس المدينة الغربية التي مرّت بجميع مراحل التطور حتى وصلت إلى مرحلة التركيز على الخدمات وإنتاج المعرفة؛ الأمر الذي زاد من ربحها واستفادتها من تقديم الخدمات؛ لأنها هي من تصنعها، في حين أن المدينة النامية تستهلك المعرفة، وتستورد الخدمات وتعيد تقديمها؛ ما يقلل من أهمية عائدها على الناتج القومي الإجمالي".



دور العولمة والنيوليبرالية

أما الفصل الثالث المعنون بـ "نظريات ظهور الفضاءات العامة في المدينة ودور العولمة والنيوليبرالية"، فيتفحّص فيه شتية فكر هنري لوفيفر ونظريته في إنتاج الفضاء العام، وكذلك مفهوم الفضاء العام وتطوره والعوامل المؤثرة فيه عند يورغن هابرماس. وناقش فيه العولمة والنيوليبرالية وأثرهما في الفضاءات العامة وخلق التباين بينهما، إضافة إلى مناقشة قضية التحول الحضري الذي شهدته معظم مدن العالم، خصوصًا في الدول العربية؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور فضاءات عامة مختلفة ومتباينة.

وبحسب شتية، تشهد المدن العربية مشروعات نيوليبرالية في شكل إعادة تحسين وهيكلة حضرية تمثلت في فضاءات ضخمة من حيث الحجم ورأس المال؛ مثل مشروع العبدلي في عمّان، وسوليدير في وسط بيروت، والمنطقة المالية في المنامة، وأرض المرح في القاهرة، وتطوير نهر أبو رقراق في الرباط، وجزيرة اللؤلؤة في الدوحة، وحتى مكة المكرمة من خلال مشروع جبل عمر، والعديد من المشروعات في دبي، فيقول "تهدف المدن من خلال هذه المشروعات إلى تطوير مناخ تجاري تنافسي، وفضاءات سياحية حديثة من أجل جذب الناس للعيش والاستثمار. اعتبر بارثل هذه المشروعات العربية الضخمة القوى الرئيسة الموجِّهة للتخطيط العربي المعاصر، ورأى آخرون أن عمليات إعادة الهيكلة الحضرية هذه تحاكي التطورات في الغرب، وبالتالي تمثّل الرؤية الشرقية للغرب".
 

التباين في عمّان

ويتناول شتية في الفصل الرابع الذي حمل عنوان "عوامل نشأة التباين في مدينة عمّان وأثره على طبيعة الفضاءات العامة"، مدينة عمّان وتطورها، تاريخيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا ومكانيًّا، من أجل فهم الاستقطاب والتناقضات الحالية الموجودة في المدينة، والعوامل التي ساهمت في خلقها. كما يناقش دور تدفق البترودولار والتطور الاقتصادي وتبنّي سياسات النيوليبرالية والإصلاحات الاقتصادية والخصخصة والظروف السياسية والأمنية في المنطقة، التي دفعت بالعديد من الهجرات إلى المدينة، وتأثير ذلك في ظهور فضاءات حديثة ومميزة من الفضاءات القديمة، وكذلك دور تلك التطورات في التوسع الجغرافي لمدينة عمّان، والتحوّل الحضري وتوسيع الفجوة بين شرق المدينة وغربها.

ووفقًا لشتية، لم تحقّق العديد من المشروعات الأهداف المرجوة منها، "ربما لعدم إشراك المجتمع المحلي في مراحل التخطيط والتنفيذ، وكذلك لم يتم إنشاؤها بما يتناسب مع خصائص السكان وتفضيلاتهم، ومن هذه المشروعات على سبيل المثال تحسين شارع الوكالات وشارع الثقافة وغيرها الكثير من الفضاءات التي تكاد تكون خالية من المرتادين معظم ساعات اليوم. ويتبين من الفضاءات التي تم تحسينها كشارعَي الرينبو والوكالات، أنها تخاطب ذوي الدخل المرتفع، وفوق المتوسط، ولم يتم تخصيصها لكي تخدم عامة الناس؛ لأن أسعار المقاهي والمطاعم مرتفعة جدًّا مقارنة بالأوضاع الاقتصادية للسكان، ما يجعلها وجهة لفئات محددة، بالتالي فهي لم تساهم في تحقيق الاندماج الاجتماعي، بل على العكس، عمّقت الاستقطاب والتفاوت الاجتماعي".

