}
عروض

"تعزيات الفشل".. البحث عن منفذ من خلال الكتابة

ليندا نصار

14 يوليه 2021
ساري موسى 



في مجموعته القصصية "تعزيات الفشل" الصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر عام 2021 بمنحة من المورد الثقافي، يشتغل الكاتب ساري موسى على إشكالية الكتابة وعزلة الكاتب التي تكاد تكون مشتركة بين العناوين المذكورة، فهو يعبّر عن هواجس الكاتب وعلاقته بالكتابة بمعالجة سردية تنمّ عن وعي جمالي حرص من خلاله على الالتصاق بالواقع عبر استعادة اللحظات، فهو يبثّ تفاصيل الحياة اليومية بتناقضاتها وتعقيداتها وبساطتها أحيانًا، ومع ذلك لم يهمل الكاتب عنصر التخييل بل حاول المزج بينه وبين الواقع، وهذه التقنية ذكرها إمبرتو إيكو في محاضراته المختصّة بالسرد والتأمّل. حاول الكاتب إيجاد رابط بين القصص لتكون هذه المجموعة متناسقة من حيث قرب المواضيع من بعضها البعض ومعالجتها بشكل سردي يعبّر عن رؤية ذاتية ينظر فيها من زاوية خاصّة به. وقد أورد الراوي نصوصه متحدّثًا عن الشخصيات بضميري الغائب والغائبة: "هي/هو" تارة وضميري المخاطب والمخاطبة: "أنتِ/ أنتَ" في الحوار الذي يمثّل أدوار الشخصيات الشاهدة على تفاصيل اليوميات الحياتية تارة أخرى.

يتألّف العنوان من كلمتي "تعزيات" و "الفشل". وهنا، هل يمكن القول إنّ الفشل يعزّي نفسه بنفسه بحركة داخليّة أو أن الكاتب ربما اختار هاتين الكلمتين وترك الكلمة الثالثة مضمرة في العنوان لتكون تعزيات فشل الإنسان؟ في كلتا الحالتين يبقى الفشل من أصعب ما تتعرّض له النفس الإنسانيّة في تأثيره السلبي على نواحي الحياة كافة بسبب الخذلان وتكاثر الخيبات التي تؤدي إلى الموت النفسيّ البطيء.

إذًا يبدو العنوان على علاقة وثيقة بأحداث القصص في المجموعة فهو يدل على الفشل المبرّر للإنسان ونكرانه في الوقت نفسه، كذلك يومئ إلى إمكانية الولوج إلى القصص عبر ارتباطه بأحداثها كما سيظهر لنا ذلك في مكان لاحق. وقد تكون تعزيات لفشل يحدث بتدرّج أو أنها جنازة الأنا المبتورة والنحيب الفاشل بعد انتهائها، كلها عبارات تجعلنا نشعر كأننا أمام صورة قاسية، أو لعلّنا نحيلها إلى صورة الإنسان بموته الرمزي وهو الذي لا يجد من يعزيه في حزنه على نفسه بعد التعرض للإحباط وفقدان الأمل.

يشتغل الكاتب في البناء القصصي ببُعدين: الأول هو الكاتب والكتابة، والثاني هو الكاتب والحياة.

لطالما تطرّق الكتّاب إلى إشكاليّة الكتابة بوصفها منفذًا ومتنفّسًا لهم، وكما يقول إدوارد سعيد "الإنسان الذي لم يعُد له وطن، يتّخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه". ونرى بعضهم يقيمون في المسافة الفاصلة بين خيار الحياة / الكتابة، وخيار الموت المجازي/ فراغ الحبر. وتسأل بثينة العيسى: "متى تبدأ الحدود الفاصلة بين الحياة والكتابة ومتى تنتهي؟" وتقوم تجربة الكتابة عند الكتّاب على أعمدة من الحرية التي لا يحدّها حبّ تحكمه عبودية الأفكار ولا تسير إلى سجن اللحظات بل تحاول التخفيف من عبء الحياة وعبء الذات نفسها، تلك التي ترفض فكرة الارتهان لكل ما قد يفصلها عن العزلة الكتابية.


