}
قراءات

يونس عطاري: بين الجبال والرائحة وقصيدة الأبدية والهشاشة

باسمة التكروري

20 يناير 2025




يخطُّ يونس عطاري في ديوانيه "الجبال التي أحبت ظلي"، و"رائحة قميص معلّق"، مسارًا شعريًا يأخذ القارئ في رحلة متباينة عبر ثنائية الإنسان والطبيعة، الكوني واليومي، الخالد والعابر. في هذه النصوص، يبدو الشعر كأداة لاكتشاف الذات والعالم معًا، حيث تتنفس الكلمات بحسّ فلسفي عميق، وتمتزج برمزية معقدة تحاكي الأساطير القديمة، لكنها تنتمي في الوقت ذاته إلى واقعنا الحسيّ المتغير. عطاري ليس مجرد شاعر يكتب عن الجبال، أو القمصان؛ إنه كاتب يعيد تشكيلهما كرموز مشبعة بالحياة، تُفتح أمامنا كنافذة نحو الأبدية أو الحنين، وكأننا ننظر إلى الوجود ذاته عبر انعكاسات متداخلة.
في "الجبال التي أحبت ظلي"، يصوغ عطاري نصوصًا تتسم بكثافة رمزية تضعنا أمام تجربة تأملية عميقة. الجبال ليست صامتة كما عهدناها، بل تتحول إلى كائنات نابضة، تحب، تحمي، وتُقيم علاقة حميمة مع الظل الهارب. هنا تتجاوز الطبيعة دورها التقليدي في الشعر الرومانسي، كما نجد عند ووردزورث، أو شيلي، لتصبح شريكًا وجوديًا يسأل معنا عن معنى الحياة والثبات والزوال. ولا يقف عطاري وهو يستحضر الجبال في نصوصه عند حدود الوصف البصري، بل ينفذ إلى جوهر الكيان ذاته، حيث الجبل يصبح رمزًا للأبدية التي تتحدى الزمن، بينما الظل هو الذات المتغيرة، التائهة بين لحظات الفقد والبحث عن الديمومة. تتردد أصداء الفلسفة الوجودية هنا، كما لو أن هايدغر يعيد النظر في مقولته عن الإنسان باعتباره "كائنًا يسكن العالم"، إذ يجعل عطاري من الظل والجبل استعارة لهذه الإقامة المتوترة بين الأبدية والهشاشة.
على النقيض، يظهر في "رائحة قميص معلّق" شاعرٌ يميل إلى الأرض، فيتخلى عن الجبال لينحني نحو التفاصيل اليومية التي تختزن في بساطتها عمقًا لا يقل عن الفلسفة. الرائحة التي تحمل عبق الغائب، تتحول في هذه المجموعة الشعرية إلى وسيلة للعبور بين الماضي والحاضر، لتصبح الذاكرة حاضرة بقوة حسّية ما في النصوص. القميص ليس مجرد رمز للحب، أو الفقد، بل هو استعارة للإنسان ذاته، المعلّق بين لحظة كانت، وأخرى لم تأتِ بعد. هنا، يمكننا استشعار صدى لتجربة بروست في "البحث عن الزمن المفقود"، حيث تشكل الرائحة والمذاق أدوات لاسترجاع الماضي، إلا أن عطاري يجعل الرائحة أكثر حيوية، فهي لا تشكل استدعاءً وحسب، إنما تشكل إعادة هيكلة للحاضر، وكأن القميص المُعلّق يصبح كيانًا يحفظ الزمن، ويعيد تشكيله مرة بعد مرة.




يظهر الاختلاف الكبير في الأسلوب بين الديوانين انعكاسًا للاتجاه الذي سلكته تجربة يونس عطاري الشعرية في تمايزها وتطورها. ففي "الجبال التي أحبت ظلي" نرى شاعرًا يتأمل العالم من مسافة بعيدة، يصوغ نصوصه بلغة رمزية مكثفة تحتاج إلى تفكيك لتكتشف أبعادها المتعددة. الجبال هنا ليست مشهدًا، بل فضاء يطرح أسئلة وجودية، ويستدعي إجابات ليست موجودة. أما في "رائحة قميص معلّق"، فإن النصوص تنحاز للقارئ وتتحدث بلغة بسيطة، ومشحونة بالمعاني في الوقت ذاته، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى مرايا للذات. يخبرنا هذا التغير أننا أمام شاعر لا يكرر نفسه، بل يتحرك بوعي بين عوالم مختلفة، مما يجعل نصوصه حية وقابلة للتجدد.
ويمكن لهذا التباين أن يذكرنا بتجارب شعرية كبرى سلكت ذات الدرب في التجدد المستمر في الأسلوب. سأستحضر هنا على سبيل المثال، انتقال تي. إس. إليوت من التأمل الكوني في "الأرض اليباب" إلى التفاصيل الحميمة في "أغاني حب جيه ألفريد بروفروك". ويشابه هذا الانتقال كذلك الاختلاف الذي شهدته تجربة بابلو نيرودا الشعرية، اذ بدأ كشاعر رمزي يتأمل الكون، ثم انتقل لاحقًا إلى قصائد الحنين والحب التي تمس أدق تفاصيل الحياة. يقف عطاري في هذا الامتداد بين التجربة والوعي، إنما بصوته الخاص، مقدمًا لنا شعرًا لا يقف عند حدود الذات، بل يمتد ليشمل كل ما يحيط بها.
تأخذنا القراءة في أشعار يونس عطاري إلى ما هو أبعد من مجرد أنها تجربة أدبية. إنها رحلة حميمية لكل التباين الذي تحمله المفارقة بين صلابة وبعد الجبال، وهشاشة وقرب القمصان، بين الفلسفة والذاكرة، بين الكوني واليومي. تعيد الجبال التي أحبّت الظل تعريف علاقتنا بالطبيعة، وتجعلنا نرى فيها شريكًا وجوديًا لا مجرد ديكور. بينما يذكرنا القميص المُعلّق بالتفاصيل الصغيرة التي تحمل في طياتها ذاكرة الكون كله. يكتب عطاري قصائده كما لو أنه يعيد تشكيل الزمن ذاته، فيجعل من اللحظات العابرة أبدية، ومن الكيانات الثابتة شخصيات مرنة تتحرك وتتحدث وتحب.
في نهاية المطاف، تقدم قصائد يونس عطاري شهادة دامغة على قدرة الشعر على تجاوز حدود اللغة، ليصبح أداة لفهم العالم وإعادة صياغته. بين الجبال والرائحة، يكتب عطاري قصيدة كبرى، ليست كلماتها فقط ما يبقى في الذاكرة، بل إحساسها بالزمن والحياة، بما كان وما سيكون. إنه شاعر يعرف أن الشعر ليس إجابة، بل سؤال يتجدد، يحفر عميقًا في الوجود ليمنحنا مرآة نرى فيها أنفسنا والعالم، لا كما هما فقط، بل كما يمكن أن يكونا خلف الهشاشة والحنين.

*شاعرة وروائية فلسطينية مقيمة في كندا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.