 

تنوع حضري وتباين اجتماعي

وفي الفصل الخامس بعنوان "التنوع الحضري والتباين الاجتماعي في فضاءات مدينة عمّان: حالة دراسية (العبدلي الجديد ومركز المدينة القديم)"، ناقش شتية أهم أنواع الفضاءات العامة وأشكالها في مدينة عمّان، مركّزًا على العبدلي الجديد والبلد بصفتهما يؤلفان حالة دراسية ومثالًا واضحًا على التنوع الحضري والتباين الاجتماعي في فضاءات مدينة عمّان، من حيث موقع كل منطقة منهما، وحدودها ونشأتها وتطورها وأشكال الفضاءات العامة فيها وخصائصها، وكيفية تفردها واختلافها عن الفضاءات الأخرى.

ثم يضمّن شتية في الفصل السادس المعنون بـ "تحليل التنوع والتباين ومناقشتهما في الفضاءات العامة في منطقتي الدراسة"، عرضًا للمسح الميداني وتحليله من خلال مناقشة بيانات الاستبيان والمقابلات والملاحظات الشخصية وربطهما بالدراسات السابقة والفكر النظري. وحلل فيه كل منطقة وفضاءاتها العامة، من حيث خصائصها المادية، وأنواع السلع والخدمات، واستخدامات الأرض، وخصائص أصحاب المحال التجارية والعاملين فيها، وطبيعة تلك المحال وخصائصها المختلفة، إضافة إلى تناول الخصائص المختلفة للأفراد الذين يرتادون تلك الفضاءات، وتفضيلاتهم التسويقية، وأنواع الأنشطة والتفاعلات التي يقومون بها وأهدافهم من الزيارة، وسلوكهم تجاه تمضية أوقات الفراغ، وكذلك درجة رضاهم عن الفضاءات العامة والخدمات فيها، ملخّصًا ذلك بجدول يعرض فيه أهم معايير المقارنة بين منطقتي الدراسة.

 

نتائج وتوصيات

وأخيرًا الفصل السابع بعنوان "نتائج وتوصيات"، ناقش شتية نتائج بحثه، واقترح عددًا من التوصيات؛ منها إجراء المزيد من الدراسات حول نوعية الفضاء العام الملائم والمتلائم مع طبيعة السكان؛ وضرورة دعم المشروعات ذات المنفعة العامة، كالفضاءات العامة المفتوحة في المناطق القديمة والشعبية، على نحو متوازن مع الاستثمارات الموجهة للمشروعات الخاصة؛ وتحسين شبكة المواصلات وتنويع وسائلها؛ وتطوير الفضاءات العامة في مركز المدينة القديم وتزويدها بالأثاث والخدمات الملائمة، وتخصيص أجزاء منها للمشي والتسوق؛ وإيجاد فضاء عام يحتوي على أكبر قدر من الفئات الاجتماعية في عمّان، وربما المكان الأنسب هو مركز المدينة القديم (البلد) في حال تطويرها وتحسين شبكة المواصلات وتشجيع عقد المناسبات والفعاليات فيها؛ وإشراك المجتمع المحلي في تخطيط الفضاءات العامة وتصميمها؛ وإنشاء فضاءات عامة متنوعة في أرجاء عمّان كافة.

ضرغام شتية: باحث فلسطيني من قرية تل في قضاء نابلس. حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الحضرية والاقتصادية والاجتماعية من الجامعة الأردنية (2019). يعمل في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية. عمل محاضرًا غير متفرغ في عدد من الجامعات الفلسطينية. ونشر العديد من البحوث العلمية في مجلات عربية وأجنبية.

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.