ويهيمن الحقل الخاص بالكتابة ودلالاتها على معظم عناوين نصوص مجموعة "تعزيات الفشل"، فمنها "يوميات قارئ، حارس الكتب، الأوراق، المؤلّف، الشاعر، تصحيح خطأ النشر"... ويكاد لا يمرّ نص إلّا وتجد فيه معالجة لهذا الموضوع. فالكاتب ساري موسى يكاد يتّحد مع الشخصية التي ابتدعها لتؤدي دورها في النصوص، ويجعلها تفكّر في طقس الكتابة على نحو خاصّ وهي تمثّل الكاتب العربي الذي يعيش من الاستكتاب محاولًا التفرّغ للإبداع، ولكن من دون نتيجة، إذ أنه يعيش في مجتمع تحكمه الأزمات. يكتب ساري موسى على لسان المرأة /الحبيبة الحلم غير المحقَّق، أو على لسان الرجل/ الحبيب المنتظِر تحقيق الحلم. فيقول مثلًا في مكان من قصّة "نصيحة": "ألم تقل لي وحده عيش الحرمان يجعلنا نكتب بشكل جيد؟"

علاقة الرجل المرأة معقّدة وبسيطة كعلاقة الإنسان بنفسه والأشياء من حوله. إنه ذاك الذي يحلّل ويحاول فهم أسباب اقتراب أو ابتعاد المرأة عنه، وقد جاءت القصص في هذه المجموعة حاملة في ثناياها هذه الإشكالية تلاها الحوار للكشف عن نفسية الشخصيات وأطباعها وحكمتها في التصرف، وطرْحِ آرائِها في عدّة مواضيع حياتيّة. وتأتي قصة "المرأة التي تحبني" خير تعبير عن هذه العلاقة التي بقيت مفتوحة على البحث عن الحبيبة الافتراضية وفي حال وجودها، نرى من خلال سير الأحداث أنها ظلّت تتراوح بين قبول ورفض حياة الكاتب، وبعد العلاقة تعود إلى هذا الأخير، حالة الفشل الذي عزّى نفسه بنفسه كما ذكرنا في العنوان. (المرأة التي تحبني هل إنها لم تولد بعد؟ هل ماتت قبل مائة عام؟) (سأقضي عمري في البحث عن هوية حبيبتي لتحريرها من أسر صورتها ووحيدًا إن فشلت في ذلك).

يتّخذ الإنسان في المجتمع عدة مواقف من الحياة، ومن فشل العلاقات، وقد امتلك الكاتب القدرة على استعمال تقنية خاصة في التخييل للتعبير عن ذلك، وهذه الرؤية المتخيلة منبثقة من الواقع بافتراض الأحداث باختلاف وضعيات الكاتب المبدع الذي لا يمكن له أن يعيش في حالة من الفصام في شخصيته فيتأرجح بين العاشق والمبدع، ويبقى له أن يختار بين تحديد النهايات أو البحث عن المنفذ عبر الكتابة في حال عدم التوفيق بين الاثنين.

من هنا يمكننا اكتشاف عمق الأفكار وغناها في محاولة لتخطي المألوف فتبدو قدرة الكاتب على تكثيف نصوصه بما يتماشى مع المجموعة القصصية وتقنياتها مازجًا بين الحياة العادية بتفاصيلها اليومية والعامل الكتابي لنخلص إلى استنتاج أن الكاتب بالرغم من ظروف الحياة إلا انه قد يختار خط الكتابة كحياة كاملة.

تقترب تجربة الكاتب من القارئ من خلال التميّز الجمالي ليأتي البناء الفني محكما يسير جنبًا إلى جنب بحركة تتوازى مع المضمون.

تبدو الرموز قليلة فقد ابتعد الكاتب عن التكلّف، لتأتي قصصه مليئة بالتفاصيل والأحداث أو يمكننا اعتبارها سيرة ذاتية متقطّعة جاءت على شكل قصص قصيرة مباشرة لا تدعو إلى الكثير من التأويل وهذه البساطة هي التي ميزتها وجعلتها قريبة من القارئ.

نستنتج في النهاية محاولة الكاتب القبض على اللحظات في هذه النصوص، من خلال السرد الذي يكاد ينتهي في كل قصة من القصص بنهاية تعود فيها الشخصية الى نفسها وعزلتها والقصة تولّد قصة أخرى، ومن الحياة يخلق الكاتب حيوات مفصّلة تتضمّن شخصيات ومواقف حقيقية أو متخيّلة، صادرة من عوالم واقعيّة أو متخيّلة ممكنة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.