}
عروض

"الحياة تحت الصفر".. لحظات تراجيدية ولا ذروة بطولية

أنور محمد

20 يوليه 2021


كأنَّ الشاعر عباس بيضون في ديوانه "الحياة تحت الصفر" (دار هاشيت أنطوان/ نوفل- بيروت 2021)، والذي جاء بعد أكثر من خمسة عشر ديوانًا شعريًا، يسعى لتحقيق ذروة (عدمية)، لكن وهو يعيش عذابًا وخوفًا من أن يفترسه فيروس كورونا- كوفيد 19؛ هذا الفيروس الذي فاجأ الناس، وحَجَرَ عليهم في بيوتهم، وأدخلهم في سُكرٍ شيطاني، إذ يقول في قصيدته الأولى:"منفيٌّ إلى غرفتي/ أجرُّ أنا كسيحة/ من أمام التلفزيون/ أنسحبُ إلى السرير/ وأعدُّ خمسةً وسبعين عامًا/ قبل أنْ أنام".

في الغرفة التي اعتزل فيها الشاعر الحياة الاجتماعية مع الناس، ونفى جسده وروحه فيها، في غرفةٍ زنزانةٍ مؤقَّتة، في محطَّةٍ ليرحل إمَّا إلى، وإمَّا، وهو ابن الخامسة والسبعين وما يزال يتمسَّك بالحياة ويدافع عنها. نسمعُ صيحاتٍ، ضجَّاتٍ، صرخاتٍ، نبضاتٍ، وانحباس أنفاس. ولكنَّها أبدًا ليست ثرثرات؛ إنَّها أغنيات من نغمات حزينة، أغنيات من كلماتٍ، كلماتٍ تُدلِّكُ، تُدلِّكنا فتمدِّدُ لحظات اليقظة والحذر، فأنت هدفُ الأهداف وإِنْ قضيتَ فستقضي وحيدًا: هذا الجسدُ وحيدٌ مع نفسه/ إذا كانت الحياة التي يجرُّها حدثت فعلًا/ إنَّها خارج الوقت/ ولا عدَدَ لها أو ميعاد/ زمنٌ حرٌّ يجري كالدم/ زمنٌ لا يزالُ يتنفَّسُ ويدمدمُ في الداخل. أقلِّبُ خطوةً على خطوة/ وأدفنها في داخلي/ أبتلعُ الطريقَ وأتركها تتقلّب فيَّ أُدوِّرُ الساعات وأتنقّل بينها (...).

بيضون في حالة عزلٍ أولاني لكنَّه في الوجود، ولم يدخل حالة الفِقْد، وإنْ كان قد بدأ يعيش في درجة حرارة تحت الصفر، ذلك لأنَّ الشعر عنده وإن كان على شكل قصيدة النثر، فهو ليس تكديس كلمات، كلماتٌ مُكدَّسة. إنَّها كلماتٌ شراراتٌ تتقدُ وتخبو حتى تغدو لهبًا، كلماتٌ تشتعل ببطءٍ، بسرعةٍ، في مدٍّ وانحسار، كلماتٌ تنمو رغم أنّها ترصد ما يجري تحت الصفر، كلمات تنمو نموًا انفجاريًا، الكلمات عند شاعرنا لها لهبٌ هو لهبُ اللغة حين تشتغل وتشتعل الحواس- كورونا؟! هذا الفيروس المجهولُ المُعتم - حتى الآن لم يدَّع أحدٌ أبوَّته، والذي يحيلنا، أو يوقِعُنا في عتمةٍ سديمية، هو ما يقضُّ عقل عباس بيضون. ما هذه المعادلة الكيميائية التي أنجبت هذا الفيروس القاتل الذي فرَّ؛ أو لنقل: لم يكن يَتَخَيَّله جابر ابن حيان، وهو الذي أكَّد أنَّ (كُنْ) الإنسانية، وهي تُرسلُ أوامرها إلى كلِّ (الكائنات) كانت ميِّتة أو في الحياة إنَّما هي معادلةٌ يكوِّنها؛ يصنِّعُها الإنسان. مَنْ يكشف السر؟ مَنْ يحيلنا إلى هذا العدم؟. عباس بيضون قد لا يجيب حتى لا يتَّهم بريئًا، ولكنَّه، وفي تحت الصفر يعيش تأمُّلًا عدميًا، مُعاناةً، عسى أن يقبض على السرّْ: أولئك الذين لم يموتوا/ جاؤوا إلى هذا الرصيف/ لكي يتأكّدوا/ بعضُهم خرج من حجرات/ ولا يزال داخل حيطانها/ إنّها حصّته من الظلمة/ نحتَ منها رأسه/ الذي لا يزال على النافذة نفسها/ لا يزال ذلك الفكّ/ يطحن في العتمة/ أسرارًا وحزازات/ ومن هناك/ يتحدَّثُ إلى مجهولين موتى/ أمَّا الذين يتذكّرون أنّهم التقوا/ بالحتف مرقومًا على الشاشة/  فهم في بلدة أخرى/  هي الآن وبعد قرون/ مجرَّد قاربٍ/ وليست أكثرَ من لطخةٍ بيضاء/ جامدة ومنتظرة على سطح أزرق/ إذ لا نزال قبل الفيروس/ تقريبًا في زمن "المعلّم"/ الذي احتمى كلَّ مرَّةٍ/ بنوعٍ آخر من الكورونا/ لا يمكن أن نؤرِّخ/ إلاَّ بدءًا من أصناف مختلفة من الخوف/ كلُّ مرَّة ظهر في الهواء/ ذلك السرُّ الذي تنشّقه الجميع/ ولا يحتاج إلّا إلى رئةٍ/ مصنوعة لأجله/ إنَّها فقط الكلمة/ التي لا نعرف متى تخرجُ/ جُرثومةً/ من الأرض حيث خُنقت/ لا نعرف/ متى يمكن أن يعيدوا زرعها/ لا نعرف ماذا فعلنا/ تابعنا فقط/ ما سقط على الجانبين.


هل أُصِبْنا بالخرس، أم رحنا للتأمُّل الذي هو مَنْ يقودنا في هذه اللحظة إلى الوعي. تأمُّل، ومن ثمَّ وعي وعزل. فيروس يعزلنا فنصمُت، يُصمِّتُنا، يخرِّسُنا، لكن الشاعر بيضون وهو يعيش تجربة الصمت تراه لا يسكت. فَرْقٌ بين الصمت والسكوت، الصمتُ عزلٌ، ولكنَّ السكوتَ كلامٌ مُخْتَزَنٌ في الأعماق، كلامٌ مكسوٌّ- ليس عاريًا. مكسوٌّ بالأصوات والروائح والألوان والطعم؛ كلامٌ من نثر/ من قصائد نثرية تُصعِّدُ الشعور بالمصير- مصيرنا. فالفيروس كوفيد 19 يفتكُ بنا، وضحاياه فاقت ربَّما المليون وأكثر. لقد ماتوا، لم يموتوا في المعارك ميتةً عظيمةً. ماتوا غدرًا وإن كان الموت في كلِّ الحالات يعني فيما يعنيه انحلال الإنسان في الكون. لكنَّه موتٌ رفضه الشاعر بهذه الطريقة الخسيسة، إذْ لا نِزال، لا مُبارزة. أنت مُضحَّى بكَ، لحظة، لحظات تراجيدية ولا ذروة بطولية، وربَّما هذا ما يقهر عباس بيضون: ما يتشعَّبُ في السرِّ/ إلى مُدنٍ وأقاليمَ/ لم يكن سوى حائطٍ من الدمار/ الذي مشينا تحته/ وتحتَ العينِ التي انبثقت من العَتمِ/ بدون فكرة تعيدها/ إلى الظلمة نفسها/ التي بلا معنى/ سوى البقاء مهجورة ومحجورة/ وغير مرئيّة/ إلاَّ للموتى/ هناك ذلك الثقب/ الذي ابتلع ما بقي/ جميع الذين تواروا/ أكاذيبَ تَعِبت وهي تنتظرُ/ أوان خروجها/ وعودتها إلى الحياة/ الجامدة فوق السطح.

زحف درامي مرعب يتركك معزولًا في الغرفة، وأنت هو مَنْ يقفل بابها، ليس كـ"سجناء الطونا" لجان بول سارتر، أو الخاسرُ يفوز، حيث الإنسان محكومٌ عليه بالحريَّة وإن عزلَ أو سَجَنَ نفسه في غرفة. فيروس كورونا أو مَنْ اخترعه، وابتلى البشر به على سطح هذه الأرض لا يعترف بجريمته، لكنَّه ككلِّ الجلادين ستفاجئه تلك اللحظة ويجلدُ ذاتَه كما جلدَ الناسَ: إذن ماذا نفعل/ غير أن نرمي موتانا إلى البحر/ الذي لأمرٍ ما/ سوف يكون رائقًا وسعيدًا/ لأمرٍ ما/ سوف يعيدهم/ أكثر وسامةً/ لن يكون لدينا ما نشتريه/ تلك المقايضة الكبرى/ على مائدة الكلاب/ ليست من حصَّتنا/ وليس هذا هو السعر/ الذي يستحقّه الوباء/ بالتأكيد/ نشتري بالكورونا أثمن منه/ ليس لدينا ما ندفعه/ سوى هذا الصمت/ الذي يزداد بلاهة/ بالخبايا/ التي تتلوَّث أكثر/ كلّما وجدت اسمًا/ أو وجدت إلهًا.

نثرٌ، شعرٌ من نثرٍ يحفرُ -لا يكشط، عميقًا في النفس الإنسانية عن ما هو شيطاني، وعن ما هو رعوي ساذج. فالحياة لا تَعُدُّ موتاها الضعفاء الذين تُجرِّدُهم الأوبئة من قوَّتهم مهما كانوا أقوياء، هي تنساهم، لكنَّها تعدُّ وتنشرُ في مذكراتها أسماء موتاها الرسميين الذين عرفوا كيف وأين يموتون. الشاعر عباس بيضون يُصعِّدُ من غضبه، لقد أُهينت روحه، أهانها هذا الفيروس كوفيد 19، ولئن مات، فليكن موتًا حُرًّا كما مات سقراط.





*ناقد سوري.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.